مقالات

سيلفيا مكرم تكتب: العلاج بالفن.. رحلة من التعبير عن الذات إلى الشفاء

في كثير من الأحيان يعجز الإنسان عن التعبير عمّا يدور بداخله بالكلمات. فهناك مشاعر ثقيلة لا تستطيع اللغة حملها، وآلام تختبئ خلف الصمت الطويل والابتسامات العابرة.

وفي عالم تتزايد فيه التحديات النفسية والاجتماعية، يبرز العلاج بالفن بوصفه أحد الأساليب الإنسانية القادرة على الوصول إلى أعماق النفس البشرية بلغة تتجاوز الكلمات والخطابات المباشرة، فالفن، بمختلف أشكاله، لا يقتصر على كونه وسيلة للتعبير الجمالي، بل يتحول إلى أداة فعّالة للتواصل والاستشفاء، وإعادة اكتشاف الذات، وبناء جسور التفاهم بين البشر على اختلاف خلفياتهم وثقافاتهم.

ويعتمد العلاج بالفن على استخدام الفن كوسيط سلمي يتلامس مع الإنسان أينما كان، من خلال وسائل إبداعية متنوعة، مثل التمثيل والرسم والغناء والتعبير الحركي وتحريك العرائس، وغيرها من الأدوات التي تمنح الفرد مساحة آمنة للتعبير عن ذاته دون خوف أو خجل، فهذه الوسائط تتيح للإنسان أن يختبئ خلف العمل الفني، ليكشف في الوقت نفسه عن مشاعره وأفكاره العميقة، ويتعرّف إلى ذاته بصورة أكثر وضوحًا.

ويمثل العلاج بالفن بابًا آمنًا للتعبير عن المشاعر المكبوتة، خاصة لدى الأشخاص الذين يجدون صعوبة في الحديث المباشر عن آلامهم أو مخاوفهم، فالطفل الذي لا يستطيع وصف قلقه بالكلمات قد يرسمه بألوان داكنة أو أشكال معبّرة، بينما قد يجد المريض النفسي في الموسيقى أو الرسم مساحة يفرغ فيها توتره الداخلي دون الحاجة إلى الشرح أو التبرير.

ولا يتوقف دور العلاج بالفن عند حدود التعبير الذاتي، بل يمتد إلى إحداث تغييرات ذهنية ونفسية عميقة، تساعد الأفراد على التحرر من بعض الأفكار السلبية أو الموروثات المجتمعية التي تؤثر في حياتهم وعلاقاتهم بالآخرين. فالفن يفتح الباب أمام عملية مراجعة داخلية تقود إلى النمو النفسي، والتعافي من أنماط فكرية قد تكون هادمة للفرد والمجتمع.

وتتنوع آليات تطبيق هذا النوع من العلاج بين ورش العمل، واللقاءات الجماهيرية، والعروض التفاعلية، خاصة ما يُعرف بالمسرح التفاعلي أو المسرح التشاركي، وخلال هذه الأنشطة تُطرح قضايا اجتماعية مهمة، مثل العنف، والعنصرية، والطائفية، والعنف ضد المرأة، وقضايا الميراث، والثأر في الصعيد، في إطار يتيح للمشاركين فرصة التفكير والحوار وإعادة النظر في مواقفهم وأحكامهم المسبقة.

وتكمن أهمية هذه الآلية في أنها تضع الإنسان أمام ذاته وأمام الآخر في الوقت نفسه، فيكتشف أوجه التشابه والاختلاف بينهما. فالشخص الذي قد يراه خصمًا أو مختلفًا عنه، يتبيّن له في النهاية أنه يواجه الهموم نفسها والتحديات ذاتها، وأن هناك مساحات واسعة من القواسم المشتركة التي تجمع بين البشر مهما اختلفت انتماءاتهم.

وخلال السنوات الأخيرة، ازداد الاهتمام العالمي بالعلاج بالفن داخل المستشفيات والمراكز النفسية والمدارس، بعدما أثبتت العديد من الدراسات تأثيره الإيجابي في تخفيف أعراض القلق والاكتئاب والتوتر النفسي، كما أصبح يُستخدم مع الأطفال الذين يعانون من اضطرابات التواصل أو فرط الحركة أو التوحد، وكذلك مع كبار السن، ومرضى الصدمات النفسية، والأمراض المزمنة.

ولا يقتصر تأثير الفن على الجانب النفسي فقط، بل يمتد إلى تحسين عدد من الوظائف الذهنية المهمة، مثل التركيز والانتباه وتنشيط الذاكرة وتعزيز الإبداع. فالفن يمنح العقل فرصة للهدوء، ويخرج الإنسان من دائرة الضغوط اليومية والتفكير المستمر إلى مساحة أكثر صفاءً وتأملًا.

ويرى متخصصون في الصحة النفسية أن ممارسة الأنشطة الفنية تساعد كذلك على خفض مستويات التوتر، إذ تؤدي حالة التركيز أثناء الرسم أو التلوين أو العزف إلى تهدئة الجهاز العصبي وتقليل الشعور بالقلق. ولهذا أصبحت وسائل مثل التلوين للكبار، والموسيقى الهادئة، والكتابة التعبيرية من الأدوات التي يلجأ إليها كثيرون لتحسين حالتهم النفسية والمزاجية.

وفي المؤسسات التعليمية في كثير من الدول، يتزايد الاهتمام بدمج الأنشطة الفنية في البرامج التربوية، ليس فقط لتنمية المواهب، بل أيضًا لدعم الصحة النفسية للطلاب، ومساعدتهم على التعبير عن أنفسهم بصورة صحية ومتوازنة. فبعض الأطفال قد يعجزون عن الإفصاح عن مشكلاتهم بالكلمات، بينما يستطيعون التعبير عنها بسهولة من خلال الرسم أو اللعب بالألوان.

أما بالنسبة للكبار، فقد أصبح الفن ملاذًا نفسيًا للكثيرين في ظل ضغوط الحياة المتسارعة. فالرسم والعزف والكتابة والأشغال اليدوية تحولت إلى وسائل تمنح الإنسان لحظات من السلام الداخلي، وتخفف من الشعور بالإرهاق النفسي.

ورغم ما يحققه العلاج بالفن من نتائج إيجابية، لا يزال هذا المجال في مصر بحاجة إلى مزيد من الدعم والمساحات التي تسمح بانتشاره وتطويره.

ويرى بعض المعالجين والعاملين في هذا المجال أن محدودية الإمكانات، وضعف الوعي المجتمعي بأهمية العلاج بالفن، لا يزالان يمثلان تحديًا أمام انتشاره بصورة أوسع، وربما يثير ما يحدثه من تغيير في بعض الأفكار والسلوكيات قدرًا من القلق لدى البعض.

لكن التجارب العملية أثبتت أن الفن قادر على إحداث تحولات حقيقية في الأفكار الهدّامة التي تؤثر سلبًا في المجتمع، وتحويلها إلى مواقف أكثر إيجابية وتسامحًا وقبولًا للآخر، كما أن العلاج بالفن لا يُغني عن العلاج الطبي أو النفسي المتخصص عند الحاجة إليه، لكنه يمثل وسيلة داعمة فعّالة تساعد الإنسان على فهم ذاته والتصالح مع مشاعره بطريقة أكثر هدوءًا وعمقًا.

إن الفن كان دائمًا جزءًا أصيلًا من التجربة الإنسانية، لكنه اليوم يثبت أنه ليس مجرد وسيلة للمتعة أو الترفيه، بل لغة قادرة على ملامسة الجروح الخفية داخل النفس، وربما تكمن عظمة العلاج بالفن في أنه لا يطلب من الإنسان أن يكون قويًا طوال الوقت، بل يمنحه مساحة آمنة للضعف، والبكاء، والتعبير، دون خوف من الأحكام.

إنه يفتح بابًا خفيًا بين الإنسان ونفسه، ويعيد إليه القدرة على الشعور، والتفريغ، والشفاء. فهناك جروح لا تُحكى، لكنها تُرسم، وهناك أحزان لا تُقال، لكنها تُعزف.

قد يغيّر الفن شيئًا ما في المجتمعات، وقد يكون قادرًا على إنقاذ إنسان من الانهيار، ومنحه سببًا جديدًا للحياة.

فبين لون هادئ، ونغمة دافئة، وكلمة صادقة، قد يجد الإنسان طريقه نحو التعافي دون أن ينطق بحرف واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى