
من البحر الأحمر إلى المتوسط.. هل توسّع مسيّرة دمياط دائرة الحرب؟
د. عماد عنان
قال مجلس الوزراء المصري، في بيان صادر الخميس 30 تموز/يوليو الجاري، إن التحقيقات الأولية أظهرت أن طائرة مسيّرة تسببت في اندلاع حريق على متن سفينتين بميناء دمياط، على ساحل البحر المتوسط، مساء الأربعاء، من دون تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم، ليسدل الستار رسميًا على موجة الاجتهادات التي اشتعلت عقب الحادثة.
وأوضح المجلس أنه “بعد السيطرة على الحريق الذي تعرضت له سفينتان في ميناء دمياط يوم 29 تموز/يوليو 2026، وإجراء الجهات المعنية التحقيقات الأولية بشأن الحادث، تبين أنه ناتج عن طائرة مسيّرة، فيما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الواقعة”.
ويمثل استهداف أهداف داخل الأراضي المصرية، حتى وإن لم يسفر عن إصابات بشرية، تطورًا لافتًا ينقل الصراع الدائر في المنطقة إلى مرحلة مختلفة تمامًا، رأسيًا وأفقيًا. كما يزيد، بوتيرة متسارعة، من مخاوف التصعيد واتساع رقعة المواجهة، وتدحرج كرة النار على نحو قد يصعب احتواؤه.
ويُعد ميناء دمياط، الواقع على ساحل البحر المتوسط، أحد أهم الموانئ المصرية ونقطة عبور إقليمية حيوية، لا سيما في ظل اضطراب حركة الملاحة العالمية نتيجة تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، كما يضم الميناء منشآت استراتيجية لاستقبال الغاز الطبيعي المسال وتخزينه وإعادة تغويزه، قبل ضخه في الشبكة القومية للغاز.
ومن شأن حادثة كهذه، بما حملته من صدمة للشارع المصري وما يُنتظر أن تتركه من أصداء إقليمية ودولية سياسية واقتصادية وأمنية، أن تفتح الباب واسعًا أمام جملة من التساؤلات بشأن ملابسات ما حدث، ودلالاته، والرسائل التي يحملها، فضلًا عن تداعياته المحتملة على سوق الطاقة العالمي، الذي يعاني بالفعل حالة من الاضطراب.. ويبقى السؤال الأهم: كيف ستتحرك القاهرة إزاء هذا التطور؟
الخطاب الإعلامي.. تسلسل تدريجي
مرّ التعاطي الإعلامي مع الحادثة بتسلسل زمني كشف حجم الارتباك والصدمة اللذين أحدثتهما الواقعة، وكانت البداية مع إعلان وكالة “رويترز“، نقلًا عن شركة “أمبري” للأمن البحري، أن منشأة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال وإعادة تغويزه، مملوكة لشركة أميركية وترفع علم جزر مارشال، تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة واحدة على الأقل أثناء رسوها في ميناء دمياط.
وقد لاقى هذا التصريح، الذي كان المصدر الوحيد للمعلومات في ذلك الوقت، صدى واسعًا؛ إذ تناقلته عشرات وسائل الإعلام العالمية وعدد من المنصات الإقليمية، وتعاملت معه بدرجة كبيرة من التأكيد، قبل أن تقابله بعض المصادر الإعلامية المصرية بالنفي.
ثم جاء بيان وزارة البترول المصرية ليكشف جزءًا من الحقيقة، حين أشار إلى اندلاع حريق على متن السفينتين من دون تحديد أسبابه، ما أبقى الباب مفتوحًا أمام التكهنات والاجتهادات، قبل أن يحسم مجلس الوزراء الأمر في بيان لاحق، مؤكدًا أن الحادث نجم عن هجوم بطائرة مسيّرة.
ماذا عن هوية السفن المستهدفة؟
تباينت الروايات بشأن الهدف الذي استهدفته المسيّرة المجهولة، إذ تشير إحداها إلى استهداف سفينة واحدة، قبل أن تمتد النيران إلى السفينة الأخرى، بينما تفيد رواية ثانية بأن الهجوم أصاب السفينتين بشكل مباشر، ما أدى إلى اندلاع حرائق كبيرة فيهما قبل أن يتم السيطرة عليهما لاحقًا.
السفينة الأولى هي (Energos Winter)، المملوكة لشركة (Energos Infrastructure) الأميركية، والمسجلة برقم ” IMO: 9256614″ وهي وحدة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال وإعادة تغويزه، وليست مجرد ناقلة غاز تقليدية.
وتبلغ سعتها التخزينية نحو138.25 ألف متر مكعب، فيما تصل قدرتها على ضخ الغاز بعد إعادة تغويزه إلى نحو 450 مليون قدم مكعب يوميًا، وتعمل السفينة في ميناء دمياط ضمن أربع وحدات عائمة استأجرتها مصر لتأمين احتياجات السوق المحلية من الغاز، لا سيما لقطاعي الكهرباء والصناعة.
أما السفينة الثانية فهي (GasLog Salem)، وهي ناقلة للغاز الطبيعي المسال ترفع علم برمودا، ومسجلة برقم”IMO: 9638915″ وتملكها شركة (CL Gas Ten Ltd)، بينما تتولى تشغيلها تجاريًا شركة (GasLog LNG Services ) اليونانية.
وقد وصلت إلى ميناء دمياط مساء 25 تموز/يوليو الجاري بعد عبورها قناة السويس، وكانت راسية على رصيف الغاز المسال بالقرب من السفينة الأميركية، ووفق الرواية المنشورة، لم تكن السفينة هدفًا مباشرًا للهجوم، وإنما امتدت إليها النيران عقب استهداف السفينة الأولى.
لماذا تأخرت القاهرة في كشف سبب الحادث؟
لا بد من الإشارة أولًا إلى أن بيان وزارة البترول المصرية لم ينفِ أن تكون طائرة مسيّرة وراء الانفجار، لكنه اكتفى بالإشارة إلى النتيجة، وهي الحرائق التي اندلعت على متن السفن، من دون التطرق إلى السبب، وهو ما أبقى الباب مفتوحًا أمام التكهنات؛ فلم يصدر نفي لفرضية المسيّرة، كما لم يصدر تأكيد رسمي لها، وربما كان ذلك أحد أسباب حالة التخبط التي أحاطت بالمشهد.
ويمكن إرجاع تأخر الحكومة في الكشف عن سبب الحرائق إلى عدة اعتبارات، في مقدمتها ضرورة التحقق الفني من طبيعة الواقعة، والوقوف على أسبابها وملابساتها وتفاصيلها، مع إعطاء الأولوية لإدارة الأزمة وإخماد الحريق وتأمين الموقع، قبل الانشغال بإدارة الرواية الإعلامية.
كذلك، كانت الحكومة بحاجة إلى التروي ودراسة الموقف بدقة قبل تأكيد فرضية الاستهداف بالمسيّرة؛ إذ إن تبني هذه الرواية رسميًا كان من شأنه نقل الحادث إلى منحى مختلف تمامًا، بما يحمله من تبعات أمنية وسياسية ودبلوماسية لا ترغب القاهرة في الانخراط فيها في الوقت الراهن.
كما سعت القاهرة، على الأرجح، إلى الحفاظ على مساحة للحركة الدبلوماسية، ومنح نفسها وقتًا كافيًا لإجراء التقييمات والاتصالات اللازمة مع الأطراف المعنية، قبل إصدار صياغة رسمية قد تضعها أمام التزام سياسي أو تدفعها إلى تبني خطوات لاحقة.
وعلاوة على ذلك، فإن صدور الإعلان عن الحكومة، وليس عن المتحدث باسم القوات المسلحة كما طالب البعض، يشير إلى حرص القاهرة على إبقاء الواقعة في إطارها السياسي، لا العسكري، خاصة أن ملابسات الحادث لم تكن قد اتضحت بعد؛ فلا جهة معلومة أعلنت مسؤوليتها عنه، كما لم يكن قد جرى التوصل عمليًا إلى الطرف الذي يقف خلفه.
كرة النار تتدحرج.. دلالات متباينة
حملت حادثة دمياط جملة من الدلالات والرسائل السياسية والاقتصادية والأمنية، وجميعها تشير إلى اتساع رقعة الصراع وتصاعد مستوى التوتر في المنطقة، وتتمثل أولى هذه الدلالات في امتداد دائرة المواجهة من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، بما يفتح المجال أمام انتقال الحرب خارج نطاقها الجغرافي التقليدي منذ بدايتها، فانتقال التهديد من الممرات المائية الضيقة، مثل مضيق هرمز وباب المندب، إلى البحر المتوسط، بما يمثله من أهمية استراتيجية وتجارية، ينطوي على مخاطر أوسع ويفرض قراءات أكثر خطورة لمآلات التصعيد الإقليمي.
كما حملت الحادثة رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة مفادها أن مصالحها باتت عرضة للاستهداف، سواء في البحر الأحمر أو البحر المتوسط أو في أي ساحة أخرى، وأنها لم تعد بمنأى عن الخطر حتى وإن كانت بعيدة نسبيًا عن مسارح المواجهة التقليدية.
وبالتبعية، قد تحمل الحادثة رسالة إلى القاهرة أيضًا، وإن كانت أقل حدة من تلك الموجهة إلى الولايات المتحدة، وتتعلق بالموقف المصري من الحرب الدائرة حاليًا، فرغم التزام القاهرة قدرًا من الحياد النسبي، واضطلاعها بدور وساطة لإنهاء الحرب، فإن وقوع الاستهداف فوق أراضٍ مصرية يمنح الحادث بعدًا مباشرًا يتعلق بالدولة المصرية وسيادتها وأمنها.
ويمكن قراءة هذه الرسالة في ضوء التطور الأخير المتمثل في انخراط السعودية في المشهد بعد تبنيها مقاربة هادئة ودبلوماسية، قبل أن تدفعها الانتهاكات الحوثية إلى الرد، ثم يتطور الموقف لاحقًا إلى استهداف الميليشيات الموالية لإيران في العراق، ردًا على هجمات طالت أهدافًا سعودية.
إمدادات الطاقة في مرمى الاستهداف
ومن أبرز الدلالات التي حملتها الواقعة أيضًا أن أمن الطاقة العالمي لم يعد بمنأى عن تداعيات الحرب، وأن التصعيد قد يتجاوز حدوده الحالية إلى نطاق أوسع يهدد حركة الشحن وإمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي.
ومنذ بداية الحرب كانت إمدادات الطاقة أحد أبرز الأسلحة المستخدمة في الضغط وتحقيق الأهداف السياسية، وهو السلاح الذي أثبت حضوره وفعاليته في الميدان لما يمثله من خطورة لا تمس أطراف المواجهة فقط بل العالم أجمع.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مصدرين إيرانيين قولهما إن “انفجار دمياط” يستهدف إيصال رسالة مفادها أن الشحن العالمي وإمدادات الطاقة قد تتعرض لمزيد من الاضطرابات إذا اختارت إيران التصعيد، من دون أن يفصح المصدران عن الجهة التي تقف وراء الهجوم.
إيران المتهم الأبرز والجاهز
تتجه أصابع الاتهام، وفق منطق الاحتمالات، نحو ثلاث جهات رئيسية قد تكون وراء هذا الاستهداف، رغم أنه، وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها الرسمية عن الحادث، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام التكهنات استنادًا إلى قاعدة: “فتّش عن المستفيد”.
وتأتي إيران ومحورها في مقدمة هذه الاحتمالات، باعتبارهما المتهم الأبرز في مثل هذه العمليات، بالنظر إلى طبيعة الهدف، وتوقيت الاستهداف، والرسائل المحتملة التي يحملها، فالسفينة المستهدفة مملوكة لشركة أميركية، كما أن الهجوم من شأنه إحداث هزة في خريطة أمن الطاقة الإقليمي والعالمي، فضلًا عن أن وقوعه في البحر المتوسط يوحي بمحاولة توسيع نطاق الصراع خارج ساحاته التقليدية، وهي أهداف قد تخدم طهران من خلال رفع كلفة المواجهة، وتعزيز قدرتها على الضغط، وتحسين موقعها التفاوضي في أي مسار سياسي مقبل.
ولا يُشترط، في هذا السياق، أن تكون المسيّرة قد أُطلقت مباشرة من الأراضي الإيرانية، نظرًا إلى بُعد المسافة وارتفاع احتمالات رصدها وتعقبها وإسقاطها، فقد يكون الإطلاق قد تم من نقطة أقرب، عبر أحد حلفاء طهران أو وكلائها في المنطقة، مثل الحوثيين في اليمن، أو حزب الله في لبنان، أو فصائل مسلحة موالية لإيران في العراق، وربما من خلال مجموعات أخرى تنشط بالقرب من البحر المتوسط.
غير أن هذا الاحتمال يثير بدوره تساؤلات مهمة: هل يمكن أن تخاطر طهران بعلاقاتها مع القاهرة من خلال تنفيذ عملية كهذه، رغم أن مصر تؤدي دورًا محوريًا في الوساطة الرامية إلى إنهاء الحرب؟ وهل من مصلحتها استدراج مصر إلى المواجهة، في وقت لم تنخرط فيه القاهرة بصورة مباشرة في العمليات ضد إيران، باستثناء وجود عسكري محدود ورمزي لبعض القوات أو الطائرات المصرية في عدد من دول الخليج؟ وهل تستحق محاولة توجيه رسالة تصعيد إلى الولايات المتحدة المجازفة بفتح جبهة توتر جديدة مع مصر؟
إسرائيل المستفيد الأكبر
أما الاحتمال الثاني، فيتجه نحو إسرائيل، باعتبارها من أكثر الأطراف استفادة من توسيع دائرة الصراع وإشعال مزيد من الجبهات في المنطقة، وقد يخدم مثل هذا التصعيد حكومة بنيامين نتنياهو، خاصة مع اقتراب الانتخابات، بما يمنحها فرصة لإطالة عمرها السياسي، في ظل تراجع شعبيتها وتصاعد الانتقادات الموجهة إلى أدائها في إدارة الحرب، لا سيما بالتزامن مع الضغوط التي تمارسها على إدارة دونالد ترامب لدفعها نحو مزيد من التصعيد مع طهران.
وهناك احتمال آخر يتعلق بقوى أو كيانات قد تكون لها مصلحة في تأجيج الموقف وتعزيز حالة الاستقطاب ضد إيران، مهما كانت كلفة ذلك على استقرار المنطقة، أو في توريط مصر وتكبيدها خسائر محتملة في قطاعي الطاقة والخدمات اللوجستية، ويكتسب هذا الاحتمال أهميته في ظل إحاطة مصر بعدد من الصراعات والنزاعات المتفاقمة، من السودان وصولًا إلى منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
بين الاحتواء والرد.. كيف تتحرك القاهرة؟
تدرك القاهرة جيدًا أن ما حدث يمثل تحولًا لافتًا في المشهد، وأن أبعاده الإقليمية تتجاوز بكثير حدود حادث عابر أو استجابة انفعالية سريعة، لا سيما في ظل محاولات جرّها إلى دائرة الصراع بعدما انخرطت فيه معظم القوى الإقليمية، باستثناء مصر وتركيا على نحو خاص.
ومن ثم، فإن الموقف يتطلب قدرًا كبيرًا من التروي، وقراءة أكثر عقلانية للمشهد، ودراسة متأنية لكل الملابسات، خاصة في ظل عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن الحادث، وفي هذا السياق، تقف القاهرة أمام عدة سيناريوهات، أبرزها تبني سياسة الصبر الاستراتيجي إلى حين استكمال التحقيقات والوصول إلى نتائج دقيقة بشأن هوية الجهة المسؤولة والطرف الذي يقف خلفها.
وإلى أن تتضح الصورة كاملة، من المرجح أن تعمل القاهرة على احتواء الحادث، والإبقاء عليه في إطار الفحص الفني والأمني، قبل توجيه أي اتهام مباشر إلى جهة بعينها؛ إذ قد تترتب على مثل هذه الخطوة تداعيات سياسية وأمنية أوسع، ربما لا ترغب الدولة المصرية في الذهاب إليها في هذا التوقيت الحرج والحساس.
غير أن ذلك لا يعني التزام القاهرة الصمت؛ إذ تمتلك عددًا من الأدوات والأوراق الأخرى، من بينها تدويل الحادث بصورة محسوبة عبر مجلس الأمن والأمم المتحدة والمنظمة البحرية الدولية، مع التأكيد على احتفاظها بحقها في اتخاذ ما تراه مناسبًا لحماية سيادتها وأمنها القومي.
كما يُحتمل أن تدفع الحادثة القاهرة إلى تعميق علاقاتها وشراكاتها الأمنية مع الدول العربية المتضررة من هجمات المسيّرات، خصوصًا السعودية والأردن ودول الخليج، إلى جانب الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، وقد ترتفع كذلك احتمالات انضمام مصر إلى ترتيبات أو تحالفات إقليمية ودولية تهدف إلى حماية الممرات المائية والمنشآت البحرية، بعدما أصبحت هي الأخرى عرضة للاستهداف.
أما الخيار العسكري، فرغم أن القاهرة لا تفضله في معظم الملفات التي تميل فيها إلى المقاربة السياسية والدبلوماسية، فإنه يظل مطروحًا على الطاولة إذا تكررت الحادثة، أو جرى تحديد هوية منفذها بصورة قاطعة استنادًا إلى أدلة دقيقة، وعندها ستتحدد طبيعة التحرك وتوقيته وفق ما تراه القوات المسلحة المصرية مناسبًا لحماية الأمن القومي وردع أي تهديد مماثل.



