
عزة الفشني تكتب: سقوط القسم.. حين طلب مدير المدرسة ثمن التربية من شرف الأمهات
حرمُ المدرسة هو ذلك المكان الذي تُصان فيه البراءة، وتُغرس فيه القيم قبل أن تُحفَظ فيه الدروس. هو البيت الثاني الذي نترك فيه أبناءنا مطمئنين إلى أن من يقف على بابه رجل يحمل أمانة لا وظيفة، ورسالة لا راتبًا.
فماذا نقول حين يتحول الباب نفسه إلى فخ؟
وحين يصبح حارس الأمانة صيادًا يتربص بالأمهات؟
حين يطلب مدير مدرسة من ولية أمر رشوة جنسية مقابل حق ابنها في التعليم، فنحن لا نقف أمام انحراف فردي عابر، بل أمام انهيار معنى. انهيار جدار كان آخر ما تبقى لنا لنقنع أبناءنا أن الشرف لا يُباع، وأن المدرسة ليست سوقًا، وأن الكبار لا يساومون على الأعراض مقابل توقيع.
هذه ليست قصة فساد إداري.
إنها قصة خيانة للمعنى الذي قامت عليه المدرسة منذ عرفها البشر: أن تكون الحصن الذي إذا سقط، سقطت معه كل الحصون.
المدرسة ليست جدرانًا وطباشير. المدرسة هي أول مكان يندمج من خلاله الطفل مع المجتمع، وأول وعد بأن هناك مكانًا آمنًا سيحميه حين تُغلَق عليه أبواب البيوت.
فماذا يحدث حين يتحول صاحب القسم إلى أول من يخونه؟
وماذا يتبقى من معنى التربية إذا كان من يجلس على كرسي المدير يرى في ولية أمر مجرد صفقة رخيصة يساوم عليها بشرفها؟
طلب الرشوة الجنسية صفعة على وجه فكرة كاملة
خبر مدير مدرسة القليوبية، الذي طلب من ولية أمر رشوة جنسية مقابل إنهاء إجراء يخص ابنها، لا ينبغي أن يُقرأ كحادث فردي. هذا الخبر صفعة على وجه فكرة كاملة. صفعة تقول إن الفساد لم يعد يكتفي بسرقة المال، بل وصل إلى سرقة الأمان من أقدس مكان يفترض أن يصونه.
حرم المدرسة كان دائمًا الخط الأحمر الذي تقف عنده كل الانحرافات. هو المكان الذي نعلّم فيه أبناءنا أن يقولوا: لا للتحرش، لا للابتزاز، لا للمساومة.
فكيف نطق الشيطان من فوق منصة الأخلاق ذاتها؟
التحول لا يحدث فجأة. المدرسة لا تصبح مستنقعًا بين ليلة وضحاها. تبدأ القصة حين يتحول الكرسي الإداري من تكليف إلى سلطة مطلقة بلا رقابة. حين يظن المدير أن مكتبه دولة، وأن الأختام التي في درجه مفاتيح لأبواب لا يملكها.
يبدأ الانحدار حين تموت هيبة القانون داخل الأسوار، ويكبر في نفس صاحبه شعور بأنه فوق الحساب، لأن أحدًا لم يسأله يومًا: من أين لك هذا النفوذ؟
المفارقة المؤلمة أن المدرسة هي المكان الذي نعلّق فيه لافتة كبيرة كُتب عليها: التربية قبل التعليم.
نطلب من الطفل أن يحترم معلمته، وأن يغض بصره، وأن يحفظ لسانه، ثم نكتشف أن كبير المعلمين يستخدم منصبه ليبتز أمًا جاءت بقلب خائف على مستقبل ابنها.
أي انفصام هذا؟
وأي جيل ننتظر أن يخرج من تحت يد رجل يرى في استغاثة أم فرصة لانحرافه؟
الطالب الذي يسمع أن مديره سقط في قضية أخلاقية لا يتعلم الدرس من الكتاب، بل يتعلمه من الواقع. يتعلم أن الشعارات تُعلَّق على الجدران لتموت هناك، وأن المثال الحي الذي حدثوه عنه كان كذبة تمشي على قدمين.
إذا كان هذا حال من يدير المكان، فلمن نشكو؟
الأخطر من الفعل نفسه هو ما يتركه في نفس ولية الأمر وبقية الأمهات. المرأة التي دخلت المدرسة تطلب حقًا لابنها، خرجت منها وهي تحمل سؤالًا مسمومًا:
إذا كان هذا حال من يدير المكان، فلمن أشكو؟
وإلى من ألجأ إذا كان حامي الحمى هو من يريد افتراسي؟
هنا تنكسر علاقة الثقة بين البيت والمدرسة. وهي العلاقة الوحيدة التي إن انهارت، انهار معها كل أمل في الإصلاح.
القبض على مدير مدرسة القليوبية ليس نهاية القصة، بل بدايتها. البداية التي يجب أن نفتح فيها ملفًا أكبر من شخص. ملفًا يسأل: من الذي عيّن؟ ومن الذي راقب؟ ومن الذي صمت؟ وكيف نعيد للمدرسة قدسيتها بعد أن لطخها صاحبها؟
لأننا إن اكتفينا بحبس الرجل ونسينا السبب الذي صنع منه وحشًا، فغدًا سنجد وحشًا آخر يجلس على الكرسي نفسه، ويطلب الرشوة ذاتها من أم أخرى في مدرسة أخرى.
القدوة إذا سقطت، سقط معها كل ما بُني فوقها
المدرسة التي لا تحمي شرف الأمهات لا تستحق أن تربي الأبناء. والمدير الذي يساوم على جسد امرأة مقابل ورقة لا يستحق أن يُؤتمن على حرف واحد.
التربية قبل التعليم، نعم.
لكن الدرس الأول في التربية هو أن القدوة إذا سقطت، سقط معها كل ما بُني فوقها.
في النهاية، السقوط الأكبر ليس سقوط مدير من كرسيه، بل سقوط الحرم المدرسي من عرش القداسة إلى وحل المساومة.
مدير مدرسة القليوبية لم يبتز امرأة واحدة، بل طعن فكرة كاملة اسمها المدرسة. طعن ثقة أم كانت تظن أنها تدخل مكانًا يحمي ابنها، فاكتشفت أنها دخلت عرينًا يطلب ثمن الحماية من شرفها.
القضية لا تُغلَق بحبس رجل.
تُغلَق حين نستعيد المعنى الذي ضاع. حين يعود حرم المدرسة خطًا أحمر لا يجرؤ أحد على تلويثه. وحين يصبح كرسي الإدارة أمانة يُسأل عنها الضمير قبل أن تحاسب عليها القوانين.
لأن الطفل الذي يسمع أن مديره ساوم أمه، لن يصدق غدًا درسًا عن الأخلاق يُكتب على السبورة.
المدرسة التي لا تصون عرض الأمهات لا تستحق أن تفتح أبوابها للأبناء. والتربية التي تبدأ بابتزاز لن تنتهي إلا بجيل يعتقد أن كل شيء له ثمن، حتى الشرف.
وإذا وصلنا إلى هناك، فعلى التعليم السلام، وعلى الأخلاق الرحمة.



