مقالات

اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين قوة الردع واختبار الميدان

تمثل اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان  بادرة مهمة لإعادة تشكيل التوازنات الأمنية بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا، مستندة إلى الثقل الاقتصادي والعسكري للدول الثلاث، وإلى امتلاك باكستان السلاح النووي وعضوية تركيا في حلف الناتو. لكن قوة أي اتفاق دفاعي لا تُقاس بعباراته عند التوقيع، بل بمدى استعداد أطرافه لتحمل كلفة الدفاع عن حليف عندما تقع الأزمة فعلاً.

المعضلة أن الدول الثلاث لا تواجه عدواً واحداً ولا تهديداً متماثلاً: باكستان منشغل بالهند وكشمير، والسعودية بإيران والحوثيين والميليشيات العراقية المرتبطة بها، وتركيا بسوريا والعراق والملف الكردي والتزاماتها الأطلسية. لذلك يصبح السؤال المركزي: هل تستطيع كل دولة أن تعتبر عدو حليفها عدواً لها؟

التجربة السعوديةالباكستانية: اختبار سابق

سبق أن وقعت السعودية وباكستان في سبتمبر/أيلول 2025 اتفاقاً للدفاع الاستراتيجي المتبادل يقوم على أن الاعتداء على إحداهما يعد اعتداءً على كلتيهما. وعندما تعرضت السعودية لاحقاً لهجمات إيرانية، أدانت باكستان الاعتداءات وعززت التعاون العسكري، لكنها لم تدخل في مواجهة مباشرة مع إيران. هذه التجربة تكشف الفارق بين تفعيل التعاون الدفاعي وبين الدخول الآلي في الحرب ،قد يأخذ الدعم شكل قوات دفاعية أو معلومات استخبارية أو دفاع جوي من دون إعلان حرب على المعتدي .

الهند: الاختبار الباكستاني

إذا اندلعت مواجهة واسعة بين الهند وباكستان، فهل تصبح السعودية وتركيا ملزمتين بالدخول إلى جانب إسلام آباد؟ المسألة معقدة لأن الرياض ترتبط بعلاقات استراتيجية واقتصادية مهمة مع الهند، وأنقرة ليست في حالة عداء مباشر معها. كما أن النزاع قد يبدأ باشتباك حدودي أو عملية في كشمير أو ضربة ورد مقابل، لا بغزو واضح. وهنا تظهر معضلة تحديد المعتدي: هل يكفي توصيف باكستان للحدث، أم يحتاج تفعيل الاتفاق إلى قرار مشترك؟

الحوثيون والميليشيات العراقية: اختبار تعريف العدوان

تواجه السعودية تهديدات من الحوثيين والميليشيات العراقية المرتبطة بإيران، وهي قوى غير دولية تمتلك صواريخ وطائرات مسيرة. فإذا وقع هجوم على منشأة سعودية، فهل يعد اعتداءً على تركيا وباكستان أيضاً، وهل يفرض تدخلاً عسكرياً أم يقتصر على الدفاع الجوي والاستخبارات والإسناد؟

وتزداد الإشكالية مع الميليشيات العراقية: إذا انطلقت مسيرة من العراق نحو السعودية، فمن يتحمل المسؤولية؛ الميليشيا، أم  الحكومةالعراقية لعجزها عن منع الهجوم، أم إيران إذا ثبت دعمها أو توجيهها؟ وإذا ردت السعودية على موقع داخل العراق ثم تعرضت لهجوم انتقامي فهل يعد ذلك عدواناً جديداً على الحليف؟ هذه الحالات تكشف صعوبة تطبيق مفهوم الدفاع المشترك في “المنطقة الرمادية”التي تعمل فيها الوكلاء والقوى المسلحة غير الحكومية .

تركيا: الملف الكردي والناتو

تحمل تركيا إلى الاتفاق ملفاً أمنياً مختلفاً يرتبط بحزب العمال الكردستاني والجماعات المسلحة في سوريا والعراق. فإذا تعرضت قاعدة تركية خارج الحدود لهجوم، هل يشمله الدفاع المشترك؟ وإذا بدأت أنقرة عملية عسكرية ثم تعرضت قواتها لرد، فهل يتحول الرد إلى سبب لتفعيل الاتفاق؟ هنا يجب التمييز بين الدفاع عن أراضي الدولة وبين حماية عملياتها العسكرية خارج الحدود.

وتزداد الصورة تعقيداً بسبب عضوية تركيا في الناتو. فأنقرة أصبحت مرتبطة بمنظومتين للدفاع الجماعي، وقد لا يظهر التعارض في الظروف العادية لكنه قد يبرز إذا تدخلت تركيا دفاعاً عن باكستان ثم تعرضت أراضيها لهجوم نتيجة مشاركتها. عندها تصبح العلاقة بين التزامها الثلاثي والتزاماتها الأطلسية جزءاً من حسابات الأزمة .

السلاح النووي الباكستاني

وجود باكستان يمنح الاتفاق ثقلاً ردعياً إضافياً، لكنه لا يعني تلقائياً وجود مظلة نووية للسعودية وتركيا. فهناك فرق بين وجود دولة نووية ضمن التحالف وبين التزام معلن باستخدام السلاح النووي دفاعاً عن الحلفاء. لذلك يبقى العامل النووي أداة ردع سياسي ونفسي ما لم تحدد عقيدة واضحة  تبررظروف استخدامه.

ما الذي يجعل الاتفاق قابلاً للتنفيذ؟

قيمة الاتفاق تتوقف على تحويل التعهدات العامة إلى قواعد واضحة لاتخاذ القرار. يجب تحديد معنى العدوان: هل يقتصر على هجوم دولة أم يشمل الميليشيات؟ وهل يغطي أراضي الدول فقط أم قواتها في الخارج؟ كما ينبغي حسم طبيعة الاستجابة: هل التدخل العسكري إلزامي، أم تحتفظ كل دولة بحق اختيار شكل الدعم وفق مصالحها؟

والأهم وجود آلية مؤسساتية تحدد من يقيّم التهديد، ومن يعلن تفعيل الاتفاق، وكيف تُتخذ القرارات العسكرية، وهل توجد قيادة وخطط مشتركة مسبقة. من دون ذلك قد يبقى الاتفاق مظلة ردع سياسية قوية، لكنه يواجه صعوبة عند أول اختبار لأن الخلاف سيكون حول تفسير الالتزام وحدود كلفته.

لهذا ستبقى القيمة الحقيقية للاتفاق مرتبطة بقدرته على منع الحرب أكثر من ضمان دخول الحلفاء فيها .

يحمل الاتفاق بعداً مزدوجاً: الردع والقلق. فهو يرفع كلفة استهداف أطرافه، لكنه يثير في الوقت نفسه حسابات ومخاوف إيران والهند وإسرائيل من تشكل مركز قوة إقليمي جديد. لذلك يتوقف أثره على طبيعته العملية: فإن بقي دفاعياً عزز الاستقرار، وإن تحول إلى محور مقابل لمحاور أخرى فقد يدفع المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب وسباق التسلح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى