مقالات

المجتمع المدني والدولة.. توازن أم استقلالية؟

طرحت قضية العلاقة بين المجتمع المدني والدولة نفسها على بساط البحث والدراسة داخل العديد من المؤسسات والجامعات باعتبار ان ضبط تلك العلاقة هو محور عملية التنمية الشاملة في العديد من المجتمعات فبدون الدولة لا يستوى دور المجتمع المدني وبدون المجتمع المدني تصبح الدولة ثقيلة الحركة ضعيفة الإنجاز، الا ان هناك العديد من المفكرين ما طرح تلك العلاقة في سياقات أخرى فمنهم من اكد على ضرورة الاستقلالية الكاملة لمنظمات المجتمع المدني عن الدولة باعتباره عين المواطن التي يراقب بها ولا تجوز للعين ان تخضع لمن تراقبه ، وهناك اتجاه آخر راي أنه من الأهمية ان تتداخل الدولة بشكل كامل مع منظمات المجتمع المدني بدءا من التأسيس مرورا بالممارسة وانتهاءا بمجمل الدور المجتمعي الذي تقوم به ، وهم يرون ذلك لازما لتجنب ان تكون تلك المنظمات منبرا لشبكات من مصالح دول أخرى قد تتعارض مع المصلحة الوطنية للدولة الأم . وبين هذين الاتجاهين ظهر اتجاه ثالث يؤكد على أهمية المجتمع المدني واستقلاليته دون ان تؤثر هذه الاستقلالية على ضرورة ضبط دوره وتنظيمه بالشكل الذي يخدم دور الدولة المدنية الحديثة التي هي الهدف الاسمى المفترض لوجود المجتمع المدني .

 فكثيرة هي المنظمات التي تنتمي إلى المجتمع المدني وتلعب أحياناً دوراً في تقييد عملية مدينة الثقافة العامة للمجتمع، نظراً إلى رؤيتها التقليدية وانتماءاتها السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية، التي تتعارض أحياناً مع التقدم والحداثة. وقد برزت أيضاً رغبة جامحة لدى الكثيرين في تأسيس جمعيات يديرها أفراد أو شخصيات ناشطة في الشأن العام، لكن خلفياتها ذاتية أو في بعض الأحيان لتحقيق أرباح مالية أو لخدمة أهداف شخصية، ثم الادعاء بأنها تنتمي إلى المجتمع المدني. وهو أمر لا يساعد على تجاوز الصورة النمطية التي تسعى القوى التقليدية إلى إلصاقها بالمجتمع المدني بعدما بات يهدد مصالحهم. وهم يسعون إلى الترويج لهذا التصور بشتى الأساليب لإفقادها المصداقية، ومن ثَمّ إضعاف دورها وتأثيرها.

لذلك، فمن الأهمية تصويب المفاهيم لتصبح أكثر وضوحاً ولتحديد المقصود منها بدقة أكثر. فـ”الخيار المدني” مثلاً هو ذاك الخيار الذي يعتنق مبادئ حقوق الإنسان ويدافع عنها بمفهومها الشامل والمتكامل. وهذا الخيار يعمل على تعزيز الشفافية والمساءلة والمحاسبة ويتصدى للفساد ويتبنى مفهوم سيادة الدولة والمؤسسات وفصل السلطات، وهو الذي يعبر عن المجتمع المدني كما نراه، في حين أن الأطر التقليدية التي تراعي بعض القيود على حساب الثقافة المدنية للمجتمع هي أقرب إلى المجتمع التقليدي الذي يعزز الانتماءات الأولية.

وأمام هاتين الفئتين من المنظمات التي تنتمي إلى المجتمع المدني يصبح هذا الفضاء حلبة لصراع الأفكار وتنافسها من أجل بلورة المواقف من القضايا والتحديات والعمل على تطويرها، وهو أمر إيجابي إلى حد كبير، حيث التنوع والاختلاف يشكل صمام أمان لتصويب المواقف والمعايير، بشرط أن تتوافر البيئة الملائمة لذلك.

إلا أن بعض الرؤى رأت أنه من أجل ضبط أكبر لحركة المجتمع المدني؛ فإن ذلك يتطلب أحياناً تدخل الدولة، فرغم أن المجتمع المدني هو الذي يحمي الفرد من القوة الطاغية التي تملكها الدولة، فإنه ليس كما يتخيل بعضهم مصدراً للنظام التلقائي والتناغم التلقائي، فإعادة بناء المجتمع يمكن أن يخلق بعض المشكلات والتوترات المرتبطة به، فكم حجم القوة التي يمكن أن تُمنح لمنظمات المجتمع المدني المسؤولة عن التنمية الاجتماعية في بعض المناطق؟ وماذا يحدث لو كان لتلك المنظمات تصورات مختلفة عن الأوضاع في مجتمعاتها تختلف عن تصور الدولة؟ لذا، فإن الدولة قد تكون مضطرة أحياناً إلى التدخل في أنشطة بعض منظمات المجتمع المدني، من أجل أن تحمي الأفراد من صراعات المصالح التي لا يخلو منها المجتمع المدني، ولكن لا يمكن للدولة أن تقوم مقام المجتمع المدني، لأنها إذا حاولت أن توجد في كل مكان، فلن يكون لها وجود في أي مكان .

وهو ما جعل من قضية تدخل الدولة في بعض أنشطة المجتمع المدني لتدعيم دور الثقافة المدنية تحديداً أمراً مقبولاً، وذلك من خلال وضع بعض الشروط التي تتعلق بالقوانين واللوائح الداخلية لهذه المنظمات؛ كأن تفرض نظام قانونيا يسعى الى عدم التمييز على أساس عرقي او نوعي او ديني او مناطقي في عضوية المنظمة ،بالإضافة الى الحرص على ديمقراطية تلك التنظيمات بالمتابعة الدقيقة لانشطتها واهمية ان تكون تلك الأنشطة معبرة عن الإرادة الجمعية لاعضاء التنظيم وليس إرادة فوقية لمجموعة من المحتكرين لارادة تلك المنظمة. وهو ما يجعلنا ننظر الى دور الدولة باعتباره الحامي والضامن والمعزز لتلك المنظمات من اجل مدينة الثقافة الوطنية وهو ما يترتب عليه ضبط حركة المجتمع وتطوره نحو بناء الدولة المدنية الحديثة .  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى