
التحرك الدبلوماسي التركي في لبنان: دراسة تحليلية في الدوافع الاستراتيجية و الخلفيات السياسية
مصطفى كمال دماني – باحث في الدراسات الأمنية و الاستراتيجية، الجزائر
تشهد العلاقات التركية–اللبنانية اهتمامًا متزايدًا في ظل التحولات الإقليمية التي أفرزتها الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من تراجع نسبي للنفوذ الإيراني وانحسار الدور الفرنسي في لبنان. وقد عززت هذه المتغيرات من سعي أنقرة إلى توسيع حضورها السياسي والدبلوماسي، مستفيدة من دورها المتنامي في سوريا ومن أدوات القوة الناعمة التي اعتمدتها خلال السنوات الماضية. وتركز هذه الدراسة على تحليل دوافع التوجه التركي نحو لبنان، وأبعاده، وآفاقه المستقبلية في ظل التوازنات الإقليمية الجديدة.
تهدف الدراسة إلى تحليل دوافع التقارب التركي مع لبنان، وبيان الخلفية التاريخية للعلاقات بين البلدين، وتفسير أبعاد الحضور التركي الجديد في لبنان، واستشراف مستقبل هذه العلاقات في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية
مقدمة
كأحد افرازات المخاض الإقليمي الجاري على ضوء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على ايران تبرز التحركات التركية في لبنان أمام الانكماش الإيراني النسبي في التأثير على الساحة اللبنانية وأمام تراجع الدور الفرنسي في بيروت لصالح احتكار كامل امريكي ظهر في إدارة التفاعلات والتفاوض مابين لبنان وإسرائيل، فمن التصريحات المتتالية للرئيس أردوغان في التأكيد على التضامن مع لبنان وسوريا أمام السياسة الإسرائيلية إلى زيارة رىيس الوزراء اللبناني نواف سلامة لانقرة وصولا إلى زيارة الرئيس ميشال عون ،مايشير إلى اهتمام تركي متزايد بالحضور في المشهد اللبناني وعلى ضوء ذلك نعالج في دراستنا الخلفية التاريخية للعلاقات التركية اللبنانية في حكم العدالة والتنمية وإبعاد التوجهات التركية الجديدة في لبنان ودوافعها وآفاق العلاقات مستقبلا انطلاقا من الإشكالية التالية مالدوافع لانقرة في تقاربها وتموضعها في لبنان.
أولا – سياسة الخارجية التركية الجديدة في الشرق الأوسط:
إن التعريفيات الجديدة للسياسة الخارجية التركية لم تبق حبيسة أطرها النظرية بل وجدت فرصتها للتطبيق والتفعيل وأحرزت نجاحات بارزة وملموسة سيما بعدد فروز حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان” ، وهو ما عكستها علاقات مع الدول العربية التي باتت ترتكز على أرضية تضامنية ذات محور تعاوني بعد أن كانت تخيم عليها أجواء العداء والنزاع. وفي ظل المتغيرات الدولية والإقليمية وانعكاسها على منطقة الشرق الأوسط لاسيما التطورات اللاحقة وما أفرزته حرب الخليج الثانية وتطورات التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي في بداية عقد التسعينات وحرب احتلال العراق عام 2003، وجدت السياسة التركية نفسها بأنها يجب عليها تكييف سياستها الخارجية بشكل يتلاءم مع الواقع الدولي والإقليمي وذلك بهدف تفعيل دورها الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي إعادة تشكيل سياستها حيال عدد من المشاكل الإقليمية
لقد تمثل التحول الكبير والسريع في سياسة تركيا الخارجية في اعتماد رؤية أحمد داود أوغلو” التي تهدف إلى إعادة تعريف دور تركيا في المنطقة التي صاغها في مفهوم العمق الاستراتيجي، ومع وضع سياسة تصغير النزاعات المنبثقة من هذه الرؤية موضع التنفيذ، حصل انقلاب في عدد من السياسة الخارجية التركية، حيث أصبحت السياسية الخارجية التركية في الشرق الأوسط تقوم على مجموعة من المبادئ السلمي والترابط الاقتصادي.
وقد ساعد انتشار القوة الناعمة التركية، التي كان لها الأثر البالغ في الارتقاء بدور تركيا وموقعها في الشرق الأوسط في تطوير علاقاتها ليس مع الأنظمة العربية فقط وإنما مع شعوبها بالأساس، خاصة عندما تم تعزيزها بالدبلوماسية الشعبية وبانتقاد الموقف الإسرائيلي اتجاه الفلسطينيين .
إن من صور السياسة الخارجية الجديدة لتركيا في منطقة الشرق الأوسط، هو بناء علاقات جيدة وإستراتيجية مع الجارة سورية، حيث تعتبر هذه العلاقة من أبرز إنجازات حزب العدالة والتنمية منذ مجيئه إلى السلطة. فبعد أن كان البلدان على شفير الحرب في العام 1998، تطورت العلاقة بينهما بعد اتفاق أضنة الموقع في 20 أكتوبر 1998 الذي أنهى ملف احتضان سورية لحزب العمال الكردستاني (PKK). وقد هيأ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا العام 2002 المزيد من التقارب مع سورية ، فزار الرئيس السوري بشار الأسد” تركيا في العام 2004 ، ورد الرئيس التركي السابق أحمد نجدت سيزر بزيارة في العام 2005، رغم الاعتراض الأمريكي الشديد من قبل إدارة “جورج بوش الابن التي كانت تشدد الحصار والعزل السياسي والدبلوماسي على سورية
ومن صور هذه السياسة الجديدة أيضا، وهو التواصل مع حركة حماس بعد فوزها في الانتخابات التشريعية مطلع 2007 ، ومحاولة إدماج الحركة في العملية السياسية السلمية بدلا من حصارها وعزلها. وعلى صعيد آخر قادت القيادة التركية وساطة بين السلطة الفلسطينية و”إسرائيل” في نوفمبر 2007 ، والسماح للرئيس “الإسرائيلي” شمعون بيريز” بإلقاء خطاب أمام نواب البرلمان التركي ليكون أول مسؤول “إسرائيلي” يتحدث في برلمان دولة مسلمة.
أما في الملف اللبناني، توسطت أنقرة في الأزمة اللبنانية بين فريقي الثامن والرابع عشر آذار. أما على صعيد الصراع السوري – الإسرائيلي، فقد قادت أنقرة الوساطة بين سورية و”إسرائيل” سنة 2008 حيث انعقدت 04 جولات مفاوضات غير مباشرة في اسطنبول. كما انفتحت تركيا على العلاقات مع اليونان وقبلت خطة الأمين الأممي السابق “كوفي عنان” الخاصة بحل المشكلة القبرصية. كما قادت محاولات التوفيق بين العرب المنقسمين عقب العدوان على غزة في ديسمبر 2008 ويناير 2009. وتحركت القيادة التركية بين أرمينيا وأذربيجان لحل مشكلة إقليم قره باغ في فبراير 2009
أما فيما يخص العلاقات التركية – “الإسرائيلية”، فقد مثل وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا في نوفمبر 2002، بداية مرحلة جديدة في هذه العلاقات، ما زالت تفاعلاتها تجري حتى الآن. فلم تخف “إسرائيل” عشية تلك الانتخابات قلقها وخشيتها من أن وصول حزب العدالة والتنمية قد يغيّر علاقات تركيا مع “إسرائيل”. وبعد فوز حزب العدالة والتنمية بتلك الانتخابات بغالبية كبيرة، ازدادت هذه الخشية. حيث عرفت هذه العلاقات فعلا تأكلا وتراجعا تدريجيا ، لكن مستمرا في علاقاتهما ، ما لبثت بعد مرور وقت قصير أن تحولت هذه العلاقات في نوعيتها وطبيعتها من علاقات تحالف كانت سائدة بين الدولتين في الفترة 1993 و 2003 إلى علاقات تناقض وصدام. وبالرغم من وسطية الموقف التركي والحيادي من أطراف الصراع العربي – الصهيوني، وسياسة تصغير المشاكل المتبعة من طرف أنقرة، إلا أن العلاقات التركية مع “إسرائيل” دخلت مرحلة اتسمت بالفتور بسبب استخدام الكيان “الإسرائيلي” للقوة المسلحة المفرطة ضد الفلسطينيين منذ الحرب على غزة سنة 2009 وقد أيدت قطاعات كبيرة من النخب السياسية التركية الموقف الرسمي التركي المندد بممارسات الاحتلال الإسرائيلي”. حيث في أثناء الأسابيع الثلاثة لحرب غزة التي بدأت عقب ستة أشهر من الهدنة بين “إسرائيل” وحماس، فإن تركيا أخذت منحى مختلفا بعد أن قام رئيس وزرائها بإلقاء اللوم بشدة على “إسرائيل” منذ اليوم الأول للاعتداء على غزة، ليبلغ الانتقاد التركي ذروته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية حين غادر رئيس الوزراء التركي المنصة بشكل عنيف بعد مناقشة حامية مع الرئيس “الإسرائيلي” “شمعون بيريز”.
وبغية التضامن مع الموقف الفلسطيني الداعي إلى رفع الحصار عن غزة، قامت تركيا بإرسال سفينة مساعدات إنسانية إليها، الأمر الذي جابهته “إسرائيل” بالقوة المسلحة وقتل تسعة أشخاص أتراك وإجبار السفينة على الرجوع إلى تركيا، وهو الموقف الذي أثار موجة استياء عارمة ضد الكيان الإسرائيلي وعلى المستويين الشعبي والرسمي التركي الذي طالب بضرورة تقديم إسرائيل اعتذارا رسميا لها وتعويض مادي لأسر الضحايا الأمر الذي رفضته “إسرائيل” حتى الآن مما دعا تركيا إلى طرد السفير الإسرائيلي وتعليق العلاقات معها حتى تستجيب للشروط التركية، كل ذلك كان السبب وراء التدهور في العلاقات بينهما
أما فيما يخص الملف الكردي، باعتبارها ليست قضية محلية فقط، بل إقليمية بسبب الانتشار الكردي في أكثر من دولة مجاورة لتركيا – فتعد المشكلة الكردية في تركيا أحد المشاكل المستعصية للحكومات التركية المتعاقبة منذ قيام الجمهورية التركية سنة 1923م. وإدراكا من رؤية حزب العدالة والتنمية بأن تركيا لا تستطيع أن تؤدي دوراً إقليميا ما لم تؤمن الداخل التركي حيث تبنى الحزب الشعار الذي أطلقه “مصطفى كمال أتاتورك السلام في الداخل والسلام في الخارج فمن دون السلام في الداخل التركي لا يمكن تحقيق سلام مستدام في الخارج. ومن هنا كانت المبادرة التي أطلقها رئيس الوزراء “رجب طيب أردوغان في مطلع نوفمبر 2009 بانفتاحه الديمقراطي على 15 مليون كردي تركي باعتبار أن المصالحة مع الأكراد ضرورة لا يمكن تفاديها مهما بلغت صعوباتها فهي عنصر أساسي في الحملة الدبلوماسية التي بدأها وزير الخارجية أحمد داود أوغلو” التي تهدف إلى جعل تركيا لاعباً أساسيا في الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز من خلال التوسط بحل النزاعات وتعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية مع سورية والعراق وإيران و ومع مطلع سنة 2011، حدث تغير في كل من السياسة الخارجية التركية والدور الذي تلعبه أنقرة في السياسة الإقليمية. حيث شكل الربيع العربي في 2011 تحديا حقيقيا لإستراتيجية السياسة الخارجية التركية: فقد كانت الثورات في العالم العربي غير متوقعة بالنسبة لأنقرة. وكان هذا هو السبب في أن حكومة “أردوغان” في البداية لم تكن حاسمة بشأن كيفية الاستجابة لهذه الانتفاضات الشعبية، مثلها في ذلك مثل حكومات معظم دول العالم. ومع ذلك، كان هناك شيء واحد واضح، ألا وهو الوقوف في صف المطالب الشعبية المشروعة في هذه الدول. إلا أن طريقة إظهار هذه المساندة اختلفت من حالة الأخرى. وكان هذا يوضح كيف استجاب رئيس الوزراء التركي فعلاً للتحديات التي واجهت سياسته الخارجية في المنطقة نتيجة الحراك الشعبي في أكثر من بلد عربي .
فعلى سبيل المثال، وبالرغم من أن علاقات أنقرة الجيدة بالنظام السوري إضافة إلى وجود مخاوف عديدة من حصول فوضى أو حرب طائفية أو تدخل خارجي، ساهمت في عدم انتقاده بصفة واضحة ومباشرة في بداية الثورة السورية واتباع الأسلوب المتدرج اعتقادا منها أنه بالامكان التأثير في هذا النظام ودفعه نحو الاصلاحات، إلا أن فقدان الأمل في إصلاح النظام السوري وتمتع أنقرة بأرضية شعبية داخل سورية، دفعها إلى تشديد انتقاداتها له
في هذه المرحلة، لم تقتصر التحديات التي تواجه تركيا على التحديات المتعلقة بالاستقرار الإقليمي، ولكنها تأتي أيضًا من الجماعات المنشقة في السياسة المحلية في تركيا. وبينما كانت الأزمة السورية تؤثر مباشرة على العلاقات الثنائية بين تركيا وكل من العراق وإيران وروسيا على المستوى الإقليمي، بالإضافة إلى تعاونها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة على المستوى الدولي، إلا أن تشظي الصراع داخل سوريا كان يمثل تحديًا مباشرًا للأمن المجتمعي التركي على المستوى المحلي. وشهدت تركيا تعثرا في سعيها لحل الأزمة في المنطقة بسبب الافتقار إلى إجماع بين الأحزاب
السياسية ومختلف المجموعات الاجتماعية تجاه كل من الأزمة السورية والانقلاب العسكري في مصر. وعلى هذا النحو، أدى “الربيع العربي – باعتباره التحدي الرئيس للطموحات الإقليمية التركية – إلى تحديث خطاب أنقرة الاستراتيجي في مواجهة الأزمة متعددة الأبعاد في المنطقة. وبالرغم من أن السياسة الخارجية التركية أخذت تغير استراتيجياتها في مواجهة التطورات في المنطقة، ولكنها ظلت تستخدم نفس نمط المبادئ السابقة في تحقيق ذلك. فبينما كانت تركيا تعترف بتعزيز الديمقراطية كفلسفة محورية للربيع العربي ، كانت تهدف في ذات الوقت إلى قيادة هذا التحول الإقليمي من أجل تحقيق هذه العملية بدون تدمير الاستقرار الإقليمي. [1]
الخلفية التاريخية للعلاقات التركية اللبنانية
لا يقتصر النفوذ التركي في لبنان على الأشهر الأخيرة، بل خططت تركيا لزيادة وجودها في لبنان على مدى السنوات الماضية. وأرسلت أنقرة الوكالة التركية للتعاون والتنسيق “تيكا” إلى لبنان منذ عام 2006 للتركيز على هذا البلد. إن هذه المنظمة لا تعمل في لبنان فحسب، بل تضع دولاً مختلفة على جدول أعمالها. وبما أن تركيا تسعى إلى التنافس مع السعودية على زعامة العالم السنّي؛ لذا مع تنامي نفوذ الرياض في لبنان، حاولت أن يكون لها تواجد في هذا البلد. وكان التقارب مع الأتراك الذين يعيشون في لبنان والقرب من السياسيين المقربين من سعد الحريري، من بين الإجراءات التي اتخذتها تركيا من أجل زيادة نفوذها في لبنان. وبالتالي، فإن ما نشاهده حالياً من الإجراءات التركية[2] في لبنان، هو نتاج عقود من الوجود التركي في هذا البلد.
لقد قررت أنقرة توسيع دائرة نفوذها في لبنان بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، وقد أدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دوراً مهماً في دفع هذه السياسة. وأدت المزاعم العثمانية الجديدة للحكومة التركية إلى تكثيف أنشطة أنقرة في لبنان؛ لأن تركيا تعتقد أن الأراضي اللبنانية تابعة للإمبراطورية العثمانية، وتحاول الآن إثبات هذه القضية عملياً.
السياسة التركية اتجاه سوريا و لبنان في ظل المخاض الاقليمي الجاري:
فرضت التطورات الإقليمية خلال العامين الماضيين واقعًا جديدًا منح تركيا مساحة أوسع للتحرك السياسي والدبلوماسي، خاصة بعد الدور الذي لعبته في دعم الإدارة السورية الجديدة والمساهمة في تعزيز انفتاحها على المجتمع الدولي. وأسهمت التحركات التركية، بالتنسيق مع عدد من القوى الإقليمية، في تخفيف الضغوط الدولية على دمشق وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا، وهو ما عزز مكانة أنقرة باعتبارها وسيطًا قادرًا على الجمع بين المصالح الإقليمية والدولية. وانطلاقًا من هذا الدور، بات لبنان ينظر إلى تركيا كشريك يمكنه المساهمة في دعم موقفه خلال المرحلة المقبلة، سواء عبر التواصل مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية أو من خلال تشجيع الحلول السياسية التي تحد من التصعيد العسكري. كما أن استمرار التنسيق التركي مع العواصم العربية الكبرى يمنح هذا الدور بعدًا إقليميًا أوسع، ويجعله جزءًا من جهود مشتركة تستهدف الحفاظ على استقرار لبنان ومنع تحوله إلى ساحة صراع مفتوحة.[3]
دوافع التقارب التركي اللبناني
نشرت صحيفة “arabnews” تقريراً جديداً تناول التحوّل الذي تشهده العلاقات اللبنانية – التركية، في ظل الزيارات المتقاربة التي أجراها كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى أنقرة خلال تموز، معتبراً أن هذه الخطوات قد تمثل بداية مرحلة جديدة في مسار العلاقات بين البلدين.
وأشار التقرير إلى أن سلام وعون التقيا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكبار المسؤولين الأتراك في زيارتين منفصلتين، بفارق أقل من 3 أسابيع، في خطوة وصفها بأنها تعكس انفتاحاً دبلوماسياً لبنانياً غير مسبوق تجاه تركيا. ولفت إلى أن العلاقات بين البلدين، رغم طابعها الودّي، لم تبلغ حتى الآن كامل إمكاناتها، وهو ما دفع سلام إلى الدعوة خلال زيارته إلى الارتقاء بها إلى مستوى “شراكة استراتيجية”.
وأوضح أن عون شدد، خلال مقابلة مع وسائل إعلام تركية قبيل زيارته إلى أنقرة، على 3 محاور رئيسية، هي المكانة المحورية لتركيا في النظام الإقليمي، وأهمية التنسيق معها باعتباره ضرورة استراتيجية لا خياراً موقتاً، إضافة إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه في دعم قدرات المؤسسات العسكرية اللبنانية.
وذكر أنَّ عون أكد أن بيروت تعوّل على أنقرة للمساعدة في تأمين انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان ودعم تنفيذ الاتفاق الإطاري مع الجانب الإسرائيلي، مع التشديد على أن أي دور تركي يجب أن يكون مكملاً للدعم الأميركي والدولي القائم، وليس بديلاً منه.
في المقابل، رأى التقرير أن تركيا كانت تستعد منذ فترة لتعزيز انخراطها في لبنان، مذكراً بتصريح أردوغان في حزيران الماضي، الذي اعتبر فيه للمرة الأولى أن لبنان وسوريا يشكلان جزءاً من الأمن القومي التركي، وذلك رداً على ما وصفه بالعدوان الإسرائيلي والطموحات الإسرائيلية للهيمنة الإقليمية، بما يجعل من البلدين جبهة استراتيجية في مواجهة التوسع الإسرائيلي.
وأشار إلى أن هذا التوجه لا يحظى بارتياح في تل أبيب، إذ إن تصريحات أردوغان التي اعتبرت أن المصالح الأمنية التركية تمتد إلى دمشق وبيروت، إلى جانب استعداد لبنان لمنح أنقرة دوراً أكثر فاعلية، من شأنها تعقيد الحسابات الإسرائيلية. وأوضح أنَّ أنقرة ترى أن إسرائيل تحاول استدراج لبنان إلى دائرة تنافسها مع تركيا، مؤكداً أن القيادة التركية لا تنوي السماح بحدوث ذلك.
ولفت إلى أن تركيا نجحت في بناء علاقات قوية مع الحكومة السورية الجديدة، كما توسع حضورها الاقتصادي والأمني في سوريا بعد مرحلة الرئيس السابق بشار الأسد، مشيراً إلى أنها تسعى اليوم، وبالتنسيق مع بيروت، إلى المساهمة في دعم التعافي الاقتصادي وتعزيز الأمن في لبنان. وأوضح أن تركيا، رغم حضورها التاريخي في لبنان، لا تزال بحاجة إلى دعم إقليمي لسياساتها هناك، وتعتمد بصورة خاصة على علاقاتها التعاونية مع كل من دمشق والرياض.
وأشار إلى أن أنقرة لعبت خلال الفترة الماضية دوراً دبلوماسياً بعيداً عن الأضواء، ولا سيما في الاتصالات بين سوريا ولبنان، وحتى بين سوريا و”حزب الله”، بهدف منع تصاعد التوتر في المشرق، لافتاً إلى أن أردوغان شدد على أهمية تعزيز العلاقات بين بيروت ودمشق لما فيه مصلحة المنطقة بأسرها.
ورأى أن استقرار لبنان يمثل مصلحة مشتركة لكل من تركيا وسوريا، وهو ما دفع أنقرة إلى إدراج لبنان ضمن منظومة الأمن الإقليمي التي تقودها بالتعاون مع دول الجوار السوري، ومنها الأردن والعراق، مؤكداً استعدادها لتقديم مختلف أشكال الدعم الأمني لبيروت.
وذكر أن القوات التركية تشارك منذ سنوات ضمن قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل)، التي يُتوقع أن تنهي مهمتها مع انتهاء ولايتها في كانون الأول 2026، بعد نحو خمسة عقود من الانتشار، مشيراً إلى أن تركيا، بصفتها عضواً رئيسياً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تعمل على حشد دعم لإنشاء قوة جديدة تابعة للحلف في جنوب لبنان، تضم قوة تركية كبيرة لتحل محل “اليونيفيل”.
وأوضح أن لبنان يسعى أيضاً إلى شراء منتجات دفاعية تركية، معتبراً أن هذا التوجه يرتبط بعملية التعافي الاقتصادي التي تتطلب استقراراً سياسياً داخلياً وانسحاب القوات الإسرائيلية، إلا أن مجرد الاهتمام بهذه المشتريات يعكس رغبة بيروت في تنويع شراكاتها الأمنية والاقتصادية، فيما تبدو تركيا مرشحاً بارزاً لسد هذا الفراغ.
وأشار إلى أن المحادثات التي أجراها المسؤولون اللبنانيون مع أردوغان ركزت بصورة خاصة على ملفات التعافي الاقتصادي والبنية التحتية، لافتاً إلى أن لبنان يطمح إلى الانضمام إلى مشروع سكة حديد الحجاز عبر خطي طرابلس – حمص وبيروت – دمشق.
كما أكد أن نجاح هذا المشروع يرتبط بدور كل من سوريا والسعودية، باعتبارهما شريكين فيه، إلى جانب تعاونهما مع تركيا في عدد من الملفات الإقليمية، موضحاً أن انضمام لبنان مستقبلاً إلى هذا الممر اللوجستي الإقليمي، بعد إعادة تأهيل شبكة السكك الحديدية، قد يسهم في دعم تعافيه الاقتصادي والبنى التحتية على المدى الطويل.
وخلص إلى أن الدور التركي في لبنان يقوم، من وجهة النظر اللبنانية، على 3 محاور رئيسية، تتمثل في المساهمة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية عبر تعزيز التعاون الأمني والاستفادة من نفوذ أنقرة في واشنطن، ودعم التعافي الاقتصادي ومشاريع الربط الإقليمي، إلى جانب تقديم المساعدات الإنسانية من خلال أدوات القوة الناعمة. وأشار إلى أن تركيا تنشط في لبنان عبر الوكالة التركية للتعاون والتنسيق، وهيئة إدارة الكوارث والطوارئ، والهلال الأحمر التركي، التي تقدم مساعدات إنسانية في مختلف المناطق.
كذلك، لفت إلى أن المساعدات المقدمة للبنان ساهمت أيضاً في دعم مسار التطبيع بين تركيا وأرمينيا، مستشهداً بإعادة فتح معبر أليجان/مارغارا الحدودي بين البلدين في حزيران الماضي، للمرة الأولى منذ عام 1993، بهدف تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية من أرمينيا إلى لبنان.
أيضاً، رأى التقرير أن هذا التطور بدأ يغيّر النظرة إلى تركيا داخل لبنان، بعدما كانت الجالية الأرمنية تُعد لسنوات إحدى العقبات أمام تطوير العلاقات بين البلدين.
وختم التقرير بالقول إن الزيارتين اللتين أجراهما الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى تركيا تؤشران إلى انطلاق مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية – التركية، قد تفتح أمام البلدين فرصة استراتيجية يسعى كل منهما إلى استثمارها[4].
خاتمة
هيأت التحولات الجارية بالاقليم الأرضية للحضور التركي في لبنان في ظل الصراع الجاري على طهران وفي ظل تراجع السياسة الفرنسية عن التأثير في التفاعلات بلبنان إذ تسعى أنقرة لتمدد مصالحها بعد الانخراط والدور في سوريا لتشبيك مصالحها الإقليمية غير أن هذا الدور المرتقب التركي يواجه عديد المطبات على غرار السياسة الاسرائلية المناهضة لتوسع أنقرة والمتصادمة معها أيضا في سوريا كما لايزال المشهد الإقليمي ضبابيا ولم تنقشع بعد ملامح الصورة النهائية لموازين القوى الإقليمية.
قائمة المصادر و المراجع
١-ا. وليد الدوزي ، الدور الإقليمي التركي في منطقة الشرق الأوسط في عهد حزب العدالة و التنمية ،مجلة الباحث للدراسات الاكاديمية،العدد التاسع ، جوان 2016، ص 289….294
٢- نفوذ تكسا المتصاعد في لبنان … الخلفيات و العواقب، من المواقع الالكترونية :
https://www.bayancenter.org/2020/10/6367/ ، تم التصفح بتاريخ 03/08/2026
٣- التقارب اللبناني التركي :شراكة جديدة في ظل التحولات الإقليمية ،من الموقع الالكتروني :
https://lcss.gov.ly/articles/blog/post-1556/ ، تم التصفح بتاريخ 03/08/2026
٤– ماذا وراء تقارب لبنان و تركيا ، من الموقع الالكتروني :
https://www.mtv.com.lb/amp/details/1723558 ، تم التصفح بتاريخ 03/08/2026
[1] ا. وليد الدوزي ، الدور الإقليمي التركي في منطقة الشرق الأوسط في عهد حزب العدالة و التنمية ،مجلة الباحث للدراسات الاكاديمية،العدد التاسع ، جوان 2016، ص 289….294
[2] نفوذ تكسا المتصاعد في لبنان … الخلفيات و العواقب، من المواقع الالكترونية :
https://www.bayancenter.org/2020/10/6367/ ، تم التصفح بتاريخ 03/08/2026
[3] التقارب اللبناني التركي :شراكة جديدة في ظل التحولات الإقليمية ،من الموقع الالكتروني :
https://lcss.gov.ly/articles/blog/post-1556/ ، تم التصفح بتاريخ 03/08/2026
[4] ماذا وراء تقارب لبنان و تركيا ، من الموقع الالكتروني :
https://www.mtv.com.lb/amp/details/1723558 ، تم التصفح بتاريخ 03/08/2026



