
التقارب المصري الإرتيري.. هل يدخل الصراع مع إثيوبيا مرحلة جديدة؟
د. عماد عنان
اتهمت إثيوبيا مصر بمحاولة تطويق وإعاقة وصولها إلى البحر الأحمر، وفق تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات قيتاجو، خلال مؤتمر صحفي عقده الخميس 21 آيار/مايو، مؤكدًا على أن أديس أبابا ستواصل السعي للحصول على منفذ بحري عبر وسائل سلمية ومستدامة، مشددًا على أن بقاء إثيوبيا دولة حبيسة بلا منافذ بحرية أمر غير مقبول، معيدًا بذلك الملف البحري الإثيوبي إلى واجهة النقاش الإقليمي.
يأتي هذا التصعيد الإعلامي بعد خمسة أيام فقط من توقيع مصر وإريتريا اتفاقية للنقل البحري في أسمرة بتاريخ 16 من الشهر الجاري، بحضور وزيرة الخارجية المصرية بدر عبدالعاطي ووزير النقل كامل الوزير والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، والتي تنص على إطلاق خط شحن للبضائع بين الموانئ المصرية والإريترية لتعزيز التعاون التجاري واللوجستي في البحر الأحمر.
وأوضحت الحكومتان المصرية والإريترية، خلال التوقيع، أن حوكمة وأمن البحر الأحمر يجب أن تبقى مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه، مع رفض أي تدخل من أطراف إقليمية غير مشاطئة، لتثير تلك التصريحات استياء إثيوبيا، التي اعتبرت أن الحصول على منفذ بحري هو حق تاريخي وضروري لاستراتيجيتها الاقتصادية، وأن الوضع الحالي لا يمكن قبوله.
يُظهر هذا التوتر المتصاعد التوازن الدقيق في البحر الأحمر، حيث تتشابك مصالح مصر وإريتريا التجارية مع المطالب الإثيوبية الاستراتيجية، ما يفتح نقاشًا أوسع حول إدارة الممرات المائية الحيوية وتأثير الاتفاقيات الإقليمية على دول الجوار.
يأتي التصعيد الإعلامي الإثيوبي بعد خمسة أيام فقط من توقيع مصر وإريتريا اتفاقية للنقل البحري في أسمرة، والتي تنص على إطلاق خط شحن للبضائع بين الموانئ المصرية والإريترية لتعزيز التعاون التجاري واللوجستي في البحر الأحمر
مقاربة القاهرة تجاه التقارب مع أسمرة
تنطلق القاهرة في تقاربها المتزايد مع إريتريا خلال المرحلة الأخيرة من رؤية استراتيجية متعددة الأبعاد، تستند بالأساس إلى تعزيز حضورها في البحر الأحمر باعتباره أحد أهم دوائر الأمن القومي المصري، في ظل ارتباطه المباشر بأمن الملاحة الدولية وحركة التجارة عبر قناة السويس، وفي هذا السياق، تكتسب إريتريا أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي المؤثر على البحر الأحمر وتموضعها في قلب معادلات القرن الأفريقي.
كما يرتبط الانفتاح المصري على أسمرة بسياق إقليمي أوسع يتجاوز البعد البحري، إذ يمثل الموقع الجغرافي لإريتريا المجاور لإثيوبيا عاملًا إضافيًا يدفع القاهرة إلى توسيع شبكة علاقاتها مع الدول المحيطة بأديس أبابا، في إطار سياسة تهدف إلى تنويع أدوات التأثير وتعزيز الحضور الإقليمي بالتوازي مع استمرار الخلافات المرتبطة بملف سد النهضة.
وفي الوقت نفسه، يعكس هذا التوجه المصري محاولة لإعادة التموضع داخل القارة الأفريقية بعد سنوات من تراجع الانخراط المباشر في بعض ملفاتها، حيث تسعى القاهرة إلى استعادة مساحة نفوذها التقليدية وتعميق الشراكات المصرية–الأفريقية، انطلاقًا من إدراك متزايد لارتباط الامتداد الأفريقي بمحددات الأمن القومي المصري، سواء على المستوى المائي أو الجيوسياسي أو الاقتصادي.
البحر الأحمر بين القاهرة وأديس أبابا
تنظر أديس أبابا إلى الوصول إلى البحر الأحمر باعتباره ملفًا سياديًا واستراتيجيًا يمس مستقبل الدولة الإثيوبية، لا مجرد احتياج اقتصادي. فمنذ انفصال إريتريا عام 1993 أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة تعتمد بصورة شبه كاملة على الموانئ المجاورة، وهو ما تعتبره عبئًا يقيّد طموحاتها الاقتصادية ويحد من قدرتها على التحرك التجاري والاستراتيجي بشكل مستقل.
وفي هذا الإطار، أعادت تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أيلول/سبتمبر 2025 حول أن فقدان السواحل كان “خطأً تاريخيًا” فتح النقاش حول طبيعة الرؤية الإثيوبية الجديدة لدورها الإقليمي، ونظرة أديس أبابا لأسمرة كدولة مستقلة، بل إن البعض اعتبر ذلك إعلان حرب.
ورأى مراقبون أن الخطاب الإثيوبي لم يعد يقتصر على البحث عن حلول لوجستية، بل يعكس رغبة في إعادة صياغة معادلات النفوذ في القرن الأفريقي، بما أثار حساسيات إقليمية ومخاوف من تأثير ذلك على التوازنات القائمة.
أما القاهرة، فتتعامل مع هذه التحركات باعتبارها جزءًا من إعادة تشكيل أوسع لموازين القوة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وترى أن الملف يتجاوز البعد الاقتصادي إلى اعتبارات الأمن القومي والتنافس على النفوذ الإقليمي، خاصة في ظل التوترات الممتدة بين البلدين حول ملف سد النهضة. وبين الرؤية الإثيوبية القائمة على ضرورات الجغرافيا، والرؤية المصرية المرتبطة بحسابات الأمن والاستقرار الإقليمي، يبقى المشهد محكومًا بتوازنات دقيقة لا تحتمل هامشًا واسعًا من الخطأ.
تصاعد التوتر الإثيوبي الإرتيري
خلافًا للتصور الشائع الذي يربط بداية التوتر بين إثيوبيا وإريتريا بانفصال الأخيرة عام 1993، فإن جذور الأزمة تعود إلى مرحلة أسبق، حين كانت إريتريا ضمن الإطار السياسي الإثيوبي مع هامش محدود من الحكم الذاتي، وخلال تلك المرحلة تشكلت بيئة من التنافس السياسي والهوياتي وتضارب التصورات حول السيادة وتوزيع النفوذ، ما جعل العلاقة بين الطرفين قائمة على هدَن مؤقتة أكثر من كونها تسويات مستقرة.
ولم يؤدِّ استقلال إريتريا إلى إنهاء هذا الإرث التاريخي، بل نقل الخلاف إلى مستوى جديد تمثل في النزاع الحدودي، خاصة حول منطقة بادمي، والذي تطور إلى حرب واسعة بين عامي 1998 و2000 خلّفت خسائر بشرية واقتصادية كبيرة.
ورغم أن اتفاق السلام عام 2018 بين آبي أحمد وأسياس أفورقي أعاد الأمل في فتح صفحة جديدة، ووُصف حينها بأنه تحول تاريخي في القرن الأفريقي، فإن المصالحة بقيت محكومة باعتبارات أمنية وتوازنات لم تُحسم جذريًا.
ومع عودة التوترات منذ 2021، وتبادل الاتهامات بشأن التدخلات الإقليمية، ثم توقيع اتفاق بريتوريا دون إشراك أسمرة، تصاعدت فجوة الثقة بين الجانبين مجددًا، كما زادت تصريحات القيادة الإثيوبية بشأن أولوية الوصول إلى البحر الأحمر من حدة القلق الإريتري، الذي رأى فيها تحولًا من مطلب اقتصادي إلى مشروع ذي أبعاد استراتيجية قد يمس السيادة الإريترية ويعيد فتح ملفات النفوذ والأمن في القرن الأفريقي من جديد.
كيف تنظر أديس أبابا للتقارب المصري الإرتيري؟
لا تنظر أديس أبابا إلى التقارب المصري–الإريتري باعتباره امتدادًا طبيعيًا للعلاقات الثنائية بين دولتين أفريقيتين، بل تقرؤه في سياق التوازنات الإقليمية الأوسع، وترى نفسها الطرف الأكثر تأثرًا به، خاصة في ظل استمرار الجمود في ملف سد النهضة وتعثر الوصول إلى تفاهمات نهائية بشأنه.
ومن هذا المنطلق، تتعامل بعض الدوائر الإثيوبية مع التحركات المصرية باعتبارها محاولة لتوسيع هامش التأثير الإقليمي عبر بناء شراكات مع الدول المحيطة بإثيوبيا وتعزيز أدوات الضغط السياسي والجيوسياسي.
في المقابل، تبدو الحسابات المصرية أكثر اتساعًا من اختزالها في ملف سد النهضة وحده، إذ يرتبط الانفتاح على إريتريا بجملة من المتغيرات الاستراتيجية، أبرزها تصاعد أهمية أمن البحر الأحمر، والتحولات التي تشهدها البيئة الجيوسياسية الإقليمية، إضافة إلى إعادة تشكيل التحالفات داخل القرن الأفريقي وتزايد التنافس على النفوذ فيه، ومن هذا المنظور، تنظر القاهرة إلى حضورها في المنطقة باعتباره امتدادًا مباشرًا لأولويات الأمن القومي وتأمين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
ورغم تعدد دوافع هذا التقارب، فإن أديس أبابا ترى أن توقيته يحمل رسائل تتجاوز البعد الاقتصادي أو الدبلوماسي، خاصة أن إثيوبيا، بوصفها دولة غير ساحلية، تضع ملف الوصول إلى البحر الأحمر ضمن أولوياتها الاستراتيجية، لذلك تنظر إلى تنامي العلاقات بين مصر وإريتريا باعتباره عاملًا قد يعزز النفوذ المصري في الممرات الحيوية ويحد من هامش الحركة الإثيوبي في هذا الملف، ما يضيف بعدًا جديدًا للتنافس الإقليمي في شرق أفريقيا والبحر الأحمر.
سد النهضة.. المعضلة الأبرز
لا يمكن فصل التقارب المصري مع إريتريا، والموقف العام من المساعي الإثيوبية للحصول على منفذ على البحر الأحم، بمعزل عن ملف سد النهضة، الذي ما زال يمثل جرحًا مفتوحًا في الذاكرة السياسية المصرية، فقد نجحت أديس أبابا، بعد سنوات من المماطلة والتعنت الدبلوماسي، في فرض أمرٍ واقعٍ على القاهرة، تُوّج بافتتاح السد رسميًا في أيلول/سبتمبر 2025، في خطوة اعتُبرت داخل مصر هزيمة سياسية واستراتيجية كشفت حدود النفوذ المصري في القارة الإفريقية.
مثل هذه الضربة الموجعة جعلت القاهرة أكثر حساسية تجاه أي تحركات إثيوبية جديدة في الإقليم، خصوصًا في منطقة القرن الإفريقي التي تحولت إلى ساحة تنافس دولي وإقليمي تمس مباشرة الأمن القومي المصري.
في ضوء ذلك، بات الإرث المتراكم من الاحتقان المصري تجاه إثيوبيا وحكومتها دافعًا رئيسيًا وراء تشدد القاهرة إزاء أي خطوة إثيوبية في الإقليم، حتى وإن لم تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، مثل مسألة الحصول على منفذ على البحر الأحمر، فحالة انعدام الثقة المتصاعدة بين البلدين جعلت من الصعب على أي طرف قراءة تحركات الآخر بحسن نية، لتتحول العلاقة إلى معادلة قائمة على الشك والحذر الدائمين، حيث تُفسَّر كل مبادرة إثيوبية على أنها مناورة استراتيجية تستهدف النفوذ المصري في إفريقيا، وتُقابل بالتالي بردود فعل حذرة وسريعة من القاهرة.
لا يمكن فصل التقارب المصري مع إريتريا، والموقف العام من المساعي الإثيوبية للحصول على منفذ على البحر الأحم، بمعزل عن ملف سد النهضة، الذي ما زال يمثل جرحًا مفتوحًا في الذاكرة السياسية المصرية
ليست مهملة سهلة.. حسابات معقدة
تدرك القاهرة أن الحد من الطموح الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر لا يمثل مهمة سهلة، خاصة في ظل الحديث عن دعم دولي متزايد لتعزيز الدور الإقليمي لأديس أبابا وتطوير قدراتها الاستراتيجية في القرن الأفريقي، لذلك تميل مصر إلى إدارة هذا الملف عبر التحرك الدبلوماسي وبناء التوازنات الإقليمية بدل الانخراط في سياسات المواجهة المباشرة.
وفي هذا السياق، تبدو القاهرة حريصة على تجنب الخيارات العسكرية، بما فيها أي ترتيبات دفاعية قد تفرض التزامات أمنية أو اقتصادية إضافية، إدراكًا منها أن توسيع نطاق التوتر مع إثيوبيا قد يحمل كلفة مرتفعة ويزيد تعقيد المشهد الإقليمي.
كما تأخذ مصر في اعتبارها أن أي تصعيد بين إثيوبيا وإريتريا قد ينعكس على البيئة الأمنية الأوسع في القرن الأفريقي والسودان، بما قد يفتح المجال أمام إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي بصورة تؤثر على استقرار البحر الأحمر والمصالح الاستراتيجية المصرية، وهو ما يدفع القاهرة إلى تبني مقاربة عنوانها الاحتواء وإدارة التوازنات لا التصعيد المفتوح.
الاحتواء وإعادة التموضع.. أبرز الخيارات
انطلاقًا من هذه المعطيات، تتجه القاهرة إلى إدارة التنافس مع أديس أبابا عبر أدوات الاحتواء الدبلوماسي وإعادة التموضع الجيوسياسي بدل الانخراط في مسارات التصعيد المباشر، ويظهر ذلك من خلال توسيع شبكة علاقاتها مع دول القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وفي مقدمتها إريتريا والصومال، بالتوازي مع تعزيز حضورها داخل الأطر الإفريقية والدولية لضمان بيئة سياسية أكثر دعمًا لأولوياتها الاستراتيجية.
وفي الجانب العملي، تراهن مصر على تعزيز حضورها في القرن الأفريقي باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، عبر تطوير التعاون الأمني والاقتصادي وتكثيف التنسيق الإقليمي لحماية استقرار البحر الأحمر ومراقبة التحولات المتسارعة في المنطقة.
كما تنظر القاهرة إلى بناء تفاهمات أوسع مع الشركاء الإقليميين والدوليين باعتباره وسيلة للحفاظ على توازنات القوة ومنع تشكل وقائع جديدة قد تؤثر على مصالحها طويلة المدى.
وفي المقابل، ترى مصر أن التحركات الإثيوبية الأخيرة، ومنها الحصول على منفذ بحري، لا تنفصل عن سعي أوسع لإعادة صياغة النفوذ الإقليمي بعد تثبيت موقعها في ملف سد النهضة، بينما تعتبر القاهرة أن المرحلة الحالية تمثل اختبارًا لقدرتها على استعادة المبادرة داخل أفريقيا.
وبين استراتيجية إثيوبية قائمة على توسيع المجال الحيوي، ومقاربة مصرية تقوم على الاحتواء وبناء التحالفات، يبقى البحر الأحمر والقرن الأفريقي ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل موازين القوة خلال السنوات المقبلة.



