قضايا وتحليلات

من الغرب إلى الشمال.. كيف تغيّرت خريطة التهديدات المحيطة بالأردن؟

منذ قرار فك الارتباط عام 1988، تعامل الأردن مع جبهته الغربية، ممثلة في الضفة الغربية، باعتبارها مصدر القلق الاستراتيجي الأبرز، بحكم الجغرافيا والتداخلات السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وما تحمله من مخاوف متعلقة بمشاريع التهجير والتغيرات الديموغرافية وانعكاساتها المحتملة على الأمن الوطني الأردني.

لكن المشهد الإقليمي خلال الفترة الأخيرة أضاف بُعدًا جديدًا لحسابات عمّان الأمنية، فلم تعد التحديات محصورة في الجبهة الغربية فقط، بل امتدت إلى الجبهة الشمالية مع الجنوب السوري، حيث ترى المملكة أن أي اضطراب في قواعد الأمن والاستقرار هناك قد يحمل تداعيات مباشرة على أمنها القومي، سواء من الناحية الأمنية أو الديموغرافية، في ظل حساسية الحدود المشتركة والتداخلات الإقليمية المحيطة بها.

وبذلك تجد المملكة نفسها أمام بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا، تتقاطع فيها التحديات القادمة من جبهتين مختلفتين؛ غربًا عبر الضفة الغربية، وشمالًا عبر الساحة السورية، ورغم اختلاف طبيعة الملفين، فإنهما يلتقيان عند نقطة أساسية تتمثل في تأثيرهما المباشر على حسابات الأمن الأردني، ورفض عمّان لأي ترتيبات إقليمية جديدة تُفرض خارج إطار التوافقات السياسية، أو تؤدي إلى إعادة تشكيل خرائط المنطقة بما يخلق ضغوطًا إضافية على المملكة.

ويزداد القلق الأردني مع تصاعد الدور الإسرائيلي في كلا المسارين؛ فمن جهة تبرز المخاوف المرتبطة بمستقبل الضفة الغربية وما قد تحمله أي تحولات فيها من تداعيات سياسية وديموغرافية، ومن جهة أخرى تبرز حساسية الملف السوري في ظل التحولات الأمنية المتسارعة في الجنوب السوري وتداعياتها المحتملة على الحدود الأردنية، الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات حول طبيعة هذا التوسع في دوائر التهديد المحيطة بالمملكة، ومدى انعكاسه على حسابات الأمن القومي الأردني.

رغم أن ملف الضفة الغربية يحتل موقعًا محوريًا في الحسابات الأردنية منذ عقود، سواء منذ حرب عام 1967 وما ترتب عليها من تحولات جيوسياسية، أو منذ قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية عام 1988، فإن التطورات التي شهدتها الساحة الفلسطينية منذ أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وصولًا إلى موجات التصعيد المتلاحقة، دفعت بهذا الملف إلى صدارة الأولويات السياسية والأمنية للمملكة، باعتباره أحد أكثر الملفات ارتباطًا بشكل مباشر بالأمن الوطني الأردني.

وتنبع أهمية الضفة الغربية في الرؤية الأردنية من كونها تمثل امتدادًا جغرافيًا وسياسيًا مباشرًا للمملكة، فضلًا عن أن أي تحولات ديموغرافية أو سياسية واسعة فيها قد تحمل تداعيات محتملة على استقرار الأردن وتركيبته الداخلية،  ومن هذا المنطلق، تقوم المقاربة الأردنية على رفض أي ترتيبات إقليمية قد تؤدي إلى تغيير الواقع القائم في الضفة الغربية بصورة تفضي إلى تحولات ديموغرافية ترى عمّان أنها تمس مصالحها الوطنية وتوازناتها الداخلية.

وتتعامل المملكة مع أي تطورات في الضفة الغربية باعتبارها ذات انعكاسات محتملة على الداخل الأردني، وفي مقدمة هذه المخاوف يأتي سيناريو التهجير القسري باتجاه الأراضي الأردنية، باعتباره أحد أكثر السيناريوهات حساسية بالنسبة لصانع القرار الأردني، إذ ترى عمّان أن أي تغيير ديموغرافي واسع في الضفة الغربية لا يهدد فقط مستقبل قيام دولة فلسطينية مستقلة، بل قد يؤدي أيضًا إلى تحميل الأردن تبعات أزمة إقليمية لم يكن طرفًا في صناعتها، وتحويله إلى مساحة لاستيعاب تداعيات الصراع.

ويرتبط ذلك بصورة مباشرة برفض الأردن لفكرة «الوطن البديل»، باعتبارها تصورًا يقوم على إحلال الأردن محل الدولة الفلسطينية أو نقل عبء القضية الفلسطينية إلى خارج حدودها، وهو ما ترى القيادة الأردنية أنه يهدد جوهر القضية الفلسطينية ويعيد تشكيل قواعد الصراع في المنطقة، ومن ثم، تعتبر عمّان أن الحفاظ على الهوية السياسية الفلسطينية، ووجود كيان فلسطيني قادر على إدارة شؤونه، لا يمثل فقط مطلبًا مرتبطًا بالقضية الفلسطينية، بل أحد مكونات الأمن الوطني الأردني ذاته.

في الآونة الأخيرة، برزت جبهة تهديد جديدة بالنسبة للأردن، هذه المرة من جهة الشمال، وتحديدًا في الجنوب السوري، لتضيف بُعدًا جديدًا إلى معادلة التحديات الأمنية المحيطة بالمملكة، ورغم أن هذه الحدود لم تكن بعيدة خلال السنوات الماضية عن مصادر التهديد، سواء بفعل انتشار الجماعات المسلحة، أو نشاط شبكات التهريب، أو تداخل الأدوار الإقليمية، إلا أن التطورات الأخيرة، لا سيما التغول الإسرائيلي في هذه المنطقة، والانتهاكات التي لا تتوقف هناك يومًا بعد يوم،  دفعت الجنوب السوري إلى صدارة الحسابات الأمنية الأردنية باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا.

ولا يتعامل الأردن مع التطورات في الجنوب السوري بالمنظور ذاته الذي يتعامل به مع ملف الضفة الغربية؛ فبينما يرتبط ملف الضفة بصورة أساسية بالاعتبارات السياسية والديموغرافية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، مع حضور البعد الأمني لاحقًا، فإن الجنوب السوري يُقرأ داخل عمّان من زاوية أمنية مباشرة، باعتباره امتدادًا حدوديًا حساسًا يرتبط باستقرار المملكة وأمنها الداخلي.

وتتمثل أبرز المخاوف الأردنية إزاء تلك الجبهة في احتمال حدوث تغيرات في ترتيبات الأمن القائمة في المنطقة الجنوبية السورية، وتحويل المنطقة العازلة هناك إلى مساحة توتر مستمر، إذ إن وجود قوات إسرائيلية في مناطق جديدة أو قرب الحدود الأردنية قد يخلق واقعًا أمنيًا أكثر تعقيدًا، وربما يدفع الجنوب السوري نحو التحول إلى بؤرة صراع مفتوحة طويلة الأمد.

وانطلاقًا من هذه الحسابات، جاءت المقاربة الأردنية مرتكزة على التأكيد على أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية واحترام سيادة الدولة السورية، باعتبار أن وجود دولة سورية مستقرة وقادرة على ضبط أراضيها وذات مؤسسات فاعلة عمليًا، يمثل -من وجهة النظر الأردنية- عنصرًا أساسيًا في حماية الأمن الإقليمي والحدودي.

في ضوء اختلاف طبيعة التهديدات التي تفرضها كل من الجبهتين الغربية والشمالية على الأردن، وتباين موقع كل ملف ضمن سلم الأولويات الوطنية، جاءت المقاربة الأردنية تجاههما مختلفة من حيث الأدوات والآليات، بحيث تعاملت عمّان مع كل جبهة وفق طبيعة التحديات المرتبطة بها ومستوى انعكاساتها المحتملة على الأمن القومي الأردني.

فعلى مستوى جبهة الضفة الغربية، تبنت المملكة مقاربة سياسية ودبلوماسية بالدرجة الأولى، انطلاقًا من ارتباط هذا الملف بالاعتبارات السياسية والديموغرافية للقضية الفلسطينية، وما قد يترتب على أي تغييرات جوهرية فيها من تداعيات مباشرة على الأردن، ولذلك كثفت تحركاتها بهدف مواجهة أي إجراءات من شأنها تغيير واقع الضفة الغربية، وفي مقدمتها رفض خطوات الضم الإسرائيلية، والتصدي لسيناريوهات التهجير، ودعم مسار إقامة الدولة الفلسطينية، إلى جانب الحفاظ على الوضع القانوني والتاريخي لمدينة القدس.

وجاء التحرك الأردني عبر مسارات متعددة، كان أبرزها المسار الدبلوماسي الدولي، من خلال حشد المواقف الرافضة لأي إجراءات تؤدي إلى تغيير الواقع الديموغرافي أو القانوني في الضفة الغربية، والتأكيد على ضرورة حماية الحقوق الفلسطينية ومنع فرض وقائع جديدة على الأرض، بخلاف التحرك السياسي عبر التأكيد على أن حل القضية الفلسطينية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مسار سياسي يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية وفق المرجعيات الدولية، مستندة في ذلك إلى شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية.

وبالتوازي مع المسار السياسي والدبلوماسي، يظل البعد الأمني حاضرًا في الحسابات الأردنية، باعتبار أن الضفة الغربية تمثل جبهة مرتبطة بصورة مباشرة بأمن الحدود الغربية للمملكة، كما يواصل الأردن التأكيد على دوره التاريخي تجاه مدينة القدس والمقدسات، باعتبار هذا الملف أحد أهم مرتكزات حضوره السياسي في القضية الفلسطينية، حيث ترى عمّان أن أي تغيير في الوضع القائم أو إعادة ترتيب المعادلات السياسية والقانونية في القدس والضفة الغربية لن تقتصر تداعياته على الساحة الفلسطينية، بل قد تمتد انعكاساته إلى الإقليم بأكمله.

أما على الجبهة الشمالية، وتحديدًا الجنوب السوري، فقد جاءت الأولوية الأردنية مختلفة، إذ غلب عليها الطابع الأمني المباشر، ثم تلاه البعد السياسي والدبلوماسي بدرجة ثانوية، فقد ركزت المملكة على حماية حدودها ومنع انتقال حالة الفوضى أو التوترات المسلحة إلى أراضيها، إلى جانب دعم ترتيبات أمنية مستقرة تحول دون تحول الجنوب السوري إلى بؤرة صراع مفتوحة.

وسياسيًا، ارتكز الموقف الأردني على التأكيد على أهمية الحفاظ على سيادة الدولة السورية ووحدة أراضيها، باعتبار أن وجود دولة سورية مستقرة وقادرة على ضبط حدودها يمثل عنصرًا أساسيًا في حماية الأمن الإقليمي والحدودي، ولهذا تحركت عمّان عبر قنوات أمنية ودبلوماسية للتعامل مع تطورات الجنوب السوري ومحاولة احتواء تداعياتها.

وفي المحصلة، ورغم اختلاف طبيعة التهديد بين الجبهتين، فإن المقاربة الأردنية تجاههما تلتقي عند مجموعة من الثوابت المشتركة؛ يأتي في مقدمتها رفض فرض وقائع جديدة بالقوة، سواء عبر تغيير الوضع في الضفة الغربية أو إعادة تشكيل موازين القوى في الجنوب السوري، والحفاظ على استقرار الحدود باعتباره أولوية استراتيجية في ظل إحاطة المملكة بثلاث ساحات إقليمية مضطربة هي العراق وسوريا وفلسطين.

ثم يأتي الهدف الأبرز والذي يمثل أولوية قصوى في الحسابات الأردنية ذلك المتعلق بمنع انتقال عدوى أزمات الإقليم وتداعياتها الأمنية والسياسية إلى الداخل الأردني، والحفاظ على قدرة الدولة على إدارة بيئة إقليمية تتزايد فيها التحديات وتتداخل فيها الملفات الأمنية والسياسية بصورة غير مسبوقة، فهل ستنجح عمَان في إدارة تلك المعادلة الحساسة في ظل محدودية أدواتها وحساباتها المعقدة؟


(نون بوست)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى