مقالات

عزة الفشني تكتب: أمي.. أنتِ الباقية وأنا على أثرك ماضية

في يومٍ مثل هذا، غابت الشمس عن بيتنا، لكنها لم تغب عن القلب. رحلت أمي بجسدها، وتركت خلفها أثرًا لا تمحوه السنين، ولا يخفت مع الأيام. كانت الحضن الذي يردّ الروح إلى الروح، والدعاء الذي يسبق كل خطوة. واليوم، وأنا أقف على ذكرى رحيلها، أدرك أن الفقد لا يعني النسيان؛ فمن سكنت القلب لا ترحل، ومن عاشت فينا بالحب لا تموت.

رحلت عني بجسدها، لكنها أبدًا لم ولن ترحل مني. فكيف ترحل روحٌ سكنت الروح؟ وكيف يغيب وجهٌ صار من ملامح القلب نفسه؟ في هذه الذكرى السنوية لوفاتك يا أمي، يقف الحرف عاجزًا أمام ثقل الفقد، ويقف القلب مكسورًا أمام فراغٍ لا يملؤه أحد.

في مثل هذا اليوم، انطفأ نور البيت، وسكت الصوت الذي كان يملأ المكان دفئًا وسكينة. رحلت أمي، وتركت خلفها فراغًا لا تملؤه الأيام، ولا تعوضه الأشياء. رحلت بجسدها، لكنها لم ترحل من القلب، ولا من الذاكرة، ولا من كل تفصيلة صغيرة كانت تحيط حياتنا بحنانها.

الأيام تمضي ثقيلة، كأنها بلا لون ولا طعم، لكنها ماضية بدعواتكِ التي كنتِ تسبقين بها خطاي، وبوصاياكِ التي صارت لي زادًا في طريقٍ لا أنيس فيه سوى ذكراك. فلا صوتك غاب عن مسامعي، ولا وجهك فارق خيالي، ولا سيرتك مُحيت من القلب. أنتِ باقية فينا ما بقينا، ولله البقاء وحده.

كانت ثمة تفاصيل كثيرة بانتظارنا لم نعشها بعد، وأحلام صغيرة أجلناها للغد الذي لم يأتِ بعد رحيلك، وكلام كثير ادخرته لجلستك، فإذا بالصمت يسبقني. لكني أوقن أن حبك لم ينقطع، وأن دعاءك لا يزال يسبقني في كل خطوة، وأنني أحيا بكِ وفيكِ حتى نلتقي حيث لا وداع.

فما أصعب أن تعيش يومك وأنت تبحث عن وجه اعتدت أن تراه في الصباح، وعن كلمة كانت تسبقك إلى كل خطوة. الحال من غيرك ثقيل، والطريق من غير دعائك أطول، لكني أسير فيه لأنني أحمل وصاياك معي، وأدعو لكِ في كل سجدة أن تكوني في نعيمٍ لا ينقطع.

لقد أصبحت أشبه أمي

لم أكن أنتبه للأمر في البداية، لكن الأيام كشفت لي أنني صرت أنسج من خيطها. أصبحت أشبه أمي في كثيرٍ من تفاصيلها؛ في حديثها الهادئ الذي يطمئن القلب، وفي حنيتها التي تسبق الكلام، وحتى في طريقة إعداد الطعام، صارت يدي تتحرك كما كانت تفعل.

كأنها لم ترحل، بل انتقلت لتعيش في حركاتي وسكناتي. أجد نفسي أكرر جملتها التي كانت تقولها على عجل، وأضحك ضحكتها الخفيفة حين يدهمني الموقف، وأرتب البيت على عادتها، كأنني أعد المكان لاستقبالها.

هو قدرٌ جميل أن يحملك من فقدت على هيئة ميراثٍ لا يفنى. فأنا لم أفقدها كلها؛ فقد تركت لي منها ما يكفي لأبقيها حية في كل لحظة، وما يكفي ليقول لي الناس دون أن أدري: “تبدين مثل أمك”.

يا أمي، لم يكن غيابك موتًا للذكرى، بل كان حفرًا لها في أعماق الروح. لا صوتك غاب عن مسامعي، ولا وجهك فارق خيالي، ولا سيرتك تركت القلب. أنتِ باقية في كل دعاء، وفي كل دمعة، وفي كل لحظة شكر أقولها حين أتذكر ما صنعتِ من أجلنا.

أمي، كان بيننا كلام لم يُقل، وأحلام لم تكتمل، وتفاصيل صغيرة كنا نؤجلها لغدٍ لم يأتِ. ورغم يقيني بمرارة هذا الفقد، أوقن أيضًا أن لقاءنا لم ينتهِ، وأن المحبة التي جمعتنا أقوى من الموت، وأبعد من الغياب.

اللهم اجمعني بها في دار كرامتك، حيث لا فراق ولا ألم ولا دموع، واجعلني على عهدها وفيةً حتى نلتقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى