مقالات

البلقنة في خطاب روبيو: حين يصبح السلاح خطراً على أصحابه

أثار استخدام وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مصطلح “بلقنة العراق”أكثر من سؤال حول البعد  الحقيقي من هذا التحذير، وحدود الرسالة التي أرادت واشنطن إيصالها إلى بغداد ،روبيو ربط بصورة مباشرة بين وجود قوى مسلحة مستقلة عن سلطة الدولة وبين خطر تفكك البنية العراقية، متحدثاً عن ضرورة ألا تبقى في البلاد “قوات مستقلة تعمل وتبلقن  سيادة البلد والسياق الذي وردت فيه العبارة يشير إلى أن المقصود ليس بالضرورة الإعلان عن خطر تقسيم جغرافي وشيك بقدر ما هو التحذير من استمرار تشظي السيادة ووجود سلطات موازية داخل الدولة.

غير أن قراءة التصريح من زاوية  السلطة وحدها تبقى ناقصة. فالرسالة لا تتجه إلى الحكومة العراقية فقط، بل تصل كذلك إلى قادة  المليشياتوربما كانت هذه هي الزاوية الأكثر حساسية فيها. فواشنطن تقول عملياً إن استمرار السلاح  المنفلت لم يعد ضمانة لاستمرار نفوذها، بل قد يتحول إلى السبب المباشر في تهديد ما راكمته هذه القوى من مواقع سياسية ومصالح اقتصادية وثروات خلال السنوات الماضية.

وبهذا تتغير المعادلة كثيراً عما كانت عليه في سنوات الحرب،فقادة  المليشياتلم يعودوا  يعملون فقط ضمن منطق الميدان والقتال بل اصبحوا جزءاً من العملية السياسية ولهمحضوراً اقتصادياً وشبكات مصالح ومواقع داخل مؤسسات الدولة أو حولها  فمن ينتقل من مرحلة السلاح وحده إلى مرحلة السلاح والمال والسياسة تتغير حساباته بالضرورة لأن الحرب التي كانت في مرحلة معينة طريقاً إلى النفوذ قد تصبح لاحقاً أكبر تهديد لهذا النفوذ.

أمير الحرب يستطيع أن يغامر عندما لا يملك شيئاً سوى قوته العسكرية، لكن صاحب المال والنفوذ يبدأ بالتفكير بطريقة مختلفة. فهو يحتاج إلى السوق والبنوك والتجارة والاستقرار والعلاقات الخارجية، ويعرف أن المواجهة الواسعة قد تعني عقوبات وتجميد أموال وانهيار مصالح واستهداف شبكات اقتصادية بناها خلال سنوات. ومن هنا يمكن فهم الضغط الأمريكي بأنه لا يخاطب العقيدة العسكرية للفصائل وحدها، بل يخاطب مصالحها أيضاً: هل ما يزال السلاح أكثر قيمة من كل ما أصبحتم تملكونه؟

وهذه إحدى أهم التحولات في المشهد العراقي. فبعض القوى التي خرجت من مرحلة  “أمراء الحرب “أصبحت اليوم جزءاً من طبقة سياسية واقتصادية لها ما تخسره .

الخطر أن يتحول نزع السلاح إلى مجرد انتقال من نفوذ البندقية إلى نفوذ المال والسياسة. فإذا بقيت شبكات القوة خارج رقابة القانون، فلن تستعيد الدولة سيادتها، بل سيتغير شكل النفوذ فقط. والمطلوب هو إخضاع السلاح والمال والقرار السياسي جميعًا لسلطة الدولة.

لكن مصطلح البلقنة يفتح إشكالية أخرى؛ فمنذ 2003 ارتبط الجدل حول الفيدرالية أحيانًا بمخاوف من إعادة تشكيل الدولة، خصوصًا مع استمرار الخلاف حول صلاحيات بغداد والأقاليم والمحافظات.

ولهذا فإن تصريح روبيو يمكن أن يعيد تحريك خيال أولئك الذين ما زالوا يرقصون على أنغام الأقاليم والتقسيم، وكأن العراق يمكن إعادة رسمه بخطوط طائفية أو قومية ضيقة لكن تجربة العراق نفسه خلال أكثر من عقدين تقول شيئاً مختلفاً. فقد مر البلد بحرب طائفية قاسية، ثم خسر مساحات هائلة أمام تنظيم داعش، ثم شهد توسعاً في النزاعات حول المناطق المتنازع عليها، ثم وصل إلى استفتاء كردستان عام 2017، ومع ذلك لم يتحول إلى ثلاث دول أو أربع.

وهذا لا يعني أن وحدة العراق محصنة إلى الأبد بحكم وجود دستور يهيء أرضية فدرلة وحتى تقسيم ، لكن العراق لا يخضع بسهولة لما يمكن تسميته “جغرافية العقول الضيقة” فالمجتمع العراقي والاقتصاد والجغرافيا والثروات والمدن المختلطة وشبكات المصالح أكثر تعقيداً من أن تفصلها خطوط نظرية. كركوك وديالى ونينوى وبغداد والمناطق المختلطة وحدها كافية لإظهار أن أي مشروع تقسيم لن ينتج حدوداً هادئة بل حدود نزاع جديدة .

ان  السؤال الأهم: إذا كان احتلال العراق عام 2003 قد أخلّ بالتوازن الإقليمي، فماذا يمكن أن يفعل تقسيم العراق؟

الاحتلال لم يسقط نظاماً سياسياً فقط، بل أضعف دولة كانت تمثل أحد أركان التوازن في المشرق والخليج، وفتح المجال أمام إعادة توزيع واسعة للنفوذ الإقليمي. أما تقسيم العراق، إن حدث، فلن يعني إضعاف دولة واحدة بل صناعة عدة فراغات متجاورة في قلب المنطقة ستتداخل المسألة الكردية مع تركيا وإيران وسوريا، وستتحول الحدود الجديدة إلى مناطق نزاع وستنشأ صراعات على النفط والمياه والمعابر والمدن المختلطة، وستجد القوى الإقليمية نفسها مدفوعة إلى التدخل لحماية مصالحها وحلفائها.

وهنا تصبح المعادلة أخطر: احتلال العراق أخلّ بالتوازن الإقليمي، أما تقسيمه فقد يفتح فوضى لا توجد دولة واحدة في المنطقة قادرة على احتوائها.

فمن يظن أن تفكيك العراق يمكن أن ينتج كيانات مستقرة  لكن  التجربة الإقليمية تقول إن انهيار الدول لا يصنع بالضرورة أنظمة أصغر وأكثر استقراراً، بل قد يصنع ساحات مفتوحة للتدخل والصراع.

العراق لا يحتاج إلى إعادة رسم جغرافيته، بل إلى إعادة بناء دولته لقد أثبت العراق منذ 2003 أنه أكثر تعقيداً من الخرائط التي تُرسم له، وأكثر قدرة على البقاء من المشاريع التي راهنت على تفكيكه. والمشكلة لم  تكن يوماً أن العراقيين يعيشون في جغرافية واحدة، بل أن السلطة لم تكن في هذه المرحلة  أقوى من المكونات والفصائل ومراكز النفوذ.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كيف يمكن تقسيم العراق، بل كيف يمكن أن تصبح الدولة أكبر من الفصيل، والقانون أكبر من السلاح، والمواطنة أكبر من الانقسام

وفي النهاية، فإن أخطر ما في البلقنة ليس أن تتغير حدود العراق على الخريطة، بل أن تبقى الحدود كما هي بينما تتفتت داخلها السيادة. وإذا كان الاحتلال قد أحدث اختلالاً عميقاً في ميزان المنطقة، فإن تفكيك العراق سيكون انتقالاً من اختلال التوازن إلى فوضى قد تتجاوز قدرة الجميع على السيطرة عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى