
د. جيهان علو: من النيل إلى حلبجة.. مصر و كوردستان على طريق السلام
لم تكن زيارة رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية الدكتور شريف عبد الحميد، رفقة وفد مصري رفيع المستوى، إلى محافظة حلبجة مجرد محطة في جدول زيارة رسمية، بل كانت لحظة فارقة التقت فيها الدبلوماسية بالذاكرة، والمسؤولية الأكاديمية بنبض الإنسانية. في هذه المدينة التي تعانق المجد والوجع، وقف الوفد أمام نصب الشهداء الذين سقطوا ضحايا القصف الكيميائي، وتجول في أروقة معرض الشهداء؛ حيث يستحيل التاريخ شهادة حية، وتتحول الدبلوماسية من أطر البروتوكول الجافة إلى موقف إنساني وأخلاقي ناطق. وفي مقر المحافظة، كان الاستقبال الكريم من المحافظ السيدة نوخشة ناصح مدخلاً لترسيخ الرمزية التاريخية لحلبجة؛ هذه البقعة التي اختزلت قصة شعب واجه أعنف أشكال القمع، ثم استرد حق الحياة ليعيد بناء المدينة من بين الأنقاض، متحولاً من أيقونة للمأساة إلى رمز للصمود والتجدد.
دبلوماسية الذاكرة: حين يتجاوز المعنى حدود البرتوكول
ثمة أماكن لا يكفي أن نقرأ عنها في كتب التاريخ أو نستمع إلى أخبارها عبر الشاشات؛ بل يقتضي إدراك حقيقتها الوقوف على أرضها، ولمس شواهدها، والإصغاء إلى نبرة أهلها. وحلبجة في صدارة هذه الأمكنة التي يتعذر فصل حاضرها عن ماضيها، أو فهم مكانتها دون الولوج إلى ذاكرتها الجريحة. فهذه الزيارة تؤكد أن القضايا الكبرى لا تُفهم بالوساطات المعرفية، بل بالمواجهة المباشرة مع الحقيقة على أرض الواقع.
انبعاث من الرماد: حلبجة تتجاوز زمن الجريمة
في آذار عام 1988، تعرضت حلبجة لهجوم بالأسلحة الكيميائية ضمن حملات الأنفال في عهد نظام صدام حسين، ليقضي آلاف المدنيين العزل من الأطفال والنساء والشيوخ في لحظة فارقة صدمت الضمير العالمي. وعلى الرغم من أن اسم حلبجة حُفر في الذاكرة الكوردية والإنسانية كمترادفٍ لجريمة مروعة، إلا أن اختزالها في لحظة الفاجعة ظلمٌ تاريخي لإرادتها. فحلبجة ليست مجرد مسرح لمأساة غابرة ، بل هي مدينة انتصرت للحياة، وصانت ذاكرتها، وأعادت بناء صرحها الحضاري متسلحة بأسماء شهدائها جيلًا بعد جيل. ومن هنا نبعت أهمية زيارة الوفد المصري، كونها لم تكن رثاءً لماضٍ مضى، بل تحيةً لمدينة حية تبني حاضرها وتصنع مستقبلها بثبات و عزيمة و كرامة.
جسور بين النيل وكوردستان: التلاقي الأكاديمي والإنساني
ضم الوفد المصري نخبة رفيعة من الفكر والدبلوماسية والإعلام، تقدمهم رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية الدكتور شريف عبد الحميد، والسفير شريف شاهين (سفير مصر السابق في العراق)، والدكتور جمال عبد الجواد (رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية السابق)، والدكتور حسن أبو طالب (مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)، والدكتور ياسين رؤوف (رئيس مكتب الاتحاد الوطني الكوردستاني في القاهرة)، والإعلامي عادل الفخراني (رئيس المركز العربي للدراسات الكردية). و حضور هذه القامات في حلبجة يمنح الزيارة أبعاداً استراتيجية تتخطى العرف الدبلوماسي التقليدي؛ إذ يفتح قناة تواصل مباشر مع صلب التاريخ الكوردي، ويمنح القضايا الإنسانية العادلة صدى أعمق في الفضاء العربي عبر بوابة الدبلوماسية الثقافية والأكاديمية التي تبني علاقات راسخة قائمة على الاحترام والتفهم المعرفي قبل المصالح السياسية المجردة.
من القاهرة إلى حلبجة: المعرفة المباشرة بديلًا للصور النمطية
إن العلاقات التي تجمع بين مصر وكوردستان ليست بالجديدة إنما ينبغي ألا تظل حبيسة الأطر السياسية الضيقة، بل يجب أن تمتد لتشمل الجامعات، ومراكز الفكر، والمؤسسات الإعلامية والثقافية. فقد جاء توقيع العديد من مذكرات التفاهم بين الوفد والجامعات الكوردية وفي مقدمتها جامعة جيهان الأهلية في السليمانية ليشكل خطوة عمل جادة نحو التعاون في إعداد الأبحاث ومراجعتها وكتابتها مع الالتزام الصارم بحماية حقوق الملكية الفكرية. فانتقال الأكاديمي والإعلامي المصري من مستوى قراءة التقارير إلى المعايشة المباشرة بالوقوف أمام نصب حلبجة، والاستماع لشهادات أهلها هو الطريق الأمثل لتصحيح المفاهيم وتفكيك الصور النمطية، لتصل القضية الكوردية إلى الوعي العربي ناصيةً، موثقةً، ومنقولةً عن مصادرها الحقيقية بعيداً عن الاختزال والمواقف المسبقة و المفاهيم المغلوطة.
مسؤوليتنا الفكرية: حلبجة في صلب البوصلة البحثية
من موقعي كنَائِبٍ لرئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية، أؤكد أن حلبجة لم تكن بالنسبة إلينا مجرد محطة استثنائية أو موضوعاً تاريخياً. فنحن في المركز، ومن خلال “مجلة كوردستان” التي بلغت أعدادها خمسة وثلاثين عدداً، ننطلق من التزام بحثي وإعلامي أخلاقي يقتضي حمل القضايا الإنسانية الكوردية بجدية وعمق. ولهذا، ستظل حلبجة حاضرة بوزنها في الأعداد القادمة لمجلة كوردستان؛ لا بوصفها ذكرى مؤلمة فحسب، بل كقضية حية مفتوحة على البحث والتوثيق، ومساءلة قضايا العدالة والذاكرة وآفاق المستقبل. فنحن نؤمن بأن الإعلام السطحي ينتهي بانتهاء الحدث، بينما الإعلام التوثيقي الجاد يتحول مع الزمن إلى وثيقة مرجعية تاريخية، وهذا هو الجوهر الحقيقي لزيارة رئاسة المركز لكوردستان.
أبعد من مأساة الضحية: إعادة التوصيف الإعلامي لحلبجة
لا نريد لحلبجة أن تظل في المخيلة الإعلامية العربية مجرد مشهد مفجع لطفل قضى صريعاً أو صورة لمدينة اختنقت بالغازات السامة. نريد للقارئ العربي أن يتعرف على حلبجة بكل أبعادها الحضارية: بتاريخها، بأهلها، بتطلعات أبنائها وأحفادها. فالوفاء للشهداء الكورد فيها لا يعني سجن المدينة داخل لحظة استشهادهم، بل يقتضي احترام حقها في النهوض والبناء، وأن تتصدر قصتها الأبحاث والوثائق الأكاديمية. فنحن لا نؤطر حلبجة في دور “الضحية الأبدية”، بل نسلط الضوء على نموذج إنساني فذ لمدينة قهرت الموت واستمسكت بالحياة دون أن تفرط في ذاكرتها.
الذاكرة درع المستقبل: الحقيقة كركيزة للسلام
حفظ ذاكرة حلبجة وتوثيق جرائمها ليس تحريضاً على الكراهية أو ارتهاناً لمرارات الماضي، بل هو فعل حماية للمستقبل. فإدراك الأجيال الجديدة لحقيقة ما جرى في حلبجة يعزز لديهم قيمة السلام، ويكشف خطورة استهداف الإنسان، ويرسخ القناعة بأن الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم ولا ينبغي الاعتياد عليها. فالكتابة عن حلبجة هي دعوة لاستخلاص العبرة؛ فالسلام الناجز لا يستند إلى تناسي الحقائق، بل إلى وعي كبير يجعل من معرفة الماضي ضمانة لعدم تتكرر المأساة.
التعددية والمعرفة: أبوابنا المفتوحة لكل الأصوات
سيبقى مركز الخليج للدراسات الإيرانية ومجلة كوردستان منصة مفتوحة أمام كلّ الأطياف السياسية والأكاديمية والثقافية الكوردية و المصرية في مقدمتها مركز الشرق الأدنى للدراسات الذي دائماً ما يتيح لنا مشاركة أفكارنا و أبحاثنا و بواكب نشاطنا . فالقضية الكوردية بعمقها وتاريخها أكبر من أن تُحتكر في صوت واحد أو رؤية أحادية. إذ نفتح أبوابنا للباحثين، والسياسيين، والصحفيين، والناجين، ولصوت الوثيقة والشهادة التحليلية، إيماناً بأن تنوع الأصوات يثري القضية ولا يضعفها. وإن انفتاحنا الراسخ على المؤسسات الكوردية ينبع من يقين بأن الحوار الصادق والمعرفة المتبادلة هما الجسر المتين الذي يصل بين مصر وكوردستان.
رسالة ملهمة: حين تختصر المعرفة المسافات
إن أثمن ما نعود به من حلبجة ليس مجرد الانطباعات والورقيات، بل عمق المعنى الذي تشكله هذه الزيارة. و يؤكد أن الجغرافيا تضيق حين تتسع المعرفة. هذا هو المغزى الأساسي الذي نؤسس عليه في مركز الخليج للدراسات الإيرانية : أن تغدو القضايا الإنسانية جسوراً للتقارب بين الشعوب، وأن يغدو البحث الأكاديمي والإعلام المسؤول وسيلة لقراءة التاريخ بإنصاف وبصيرة بعيداً عن الأحكام الجاهزة.
كلمة وفاء لحلبجة كل التحية والتقدير لحلبجة الصامدة، لأهلها الأوفياء، لأرواح شهدائها الأبرار، ولمحافظتها السيدة نوخشة ناصح على كرم الاستقبال وأصالة التعامل مع رئاسة مركز الخليج للدراسات الإيرانية والوفد المصري كاملاً. ونحن من موقعنا في المركز ومجلة كوردستان نجدد العهد: سنواصل الكتابة، والتوثيق، وفتح صفحاتنا أمام قضايا الشعب الكوردي العادلة، وستبقى حلبجة حاضرة في وجداننا ونشاطنا الفكري؛ لأن حلبجة ليست مجرد ذكرى بل هي شهادة.. وشهادات المدن العظيمة لا تموت.
* جيهان علو – نائب رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية



