
سيلفيا مكرم تكتب: من يهتف للوطن.. ثم يخرب ممتلكاته!!
في مشهد كان يُفترض أن يكون تجسيدًا لفرحة وطنية خالصة، تحولت بعض لحظات الاحتفال بفوز المنتخب المصري على نيوزيلندا في منطقة “الفان زون” (Fan Zone) بالعاصمة الإدارية الجديدة إلى حالة من الفوضى والتخريب. إذ تعرضت بعض التجهيزات والمرافق لأعمال عبث أثارت موجة واسعة من الغضب والاستياء بين المواطنين والمتابعين.
المفارقة المؤلمة تكمن في أن الحدث نفسه كان مناسبة وطنية .. آلاف المصريين بكل طوائفهم تجمعوا خلف علم واحد، وشجعوا منتخبًا يمثلهم جميعًا، وهتفوا باسم مصر في لحظة بدا فيها الجميع متفقين على نفس هدف لكن ما إن انتهت المباراة، حتى ظهر وجه آخر للمشهد، وجه يطرح أسئلة أكثر عمقًا وأهمية من نتيجة المباراة
فأيُّ انفصام سلوكي ذاك الذي يدفع إنسانًا لرفع علم بلاده بيد، وتحطيم ممتلكات هذه البلاد باليد الأخرى؟
هذا السؤال المقلق لا يتعلق فقط بالقانون أو العقوبة، بل يمتد إلى مفهوم أعمق ..مفهوم الانتماء والوعي ، فالانتماء الحقيقي لا يظهر فقط في لحظات الحماس العاطفي والهتافات وإنما يتجلى سلوكيًا في طريقة تعامل الفرد مع “المال العام”
الإنسان المنتمي يشعر بأن الشارع يخصه، وأن الحديقة العامة ملكه، وأن المقعد الذي يجلس عليه والواجهة التي يمر بجوارها هي جزء من ممتلكاته المعنوية، حتى وإن لم يمتلكها قانونيًا. ومن هنا، يمكن فهم التخريب باعتباره أحد مؤشرات ضعف العلاقة بين الفرد والمجتمع… فالشخص الذي يشعر بالانتماء الحقيقي يصعب أن يتحول إلى مصدر ضرر لما يعتبره جزءًا من ذاته الجماعية
ويقدم علم الاجتماع تفسيرات لمثل هذه السلوكيات
فحين يصبح الفرد جزءًا من كتلة بشرية ضخمة، تتراجع لديه الرقابة الذاتية، ويشعر بأن أفعاله ستختفي وسط أفعال الآخرين، مما يمنحه شعورًا زائفًا بالأمان والتحرر من المحاسبة.
لكن التحليل النفسي يذهب إلى مدى أبعد.. حيث يعاني بعض الأفراد من أزمة “الاغتراب عن العام”. ففي الموروث الشعبي لبعض الفئات، ارتبطت كلمة “حكومي” أو “عام” تاريخيًا بشيء غريب عن الفرد لا يملكه مباشرة، مما يولد انفصالًا نفسيًا يجعله يرى المرافق العامةالحديثة المتاحة له كـ “مساحة غريبة عنه” وليست امتدادًا لبيته، فيفرغ طاقاته الإحباطية فيها.
يضاف إلى ذلك ما يمكن تسميته بعقدة الاستحقاق حيث يري البعض ان حماسهم الكروي أو الوطني بشكل عام يمنحهم الحق في تجاوز الخطوط الحمراء، علاوة علي غياب ثقافة “التدخل الإيجابي” من المحيطين بهم، والذين يكتفون في كثير من الأحيان بموقف المتفرج، مما يسمح لشرارة تخريبية من فرد واحد أن تتحول إلى عدوى سلوكية جماعية.
وللأسف ان التنمية العمرانية، مهما بلغت من جودة وفخامة، تظل ناقصة ما لم يصاحبها استثمار موازٍ في بناء الوعي والثقافة المدنية.
إن الحفاظ على الممتلكات العامة ليس مجرد التزام قانوني يفرضه الخوف من العقاب، بل هو سلوك أخلاقي وحضاري. ولعل اللافت في ردود الفعل الشعبية والنخبوية التي أعقبت واقعة العاصمة الإدارية، أن كثيرين لم يطالبوا فقط بالعقاب التقليدي كالحبس أو الغرامة، بل دعوا إلى تطبيق عقوبات الخدمة المجتمعية على المتورطين، بحيث يشاركون بأنفسهم في إصلاح ما أفسدوه.
وهي فكرة رائدة تستحق التشريع لأنها لا تكتفي بالردع فقط، بل تسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الفرد ومجتمعه، فالغاية في النهاية ليست الانتقام، بل تحويل العقوبة إلى فرصة للتعلم وإعادة اكتشاف قيمة ما تم إتلافه.
ولمواجهة هذا السلوك وحماية مكتسباتنا الوطنية، لم يعد كافيًا الاعتماد على الوعظ الإرشادي، بل نحن بحاجة إلى منظومة حلول عملية وتطبيقية
- فمكن الممكن تصميم المساحات العامة بطريقة توجه السلوك إيجابيًا بشكل تلقائي .. كاستخدام لافتات ذكية تخاطب الكبرياء والمسؤولية وتُذكر الفرد بأنه مشارك بأمواله في الممتلكات العامة
- ايضا إدماج مجموعات شبابية متطوعة داخل هذه الفعاليات بملابس مميزة، يتولون توجيه الجماهير بلطف وتوزيع أكياس المخلَّفات، مما يخلق ضغطًا اجتماعيًا إيجابيًا يحرج المشاغبين ويمنعهم من التمادي فالرقابة هنا من نسيج الشعب
- تحويل مادة التربية الوطنية في المدارس والجامعات من نصوص صماء للحفظ، إلى ممارسات ميدانية ..تشمل معسكرات طلابية لصيانة وتجميل الحدائق والمرافق العامة، فالإنسان لا يمكن أن يخرّب مكانًا ساهم في بنائه أو تنظيفه بيديه.
إن ما حدث في “الفان زون” لا يجب أن يمر كحادث شغب عابر، بل هو جرس إنذار حاد يدق في ساحة الوعي العام، ويضع الدولة أمام مراجعة حتمية لسياسات بناء الإنسان. وهنا يبرز السؤال الشائك الذي لا بد من مواجهته: هل الدولة مسؤولة بشكل أو بآخر عن هذا السلوك العدواني؟
الإجابة الموضوعية تقتضي الاعتراف بأن المسؤولية مشتركة. صحيح أن الفعل التخريبي هو جريمة فردية مدانة أخلاقيًا وقانونيًا، لكن قد يكون وجود شريحة من المواطنين ترى في المنشآت العامة “ممتلكات تخص الدولة” وليست ممتلكات تخصهم هم ..يعكس فجوة نفسية واغتراباً لم تنجح خطط التوعية التقليدية في علاجه. حين يشعر المواطن بأن المشروعات القومية والمرافق الحديثة هي مجرد إنجازات فوقية لا تمسه أو لا تعبر عنه ينشأ لديه رد فعل عدواني غير واعٍ، يترجمه إلى رغبة في تشويه هذا الجمال الذي يراه بعيداً عنه.
لذا تبقي الخطوة الأولى لتقريب المسافة وردم هذه الفجوة هي تحويل التنمية من “حجر” إلى “بشر”، عبر - اشراك المواطن في الحفاظ على هذه المكتسبات فالإنسان لا يخرب مكاناً يرى فيه مساحة آمنة ومجانية تحتويه وتحترم إنسانيته دون قيود طبقية.
- جعل هذه المنشآت حيوية وقريبة من وجدان المواطن البسيط، وليس مجرد كتل خرسانية فارهة، عبر تنظيم فعاليات ثقافية وفنية مجانية ومستمرة تُشعر الفرد بأن هذا المكان يخصه ويملكه
- مع خطاب إعلامي ذكي يربط بين قيمة المنشأة العامة وجيب المواطن
- إن حب الوطن لا يُقاس بارتفاع الهتافات في المدرجات، وإنما بمدى احترامنا لما نملكه معًا،
• فالأمم القوية والراسخة ليست تلك التي تنجح في تشييد المدن والمباني الحديثة فقط، بل تلك التي تنجح أولاً في بناء الإنسان القادر على حمايتها وصونها، لأن الوعي هو الحصن الوحيد الذي لا يمكن تخريبه.


