
تسليم شينوك CH-47F لمصر.. أبعاد عسكرية ورسائل سياسية في توقيت إقليمي حساس
د. عماد عنان
في السابع عشر من أيلول/سبتمبر الجاري، أعلنت السفارة الأميركية لدى مصر، عبر حسابها الرسمي على منصة “فيسبوك”، تسليم القاهرة دفعة جديدة من مروحيات النقل العسكرية من طراز CH-47F شينوك، وذلك على هامش فعاليات معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء، وتُعد هذه المروحيات من أحدث طائرات النقل التي انضمت حديثًا إلى أسطول القوات الجوية المصرية.
ونشرت السفارة صورًا من مراسم التسليم، مرفقةً بيانًا قالت فيه: “تهانينا لشركة بوينغ، والجيش الأميركي، ووزارة الدفاع المصرية بمناسبة تسليم مروحية شينوك الجديدة من طراز CH-47F، في مثال ملموس آخر على تنامي الشراكة التجارية والدفاعية بين الولايات المتحدة ومصر”.
ورغم أن الخطوة تأتي في إطار صفقة عسكرية وتعاون دفاعي مستمر بين القاهرة وواشنطن، فإن توقيتها وسياقها الإقليمي يمنحانها أبعادًا تتجاوز الجانب الفني المرتبط بتحديث قدرات النقل الجوي، فقد جاء الإعلان في ظل بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من التوتر وإعادة ترتيب موازين القوى، وفي مرحلة تشهد فيها طبيعة الدور الأميركي في الشرق الأوسط نقاشات واسعة على خلفية التحولات الأمنية المتسارعة والصراعات الممتدة في المنطقة.. فما الدلالات السياسية والاستراتيجية التي تحملها هذه الخطوة؟ وما الرسائل التي قد تكون موجهة إلى الأطراف الإقليمية والدولية في هذا التوقيت؟
ليست طارئة
لم تكن هذه الصفقة تطورًا مفاجئًا أو خطوة طارئة، كما قد يعتقد البعض، بل تعود جذورها إلى أيار/مايو 2022، عندما وافقت الولايات المتحدة على بيع ما يصل إلى 23 مروحية من طراز CH-47F شينوك، إلى جانب حزمة من المعدات والدعم المرتبط بها، بقيمة تقديرية بلغت نحو 2.6 مليار دولار.
وفي كانون الثاني/يناير 2023، أبرم الجيش الأميركي مع شركة بوينغ عقدًا بقيمة تقارب 426 مليون دولار لتصنيع الدفعة الأولى من هذه المروحيات لصالح مصر، والتي تشمل 12 طائرة، مع تحديد عام 2026 موعدًا لبدء عمليات التسليم، وبناءً على ذلك، فإن عملية التسليم الحالية تأتي في إطار تنفيذ الاتفاق المبرم عام 2022، وتمثل مرحلة من مراحل برنامج تحديث وتعزيز قدرات النقل الجوي لدى القوات المسلحة المصرية.
وتشغّل مصر بالفعل مروحيات من عائلة شينوك، إلا أن الأسطول الحالي يعتمد على الطراز الأقدم CH-47D، فيما تمثل النسخة الجديدة CH-47F نقلة نوعية مقارنة بسابقتها، نظرًا لما تتمتع به من أنظمة إلكترونية أكثر تطورًا، وقدرات محسّنة في مجال النقل التكتيكي والعمليات متعددة المهام.
ويأتي انتقال القوات الجوية المصرية إلى الطراز الأحدث في إطار توجه مستمر نحو تحديث منظومات التسليح ورفع كفاءة القدرات العملياتية، بما يعزز من مرونة القوات الجوية في تنفيذ مهام النقل العسكري، والدعم اللوجستي، والعمليات الخاصة، والمهام المرتبطة بالتعامل مع المتغيرات الأمنية المختلفة.
دلالة المكان والتوقيت
لم يكن اختيار مكان الإعلان عن تسليم تلك المروحيات تفصيلًا بروتوكوليًا فحسب، بل حمل دلالات سياسية وإعلامية أوسع من مجرد عملية تسليم عسكرية داخل منشأة أو قاعدة جوية، فقد جاء الإعلان على هامش معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء، بما منح الحدث منصة أكثر حضورًا لإبراز مسارات التعاون الدفاعي المصري مع شركائها الدوليين، في ظل الزخم الذي أحاط بالمعرض منذ افتتاحه في الثامن من الشهر الجاري بحضور الرئيس المصري والرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، إلى جانب مشاركة واسعة من شركات ودول عدة.
وقد وفر هذا السياق الدولي مساحة لإظهار القدرات العسكرية المصرية وشبكة علاقاتها الدفاعية أمام جمهور إقليمي ودولي، بما يتجاوز الطابع الفني المرتبط بتسليم منظومة عسكرية جديدة.
من جانبها، استفادت شركة بوينغ من هذا الزخم للتأكيد على امتداد علاقاتها الدفاعية مع مصر لنحو خمسة عقود، حيث عرضت خلال فعاليات المعرض، إلى جانب مروحيات شينوك، عددًا من المنظومات الأخرى مثل مروحيات أباتشي وطائرة التزود بالوقود KC-46A ، وهو ما يشير إلى أن الرسالة الأميركية لا ترتبط بصفقة منفردة بقدر ما تعكس رغبة في تأكيد استمرار الحضور الأميركي ضمن مسار تحديث وتطوير القدرات العسكرية المصرية على المدى الطويل.
كما يكتسب توقيت الخطوة أهمية إضافية في ضوء التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، حيث تشهد معادلات النفوذ والقوة إعادة ترتيب في ظل تصاعد التنافس الدولي على الشرق الأوسط، وفي الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة نقاشات حول طبيعة ومستقبل دورها الإقليمي، تبرز تحركات قوى دولية أخرى، وعلى رأسها الصين، لتعزيز حضورها وشراكاتها في المنطقة.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة استمرار التعاون الدفاعي الأميركي مع مصر باعتباره جزءًا من مساعي واشنطن للحفاظ على موقعها كشريك أمني رئيسي، وترسيخ حضورها داخل المؤسسات العسكرية للدول الحليفة، في مواجهة بيئة إقليمية تتسم بتغير الأولويات وتعدد الفاعلين.
التأكيد على عمق العلاقات المصرية الأميركية
الرسالة الأولى التي تعكسها هذه الخطوة الأميركية تتمثل في تأكيد الطابع المؤسسي للعلاقة العسكرية المصرية–الأميركية، فعلى الرغم من التباينات التي شهدتها العلاقات السياسية بين البلدين بشأن عدد من الملفات الإقليمية والدولية، فإن التعاون العسكري حافظ على قدر كبير من الاستمرارية، مستندًا إلى بنية مؤسسية ممتدة لعقود وشبكة من المصالح والآليات المشتركة.
وقد حرصت واشنطن على تعزيز هذا المسار عبر استمرار برامج التعاون العسكري والتدريبات المشتركة، وفي مقدمتها مناورات “النجم الساطع” التي تستضيفها مصر بشكل دوري، وشهدت نسخة عام 2025 مشاركة أكثر من 40 دولة ونحو 1500 عسكري أميركي، فيما وصفت القيادة المركزية الأميركية هذه المناورات بأنها إحدى الركائز الأساسية للعلاقة الدفاعية بين الولايات المتحدة ومصر.
وفي هذا السياق، فإن تزويد القاهرة بمروحيات CH-47F شينوك لا يقتصر على عملية بيع عسكرية تقليدية، بل يمثل ارتباطًا طويل الأمد بمنظومة دفاعية متكاملة تشمل التدريب، وتوفير قطع الغيار، وخدمات الصيانة، والدعم الفني، وبرامج التحديث المستقبلية، فضلًا عن تعزيز قنوات التواصل والتنسيق بين القوات المسلحة المصرية والمؤسسات العسكرية الأميركية.
وكانت وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأميركية قد أشارت، عند إخطار الكونغرس بالصفقة، إلى مكانة مصر باعتبارها حليفًا رئيسيًا من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو) وشريكًا استراتيجيًا مهمًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهو ما يعكس استمرار أهمية البعد العسكري في طبيعة العلاقة بين البلدين.
تأكيد أمريكي على دور القاهرة في هندسة الأمن الإقليمي
الرسالة الأبرز التي تسعى واشنطن إلى ترسيخها من خلال تسليم مصر هذا النوع من الطائرات المتقدمة، والتي يُتوقع أن تُحدث نقلة نوعية في قدرات القوات الجوية المصرية، تتمثل في التأكيد على استمرار مكانة القاهرة باعتبارها أحد المحاور الرئيسية في منظومة الأمن الإقليمي التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
فالولايات المتحدة، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تعمل على تعزيز حضورها ونفوذها في المنطقة عبر شبكة من الشركاء والحلفاء الاستراتيجيين، وتأتي مصر في مقدمة هذه الدول بحكم علاقاتها الممتدة مع واشنطن لعقود، ودورها المحوري في ملفات الأمن الإقليمي، وموقعها الجغرافي والسياسي الذي جعلها أحد الركائز الأساسية في الحسابات الأمريكية خلال السنوات الماضية.
ومن هذا المنطلق، تحمل الخطوة الأمريكية رسالة واضحة إلى القاهرة مفادها أن واشنطن لا تزال تنظر إلى مصر باعتبارها شريكًا استراتيجيًا مهمًا، وعنصرًا فاعلًا في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي، رغم توجه السياسة المصرية خلال السنوات الأخيرة نحو تنويع دوائر التعاون والشراكات مع قوى دولية مختلفة في الشرق والغرب.
وفي المقابل، تنظر القاهرة إلى استمرار التعاون العسكري والاستراتيجي مع الولايات المتحدة باعتباره أحد مكونات سياستها الخارجية، مع تأكيدها المتكرر على أهمية الحفاظ على هذه الشراكة، حتى في ظل وجود تباينات في وجهات النظر حول عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وبعض السياسات الأمريكية التي ترى مصر أنها قد تتعارض في بعض الأحيان مع رؤيتها للأمن القومي المصري والعربي.
وبذلك، فإن صفقة الطائرات المتطورة لا تعكس فقط بعدًا عسكريًا مرتبطًا بتطوير القدرات الدفاعية المصرية، وإنما تحمل أيضًا أبعادًا سياسية واستراتيجية تتعلق بمستقبل العلاقة بين القاهرة وواشنطن، وموقع مصر في حسابات القوى الكبرى تجاه الشرق الأوسط.
(ألترا صوت)



