مقالات

هرمز وتسويات تحت الطاولة.. إلى أين تمضي المنطقة؟

بين أمواج الخليج المتلاطمة وكواليس الدبلوماسية السرية، يمر الشرق الأوسط بأحد أكثر منعطفاته حرجاً؛ حيث لم يعد مضيق هرمز مجرد شريان حيوي لإمدادات الطاقة العالمية، بل تحوّل إلى ساحة مفتوحة لرسم ملامح تسوية كبرى محتملة بين واشنطن وطهران.

وفي وقت تتأرجح فيه المنطقة بين حافة الانفجار الشامل وفرص السلام المؤجل، تبرز التحركات الأخيرة لتكشف عن رغبة خفية لدى الأطراف الفاعلة في استبدال لغة السلاح بطاولة المفاوضات، ممهدة الطريق لتوازنات قوى جديدة قد تعيد تشكيل الخارطة الإقليمية بأكملها.

ما يجري اليوم بين إيران وسلطنة عُمان حول مضيق هرمز يستحق التوقف عنده، ليس فقط بسبب أهمية المضيق الاستراتيجية، بل لأن ما يجري قد يكون مقدمة لتسوية أوسع بكثير من مجرد ترتيبات ملاحية.

المفاوضات جرت في عُمان، وترافقت مع اتصالات ومباحثات في سويسرا، وسط قدر كبير من السرية. وهذا بحد ذاته يطرح سؤالاً مشروعاً: هل كانت هذه المفاوضات إيرانية–عُمانية فقط، أم أن الأميركيين كانوا حاضرين بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟

وهذا السؤال يصبح أكثر أهمية عندما نتذكر أن سويسرا استضافت بالفعل المباحثات الأميركية–الإيرانية الأخيرة، وأن مذكرة تفاهم وُقّعت بين واشنطن وطهران، ثم بدأت مباحثات في بُرغنشتوك حول آلية تنفيذها. كما تحدث الوسطاء عن خارطة طريق تقود إلى اتفاق نهائي.

ومن هنا، فإن ما يجري اليوم قد لا يكون اتفاقاً منفصلاً حول هرمز فقط، بل ربما يكون جزءاً من مسار أكبر لإعادة تفعيل التفاهم الأميركي–الإيراني الذي بدأ في سويسرا.

هناك مؤشرات تدفع إلى الاعتقاد بأن واشنطن وطهران لا تريدان العودة إلى نقطة الصفر، بل تبحثان عن صيغة تحفظ ما تم التوصل إليه وتعيد إطلاق المفاوضات، ولو بصورة تدريجية وبشروط جديدة.

وهذا، إذا تحقق، سيكون تطوراً بالغ الأهمية.

لأن الاتفاق الأميركي–الإيراني لا يتعلق بالملف النووي وحده؛ بل يرتبط أيضاً بالعقوبات، وأمن الخليج، ومضيق هرمز، وأسعار الطاقة، ووقف التصعيد في المنطقة.

وهرمز قد يكون الاختبار الأول لهذا المسار.

فأي تفاهم يفتح المضيق أمام الملاحة بصورة مستقرة لن يكون مكسباً لإيران وحدها، ولا لعُمان وحدها، بل سيكون مكسباً للخليج كله، وللولايات المتحدة، وللهيكل الاقتصادي العالمي.

الحرب في الخليج لا تملك رابحاً حقيقياً.

أما داخل إيران، فإن الحرب الأخيرة يبدو أنها أعادت ترتيب موازين القوى الداخلية، مع تصاعد نفوذ المؤسسات الأمنية والعسكرية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، بالتوازي مع التفاف قطاعات واسعة من الإيرانيين حول الدولة في مواجهة الحرب الخارجية.

وهذا التطور يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند قراءة أي اتفاق مقبل مع واشنطن أو مع دول المنطقة.

إيران تخسر، ودول الخليج تخسر، والولايات المتحدة تخسر، والأسواق العالمية تخسر.

ومن هنا، فإن عودة الأميركيين والإيرانيين إلى طاولة التفاوض، واستكمال ما بدأ في سويسرا، قد تكون الطريق الأقل كلفة أمام الجميع.

فالخزانة الأميركية اتخذت أخيراً خطوات تتعلق ببعض شركات الطيران والطائرات المرتبطة بإيران، لكنها في الوقت نفسه أبقت العقوبات على «ماهان إير» واتخذت إجراءات جديدة مرتبطة بشبكتها. لذلك لا يمكن القول إن واشنطن رفعت العقوبات عن الطيران الإيراني بمجمله، لكن يمكن القول إن ملف العقوبات والطيران أصبح جزءاً من المشهد الذي يجب مراقبته عن كثب.

وهنا تحديداً تكمن بارقة الأمل.

قد لا يعود الاتفاق السابق حرفياً، وقد تتغير بنوده وشروطه، وقد تضاف إليه ملفات جديدة. لكن مجرد وجود مسار لإعادة إحياء التفاهم الأميركي–الإيراني يعني أن لغة الدبلوماسية لم تمت، وأن الحرب ليست بالضرورة الكلمة الأخيرة.

أما بالنسبة إلى لبنان، فإن أي انفراج أميركي–إيراني سيترك آثاره حتماً على المشهد اللبناني.

المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية تجري في ظل ضغط أميركي لإنجاحها، بينما تبقى الحسابات الإسرائيلية، وفي مقدمتها حسابات بنيامين نتنياهو السياسية، عاملاً أساسياً في تحديد مسارها.

لكن إذا اتجهت المنطقة نحو تسويات جديدة، فسيتعين على لبنان أيضاً أن يعيد النظر في علاقاته الإقليمية وفق مصالحه الوطنية، بعيداً عن سياسة القطيعة أو تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين.

وفي هذا السياق الدبلوماسي المتسارع، جاءت الكلمة الأخيرة للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك لتضع النقاط على الحروف؛ حيث أكد بوضوح أن طهران على أتم الاستعداد والجاهزية للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة في حال أظهرت واشنطن جدية حقيقية، مشدداً في الوقت ذاته على أن إيران لن تستسلم ولن تخضع لأي لغة قوة أو ضغوطات تمارس ضدها. هذا الموقف الإيراني الرسمي يتقاطع مباشرة مع الجهود المبذولة خلف الكواليس، ويعزز فرضية وجود إرادة متبادلة لتفادي الانزلاق إلى حرب بالمنطقة بأكملها.

وفي المحصلة، يظل الشرق الأوسط واقفاً على حد السكين؛ ما بين رغبة جامحة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من تفاهمات، ومخاوف مشروعة من حسابات اللحظات الأخيرة التي قد تطيح بكل شيء. إن العودة المفترضة إلى مسار سويسرا وعُمان ليست مجرد مناورة سياسية لإنقاذ اتفاق نووي أو ممر ملاحي، بل هي طوق النجاة الأخير لمنع حريق إقليمي شامل لا يبقي ولا يذر.

لقد أثبتت الأيام أن الحروب في هذه البقعة من العالم لا تصنع منتصرين، بل تراكم رماداً وخسائر، وتظل الحقيقة الثابتة وسط هذا الركام: الدبلوماسية مهما تعثرت تظل أقل كلفة من طبول الحرب، والتاريخ يعيد التذكير بأن خيارات القوة قد تؤجل الصراع لكنها لا تنهيه.

إن الحل الأفضل للجميع اليوم هو أن تعود السفن لتُبحر بأمان، والطائرات لتجد مطاراتها مستقرة، والنفط إلى الأسواق، لتستعيد شعوب المنطقة حقها المشروع والأصيل في العيش بأمان وحياة طبيعية مستقرة، ولتظل الخلاصة الوحيدة التي لا تقبل التأويل: في عالم أنهكته الدماء والنزاعات، يبقى السلام هو الحل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى