مقالات

عزة الفشني تكتب: الرئيس الإيراني في قلب أمريكا

بعد أسابيع من التصعيد المتبادل. وبعد أن ملأت تصريحات التهديد والوعيد الساحة السياسة الدولية. ذهب الرئيس الإيراني بزشكيان إلى نيويورك. لم يكن القدوم إلى مقر الأمم المتحدة مجرد رحلة بروتوكولية ضمن الدورة العامة للجمعية العمومية بل كان خطوة محسوبة في لعبة أعصاب بلغت ذروتها بين طهران وواشنطن.

دلالات حضور بزشكيان إلى نيويورك

حضور بزشكيان إلى نيويورك في هذا التوقيت تحديداٌ يحمل دلالات ورسائل تتجاوز مقر الأمم المتحدة التي سيلقي منها كلمته. فهو حضور يقول إن إيران رغم كل ما قيل عنها من عزلة ومن تهديدات إقتصادية وعسكرية ما زالت متمسكة بالمنبر الدولي. وما زالت ترى في الأمم المتحدة مسرحاٌ لا يمكن التنازل عنه. حتى وإن ضاقت مساحات التفاهم بينها وبين واشنطن وارتفعت حدة التلويح بالقوة. وجود الرئيس الإيراني في نيويورك هو رد عملي على منطق الإقصاء. وإصرار على أن القضايا لا تحسم بالضغط وحده. بل تطرح وتفاوض من زاوية صاحبها.

إيران اختارت أن تواجه في عقر دار خصمها السياسي

كما أن هذه الزيارة تعيد رسم صورة إيران أمام العالم. فبدلاٌ من أن تظهر كدولة ترد من وراء البيانات اختارت أن تواجه في عقر دار خصمها السياسي. وأن تتحدث بلغة القانون الدولي والسيادة وحق الشعوب. هذا الانتقال من لغة الردع إلى لغة المنصة هو بحد ذاته رسالة دبلوماسية. مفادها أن طهران تريد أن تحتفظ بورقة التفاوض مفتوحة حتى في أشد لحظات التوتر.

واشنطن وطهران يدركان أن القطيعة الكاملة مكلفة

وفي المقابل فإن إستقبال الوفد الإيراني في ظل قيود ورفض منح تأشيرات لبعض أعضائه يكشف أن كلا الطرفين يدركان أن القطيعة الكاملة مكلفة. لذلك تبقى الجمعية العامة هي الممر الإجباري الذي يلتقي فيه الأعداء دون أن يتصافحوا، ويتبادلون الرسائل دون أن يجلسوا إلى طاولة واحدة.

إن ما يعنيه وجود الرئيس الإيراني في نيويورك اليوم هو أن السياسة لم تنته بعد. وأن التصريحات النارية مهما علت لا تغلق باب الخطاب. وأن العالم رغم انقسامه ما زال بحاجة إلى طاولة التفاوض يجلس فيها الجميع حتى يقال ما لا يقال في الغرف المغلقة.

في المحصلة.. في لحظات التوتر الشديد يصبح حضور القادة على منصة واحدة هو بحد ذاته رسالة.
زيارة الرئيس الإيراني إلى نيويورك لا تعني إنتصار طرف على آخر ولا هزيمة أحد. هي تذكير بأن العالم رغم انقساماته ما زال بحاجة إلى قاعة يتحدث فيها الجميع حتى الخصوم.
ما حدث في مقر الأمم المتحدة لم يكن كلمة لدولة ضد دولة. بل كان محاولة ليبقي باب الحوار موارباً. حتى حين تغلق كل الأبواب الأخرى.

ربما لا تغير كلمة مصير الأزمة الحالية بين طهران وواشنطن ولا تحل خلافاً متراكماً. لكنها تؤكد أن لا أحد يستطيع أن يتحدث باسم العالم وحده. وأن الحلول مهما تأخرت لن تأتي إلا حين يجلس الجميع على طاولة المفاوضات وجهاٌ لوجه. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من التصعيد بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الإستماع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى