قضايا وتحليلات

إثيوبيا على حافة مواجهة جديدة.. كيف تقرأ القاهرة المشهد؟

يتابع الشارع المصري عن كثب التطورات المتسارعة في الداخل الإثيوبي، في ظل تصاعد المواجهة بين الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا وقوات التيغراي، في واحدة من أخطر موجات التوتر التي تشهدها البلاد منذ توقيع اتفاق بريتوريا للسلام عام 2022.

ويعيد التصعيد الحالي إلى الواجهة مخاوف عودة الصراع الإثيوبي إلى مربع المواجهة المفتوحة، بما يهدد بتقويض الترتيبات التي أرستها اتفاقية السلام التي أنهت حربًا دامية استمرت عامين، وكانت من أكثر الصراعات دموية في القرن الأفريقي خلال العقود الأخيرة، والتي أودت بحياة ما يقرب من 600 ألف شخص.

وخلال الفترة الأخيرة، شهدت المواجهات تطورات ميدانية لافتة، مع إعلان قوات التيغراي تحقيق تقدم في عدد من المناطق الاستراتيجية، بالتزامن مع تصاعد الاشتباكات في أقاليم مجاورة، من بينها أمهرة وعفر، ما يعكس اتساع دائرة التوتر خارج حدود الإقليم نفسه ويزيد من تعقيد المشهد الداخلي الإثيوبي.

ولا تنظر القاهرة إلى ما يجري في إثيوبيا باعتباره شأنًا داخليًا منفصلًا عن حساباتها الإقليمية؛ فالتطورات الإثيوبية تأتي في ظل علاقة شديدة الحساسية بين البلدين، ارتبطت خلال السنوات الماضية بملف سد النهضة والخلافات حول قواعد الملء والتشغيل، إلى جانب تباين المواقف بشأن التحركات الإثيوبية المرتبطة بالبحر الأحمر وتوسيع الدور البحري لأديس أبابا، وهي ملفات ترى القاهرة أنها تمس توازنات الأمن الإقليمي ومصالحها الاستراتيجية.

ومن هنا يطرح التصعيد داخل إثيوبيا تساؤلات واسعة في القاهرة حول طبيعة انعكاساته المحتملة سواء على سد النهضة أو مستقبل الأمن المائي المصري والاستقرار في القرن الأفريقي.. فكيف تقرأ القاهرة التصعيد الإثيوبي الراهن؟ وما السيناريوهات التي قد تترتب عليه بالنسبة لمستقبل العلاقات المصرية–الإثيوبية وملف سد النهضة؟

لا تنظر القاهرة إلى ما يجري في إثيوبيا باعتباره شأنًا داخليًا منفصلًا عن حساباتها الإقليمية؛ فالتطورات الإثيوبية تأتي في ظل علاقة شديدة الحساسية بين البلدين، ارتبطت خلال السنوات الماضية بملف سد النهضة والخلافات حول قواعد الملء والتشغيل

بدأت موجة التصعيد الحالية في منتصف أيلول/ سبتمبر الجاري، بعدما أعلنت سبع جماعات إثيوبية مسلحة ومعارضة توحيد صفوفها مع قوات التيغراي، في إطار تحالف جديد يهدف إلى إزاحة حكومة آبي أحمد وإعادة رسم المشهد السياسي في البلاد، وجاء الإعلان مصحوبًا برسالة واضحة مفادها أن اتفاق بريتوريا للسلام الموقع عام 2022 لم يعد، من وجهة نظر هذه القوى، إطارًا قادرًا على إدارة العلاقة مع الحكومة الفيدرالية أو معالجة جذور الأزمة القائمة.

في المقابل، تتمسك حكومة أديس أبابا باتفاق بريتوريا باعتباره المرجعية السياسية والقانونية التي أنهت الحرب في إقليم تيغراي، وتؤكد أن مسار السلام لا يزال قائمًا، وكان رئيس الوزراء آبي أحمد قد أشار خلال كلمته أمام البرلمان في تموز/يوليو الماضي إلى أن الاتفاق مثّل نقطة تحول أنهت الحرب، لافتًا إلى تشكيل إدارة انتقالية في الإقليم، إلى جانب تنفيذ برامج لنزع السلاح وإعادة التأهيل والإدماج لأكثر من 60 ألف مقاتل سابق، لكنه في الوقت نفسه اتهم أطرافًا داخل تيغراي بمواصلة ما وصفه بـ«الاستفزازات اليومية» التي قد تدفع نحو تجدد الصراع، محذرًا من دور أطراف خارجية في تغذية حالة عدم الاستقرار.

وتكمن أهمية الجولة الحالية من المواجهة في طبيعة التطورات الميدانية التي صاحبتها؛ إذ تمكنت قوات التيغراي والقوى المسلحة المتحالفة معها من تحقيق تقدم ملحوظ والسيطرة على مواقع ونقاط ذات أهمية لوجستية، ما أعاد طرح احتمالات متعددة بشأن مسار الصراع خلال المرحلة المقبلة.

فالمشهد الحالي يبدو مختلفًا عن جولات التصعيد السابقة، سواء من حيث اتساع دائرة القوى المنخرطة في المواجهة أو من حيث طبيعة التحدي الذي تواجهه الحكومة الفيدرالية، ومن ثم، تبقى الأسئلة مفتوحة حول قدرة حكومة أديس أبابا على احتواء هذا التصعيد وإعادة فرض الاستقرار، أو ما إذا كانت إثيوبيا تتجه نحو مرحلة جديدة من عدم اليقين السياسي والأمني قد تعيد البلاد إلى أجواء الصراع التي أعقبت حرب تيغراي الأولى.

لا تتعامل القاهرة مع هذا التصعيد داخل إثيوبيا باعتباره شأنًا داخليًا منفصلًا، بل تنظر إليه باعتباره تطورًا يرتبط بعدد من الملفات التي تمس المصالح المصرية المباشرة، وفي مقدمتها ملف سد النهضة والأمن المائي المصري، فضلًا عن المخاوف المرتبطة بالتحركات الإثيوبية الرامية إلى تعزيز حضورها في منطقة البحر الأحمر والسعي للحصول على منفذ بحري.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، تقرأ القاهرة التطورات الإثيوبية من خلال مسارين رئيسيين، مسار سياسي وآخر أمني، فعلى المستوى السياسي، ترى مصر أن تصاعد التوترات الداخلية قد يفرض ضغوطًا إضافية على حكومة آبي أحمد، التي ستجد نفسها منشغلة بإدارة أزماتها الداخلية والحفاظ على توازناتها السياسية، وهو ما قد يؤثر في قدرتها على تبني مواقف أحادية في الملفات الخارجية، ومن بينها ملف سد النهضة، أو قد يدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها في ظل التحديات الداخلية المتزايدة.

أما على المستوى الأمني والاستراتيجي، فتتمثل المخاوف المصرية في التداعيات المحتملة لأي اضطراب واسع داخل إثيوبيا على طبيعة التعامل مع ملف السد، فاستمرار حالة عدم الاستقرار أو تراجع تماسك الدولة الإثيوبية قد يجعل المفاوضات أكثر تعقيدًا، سواء بسبب صعوبة الوصول إلى طرف قادر على اتخاذ قرارات مستقرة، أو بسبب ظهور بيئة سياسية وأمنية أكثر تشددًا، بما يحد من فرص التوصل إلى تفاهمات بشأن إدارة مياه النيل.

وبناءً على هذه المقاربة المزدوجة، تتابع القاهرة التطورات داخل إثيوبيا بدرجة عالية من الحذر والترقب، انطلاقًا من إدراكها أن مسار الأزمة الحالية قد يحمل تداعيات تتجاوز حدود الداخل الإثيوبي، وقد يؤثر في ملفات إقليمية حيوية بالنسبة لمصر، كما أن طبيعة المرحلة المقبلة ستتوقف على قدرة الأطراف الإثيوبية على احتواء التصعيد أو انتقاله إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تختلف عن جولات التوتر السابقة.

وفق قاعدة “فتش عن المستفيد”، حاول رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، تفسير التصعيد الأخير بين الحكومة الفيدرالية والجماعات المسلحة باعتباره مرتبطًا بأدوار خارجية، حيث اتهم مصر والسودان بدعم جبهة تيغراي والجماعات المسلحة المناهضة للحكومة الإثيوبية.

كما أشار إلى أن إريتريا تؤدي، بحسب روايته، دور حلقة الوصل بين قوى خارجية وهذه الجماعات داخل إثيوبيا، معتبرًا أن جبهة تيغراي وإريتريا لا تملكان القدرة منفردتين على تحدي الحكومة الفيدرالية دون دعم خارجي من السودان ومصر وأطراف أخرى.

ورغم عدم صدور موقف رسمي مصري بشأن هذه الاتهامات، فإن عددًا من القراءات المصرية اعتبرت أن تحميل أطراف خارجية مسؤولية التوترات الداخلية في إثيوبيا يعكس محاولة لإعادة تفسير الصراع من زاوية خارجية بدلًا من التركيز على جذوره الداخلية.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاستراتيجي والعسكري المصري سمير راغب أن الزج باسم مصر في الصراع المسلح الداخلي مع جبهة تحرير تيغراي لا يتجاوز كونه افتراضًا قائمًا على احتمالات غير مثبتة، يهدف إلى نقل أزمات أديس أبابا الداخلية إلى أطراف إقليمية، وتحميلها مسؤولية صراعات ترتبط في الأساس بالتركيبة السياسية والأمنية داخل الدولة الإثيوبية.

وأوضح راغب أن هذه الاتهامات تستند إلى فرضيات غير دقيقة، مشيرًا إلى أنه “لو كانت القاهرة تسعى إلى التدخل في الداخل الإثيوبي بهدف الضغط في ملفات أخرى، لكانت قد تحركت خلال الحرب التي اندلعت عام 2020، عندما كان الصراع في تيغراي في ذروته وقبل استكمال مراحل مهمة من بناء سد النهضة”

وأضاف أن الصراع القائم في إثيوبيا يرتبط بدرجة أساسية بإشكاليات داخلية ممتدة، موضحًا أنه يمثل صراعًا على السلطة والثروة ونمط إدارة الدولة، في ظل خلافات حول طبيعة النظام الفيدرالي ومحاولات إعادة صياغة العلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم.

وبذلك يبقى الجدل حول الأدوار الخارجية جزءًا من السرديات المتنافسة حول تفسير الأزمة الإثيوبية؛ ففي الوقت الذي ترى الحكومة الفيدرالية أن هناك دعمًا خارجيًا يغذي تحركات الجماعات المسلحة، ترى قراءات أخرى أن جذور الصراع تعود بالأساس إلى تحديات الحكم وبنية الدولة الإثيوبية وتاريخ التوتر بين المركز والأقاليم.

بعيدًا عن الموقف الرسمي، يتباين النقاش داخل الشارع المصري حول التطورات الجارية في إثيوبيا بين مقاربتين رئيسيتين تختلفان في تقدير تداعيات إضعاف حكومة آبي أحمد على المصالح المصرية.

يرى الاتجاه الأول أن تصاعد الضغوط على الحكومة الإثيوبية قد يمثل فرصة لتقليص قدرتها على المناورة في ملف سد النهضة، باعتبار أن انشغالها بأزماتها الداخلية قد يدفعها إلى مراجعة سياساتها الخارجية، أو يفتح المجال أمام وصول تيارات سياسية جديدة قد تتبنى مقاربة مختلفة وأكثر انفتاحًا في التعامل مع القاهرة بشأن الملفات الخلافية، وفي مقدمتها ملف المياه.

في المقابل، يحذر اتجاه آخر من التعامل مع حالة عدم الاستقرار في إثيوبيا باعتبارها تطورًا إيجابيًا بالضرورة بالنسبة لمصر، إذ يرى أن سقوط حكومة آبي أحمد أو دخول البلاد في مرحلة طويلة من الاضطراب قد يخلق تحديات جديدة أكثر تعقيدًا.

فالفوضى قد تعني غياب طرف تفاوضي واضح قادر على اتخاذ قرارات مستقرة، أو صعود قوى أكثر تشددًا، أو زيادة صعوبة إدارة ملف سد النهضة وتشغيله، فضلًا عن احتمالية توظيف ملف المياه كأداة تعبئة سياسية وقومية داخل المشهد الإثيوبي الداخلي.

ويستند أنصار هذا الرأي إلى أن استقرار الدولة الإثيوبية، حتى مع وجود خلافات سياسية معها، قد يكون أكثر قابلية للإدارة من حالة الانهيار أو التفكك التي قد تنتج عنها تداعيات أمنية أوسع، فإضعاف مؤسسات الدولة وتصاعد الصراعات الداخلية قد لا يقتصر أثره على الداخل الإثيوبي، بل قد يمتد إلى الإقليم بأكمله، خاصة منطقة القرن الأفريقي التي تمثل أهمية استراتيجية ولوجستية متزايدة بالنسبة للقاهرة.

وبذلك يدور الجدل المصري حول معادلة معقدة بين فرص الضغط التي قد تنتج عن انشغال أديس أبابا بأزماتها الداخلية، وبين مخاطر الفوضى التي قد تجعل التعامل مع الأزمة أكثر صعوبة؛ إذ قد تكون الخصومة السياسية مع دولة مستقرة أسهل في الإدارة من التعامل مع فراغ أمني وسياسي واسع في منطقة ذات أهمية استراتيجية.

(ألترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى