مقالات

حرب الرقائق.. حين تصبح التكنولوجيا سلاح الهيمنة

لم تعد أشباه الموصلات مجرد مكونات إلكترونية صغيرة تختبئ داخل الأجهزة، بل تحولت إلى أحد أهم مصادر القوة في النظام الدولي، وأصبحت السيطرة عليها مرتبطة بالتفوق الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي. فمن الهواتف والسيارات إلى مراكز البيانات وأنظمة التسليح والذكاء الاصطناعي، باتت الرقائق تدخل في صميم البنية التي تقوم عليها الاقتصادات الحديثة، بما يجعل امتلاك القدرة على تصميمها وإنتاجها والتحكم في إمداداتها مسألة تتجاوز حدود الصناعة إلى صراع الهيمنة العالمية.

هذه هي الفكرة المركزية التي يعالجها المؤرخ الاقتصادي كريس ميلر في كتابه «حرب الرقائق: الصراع على التكنولوجيا الأكثر أهمية في العالم»، الصادر عام 2022. ولا تكمن أهمية الكتاب في تتبع تطور صناعة أشباه الموصلات فحسب، بل في تفسير الكيفية التي أصبحت بها هذه الصناعة ركيزة للقوة الأمريكية، وميداناً للتنافس الاستراتيجي مع الصين، ونقطة ضعف محتملة في الاقتصاد العالمي بسبب تركز قدرات إنتاجية حيوية في عدد محدود من الشركات والمناطق.

نشأت الريادة الأمريكية في صناعة الرقائق من تداخل البحث العلمي مع احتياجات الدولة العسكرية. فقد أسهمت متطلبات الحرب الباردة، وبرامج الصواريخ والفضاء، في توفير الطلب والتمويل اللذين احتاجت إليهما الصناعة الناشئة. وكانت المؤسسات العسكرية الأمريكية مستعدة لدفع تكلفة التقنيات المتقدمة قبل أن تصبح مجدية تجارياً، وهو ما منح الشركات الأمريكية فرصة لتطوير منتجات أكثر كفاءة، وأسهم في انتقال أشباه الموصلات تدريجياً من الاستخدامات العسكرية إلى الإلكترونيات الاستهلاكية والاتصالات والحوسبة.

لكن التفوق لم يكن نتيجة الابتكار وحده؛ فقد نشأ أيضاً من قدرة الولايات المتحدة على بناء منظومة متكاملة تجمع الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات ورأس المال والأسواق. ومع مرور الوقت، أصبحت المعرفة التقنية وحقوق الملكية الفكرية وتصميم المعالجات والبرمجيات المتخصصة عناصر أساسية في هذه المنظومة، بما منح واشنطن نفوذاً يتجاوز حدود المصانع الموجودة على أراضيها.

غير أن تطور الصناعة اتخذ مساراً مختلفاً عن الصورة التقليدية التي تربط القوة الاقتصادية بإنتاج جميع المكونات داخل الدولة الواحدة. فقد توزعت مراحل صناعة الرقائق على شبكة دولية معقدة؛ تتولى شركات تصميم المعالجات، فيما تتخصص شركات أخرى في تصنيعها، وتوفر مؤسسات متخصصة معدات الإنتاج والمواد والبرمجيات اللازمة. وظهرت مراكز صناعية متقدمة في الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا وتايوان، لكل منها قدرات يصعب الاستغناء عنها بسهولة.

أنتج هذا التقسيم الدولي مكاسب كبيرة في الكفاءة والابتكار، لكنه أوجد في الوقت نفسه اعتماداً متبادلاً قد يتحول إلى مصدر للاضطراب. فتعطل حلقة واحدة في سلسلة الإنتاج يمكن أن يؤثر في قطاعات واسعة، حتى لو كانت بقية حلقات السلسلة تعمل بصورة طبيعية. وقد كشفت أزمة نقص الرقائق التي رافقت جائحة كورونا هذه الهشاشة، عندما واجهت صناعات السيارات والإلكترونيات صعوبات في الحصول على مكونات بدت صغيرة الحجم، لكنها أساسية لاستمرار الإنتاج.

وتحتل تايوان موقعاً بالغ الأهمية في هذه المعادلة، ولا سيما من خلال شركة «تايوان لصناعة أشباه الموصلات» (TSMC)، التي أصبحت من أبرز الشركات العالمية في تصنيع الرقائق المتقدمة لحساب شركات أخرى. وتنبع أهمية الشركة من مستوى خبرتها وقدرتها الإنتاجية وصعوبة تكرار منظومتها التقنية في وقت قصير، لا من كونها تمثل الصناعة العالمية بأكملها. فالتصميم والمعدات والمواد والبرمجيات موزعة بدورها على أطراف دولية متعددة.

وهنا تتجلى المفارقة الاستراتيجية: لقد ساعدت العولمة على تطوير صناعة شديدة التخصص، لكنها جعلت العالم يعتمد على عدد محدود من المراكز التي لا يمكن تعويضها سريعاً. وفي حالة تايوان، يتداخل الوزن الاقتصادي للصناعة مع موقع الجزيرة في التنافس بين الولايات المتحدة والصين، لتصبح سلامة إمدادات الرقائق مرتبطة مباشرة بالاستقرار الجيوسياسي في شرق آسيا.

أما الصين، فتنظر إلى أشباه الموصلات باعتبارها شرطاً ضرورياً لاستقلالها التكنولوجي وقدرتها على المنافسة في الاقتصاد الرقمي. وهي تمتلك سوقاً ضخمة وموارد مالية وبشرية كبيرة، وتستثمر في تطوير قدراتها المحلية، لكنها تواجه تحدياً يتجاوز إنشاء المصانع أو زيادة الإنفاق. فالوصول إلى أحدث مستويات الإنتاج يتطلب تراكم الخبرة، ومعدات بالغة التعقيد، وبرمجيات متخصصة، ومواد دقيقة، وشبكات من الموردين والمهندسين. وهذه المنظومة لا يمكن بناؤها دفعة واحدة أو اختزالها في قرار سياسي.

في المقابل، وجدت الولايات المتحدة في موقعها داخل شبكة الصناعة العالمية وسيلة لتوسيع نفوذها الاستراتيجي. فالقوة الأمريكية لا تقوم على تصنيع جميع الرقائق بنفسها، بل تستند أيضاً إلى دور شركاتها في التصميم، وإلى مكانة البرمجيات والمعدات والتقنيات التي تعتمد عليها مراحل الإنتاج المتقدمة، فضلاً عن قدرتها على توظيف ضوابط التصدير والتنسيق مع شركائها. وقد مثّلت القيود التي فُرضت على وصول الصين إلى تقنيات متقدمة، ومنها إجراءات أكتوبر 2022، تحولاً بارزاً في التعامل مع الرقائق باعتبارها قضية أمن قومي، لا مجرد سلعة تجارية.

ومع ذلك، فإن استخدام هذه الأدوات لا يعني أن واشنطن تملك سيطرة مطلقة على الصناعة، أو أن القيود قادرة وحدها على وقف التقدم الصيني. فشبكات الإنتاج متعددة الأطراف، والقيود قد تدفع الصين إلى تسريع الاستثمار المحلي وتقليل الاعتماد الخارجي. كما أن نجاح الضوابط يتوقف على نطاق تطبيقها، وعلى تعاون الدول والشركات التي تمتلك أجزاء مهمة من المنظومة. لذلك، لا تدور المنافسة حول منع الخصم من شراء منتج بعينه فحسب، بل حول التأثير في قدرته على الوصول إلى المعرفة والمعدات والخبرات التي تسمح له بالانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً.

وتزداد أهمية هذا الصراع مع صعود الذكاء الاصطناعي، الذي يعتمد تطوير نماذجه وتشغيلها على قدرات حوسبة متقدمة تستهلك كميات كبيرة من الرقائق المتخصصة. وبذلك لم تعد أشباه الموصلات مجرد مدخل للصناعات القائمة، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في تحديد من يستطيع تطوير تقنيات المستقبل، ومن يمتلك الموارد اللازمة لتوسيع استخدامها اقتصادياً وعسكرياً. وكلما ازدادت أهمية الذكاء الاصطناعي، تعاظمت القيمة الاستراتيجية للقدرات الحاسوبية التي يقوم عليها.

ومن هنا برز مفهوم «درع السيليكون»، الذي يفترض أن اعتماد العالم على صناعة الرقائق التايوانية يرفع كلفة أي صراع حول الجزيرة، لأن اضطراب الإنتاج سيضر بالاقتصاد العالمي كله. لكن هذا الاعتماد لا يشكل ضمانة للردع؛ إذ يمكن أن يؤدي التنافس ذاته إلى زيادة الضغوط والمخاطر، كما أن بناء قدرات بديلة في دول أخرى قد يقلل، بمرور الوقت، من مركزية تايوان من دون أن يلغي أهميتها.

وبينما يشرح كتاب ميلر كيف تشكلت هذه المنظومة تاريخياً حتى عام 2022، فإن التطورات اللاحقة، ولا سيما استمرار تشديد القيود التكنولوجية وتزايد الاستثمار في القدرات المحلية، تؤكد أن المنافسة دخلت مرحلة أكثر ارتباطاً بالأمن القومي وإعادة ترتيب سلاسل الإمداد. وهذه التطورات امتداد للصراع الذي يفسره الكتاب، وليست أحداثاً يمكن نسبتها إلى المؤلف بوصفها جزءاً من روايته الأصلية.

لا تقف الدول العربية خارج هذا الصراع، حتى إن لم تكن في قلب المنافسة على تصنيع أكثر الرقائق تقدماً. فاقتصاداتها تعتمد بصورة متزايدة على التقنيات الرقمية ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والأنظمة الصناعية والدفاعية، وهي جميعاً ترتبط بتوافر أشباه الموصلات واستمرار إمداداتها. ومن ثم، فإن أي اضطراب طويل في هذه الصناعة، أو قيود على وصول التقنيات المتقدمة، يمكن أن ينعكس على كلفة التحول الرقمي، وعلى قدرة الدول العربية على بناء اقتصادات أكثر تنوعاً واستقلالاً في قراراتها التكنولوجية.

لكن الاستجابة العربية لا ينبغي أن تبدأ بافتراض أن كل دولة تحتاج إلى إنشاء مصانع ضخمة لإنتاج أحدث الرقائق. فهذه الصناعة تتطلب استثمارات هائلة، وبنية تحتية متخصصة، وخبرات متراكمة، وأسواقاً قادرة على استيعاب الإنتاج. ومحاولة تكرار التجارب العالمية من دون احتساب التكلفة والقدرات الفعلية قد تؤدي إلى استنزاف الموارد في مشروعات يصعب استدامتها. والأجدى هو تحديد المجالات التي تستطيع الدول العربية المنافسة فيها، وبناء القدرات تدريجياً وفقاً لاحتياجاتها ومزاياها الاقتصادية.

ويبدأ ذلك بالاستثمار في تصميم الرقائق والدوائر المتكاملة، والبرمجيات والأدوات الهندسية المرتبطة بها، وتطوير الكفاءات في الجامعات ومراكز الأبحاث. فالمشاركة في هذه الصناعة لا تقتصر على امتلاك مصانع التصنيع المتقدم؛ إذ تتيح مراحل أخرى، مثل تصميم الرقائق المتخصصة، واختبارها وتغليفها، وتطوير المستشعرات والمكونات الإلكترونية الموجهة لقطاعات الطاقة والاتصالات والصناعة، فرصاً لبناء خبرات محلية ذات قيمة مضافة. ويمكن الاستفادة من الشراكات مع الشركات والجامعات الدولية، بشرط أن تتضمن نقل المعرفة والتدريب وتطوير القدرات المحلية، لا أن تقتصر على استيراد المنتجات والخدمات.

وتوجد بالفعل خطوات عربية يمكن البناء عليها. فقد أطلقت السعودية مبادرات لتطوير منظومة وطنية لتصميم أشباه الموصلات، وتأهيل المهندسين، وربط البحث العلمي بالشركات والاستثمارات. كما اتجهت الإمارات إلى تطوير قدرات في تصميم الرقائق المترابطة وتجميعها، في إطار تعزيز حضورها في الصناعات التكنولوجية المتقدمة. ولا تعني هذه المبادرات أن منظومة عربية متكاملة قد تشكلت بالفعل، لكنها تشير إلى إمكانية الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى المشاركة في تطوير بعض مكوناتها. والتحدي هو تحويل المشروعات الوطنية المتفرقة إلى مسارات مستدامة ترتبط بالإنتاج والتدريب والبحث والتسويق.

ويتطلب ذلك أيضاً تعاوناً عربياً أكثر تنظيماً. فبدلاً من أن تسعى كل دولة إلى بناء سلسلة إنتاج متكاملة بمفردها، يمكن توزيع الجهود وفقاً للقدرات المتاحة، وربط مراكز البحث والتصميم بالاستثمارات الصناعية، وتطوير برامج مشتركة لتأهيل المهندسين، وتشجيع الشركات الناشئة، وفتح أسواق عربية أمام المنتجات والتطبيقات التي تنجح محلياً. وقد يكون بناء شبكة عربية للتصميم والاختبار والتغليف والتطبيقات المتخصصة أكثر واقعية في المدى القريب من السعي إلى منافسة المراكز العالمية في إنتاج أحدث المعالجات.

ولا يقل أمن الإمدادات أهمية عن بناء الصناعة. فحتى الدول التي لا تنتج الرقائق تحتاج إلى معرفة احتياجاتها الاستراتيجية، وتنويع مصادر التوريد، وتجنب الاعتماد المفرط على مورد واحد في القطاعات الحيوية. ويمكن للحكومات والشركات العربية أن تطور خططاً لتأمين احتياجات المستشفيات وشبكات الاتصالات والطاقة والصناعة والدفاع، وأن تربط مشترياتها طويلة الأجل بنقل الخبرة وبناء القدرات حيثما أمكن. كما ينبغي أن تقترن الاستثمارات في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي بخطط واضحة لتأمين المعالجات والبنية التحتية والمهارات اللازمة لتشغيلها، حتى لا تتحول البنية الرقمية المتقدمة إلى اعتماد جديد على الخارج.

والأهم أن تكون هذه الجهود جزءاً من سياسة صناعية وبحثية متكاملة، لا مجرد استجابة مؤقتة للتنافس الأمريكي–الصيني. فالاستثمار في التعليم الهندسي والبحث التطبيقي، وتمويل الشركات الناشئة، وتوفير بيئة تحمي الابتكار والملكية الفكرية، وربط الجامعات باحتياجات الصناعة، كلها شروط لبناء قدرة تكنولوجية قابلة للاستمرار. ولا يكفي استقطاب الشركات العالمية إذا ظلت المعرفة الأساسية والمهارات المتقدمة وسلاسل القيمة خارج المنطقة.

إن الدرس الأهم في «حرب الرقائق» هو أن القوة في العصر الحديث لا تُقاس فقط بما تنتجه الدولة من سلع أو بما تمتلكه من موارد تقليدية، بل بقدرتها على التحكم في التقنيات التي تتوقف عليها بقية القطاعات. وأشباه الموصلات مثال واضح على ذلك: منتج صغير الحجم، لكنه يقف عند تقاطع الصناعة والاقتصاد والدفاع والذكاء الاصطناعي.

ولهذا لن تُحسم المنافسة الأمريكية الصينية بمجرد امتلاك مصنع متقدم أو فرض حظر تجاري، بل بقدرة كل طرف على بناء منظومة مستدامة من المعرفة والابتكار والمعدات والمهارات والشراكات. وبالنسبة إلى الدول العربية، لا يكمن الخيار الواقعي في تقليد القوى الكبرى أو الاكتفاء بشراء منتجاتها، بل في تحديد حلقات القيمة التي يمكن دخولها، وتأمين الاحتياجات الحيوية، وبناء قاعدة من الكفاءات والبحث والتعاون الصناعي. ففي عالم تتشابك فيه سلاسل الإنتاج، قد تصبح القدرة على تصميم التكنولوجيا وتطويرها وتأمين الوصول إليها مصدراً للقوة، حتى من دون السيطرة على الصناعة بأكملها. وهكذا تكشف حرب الرقائق أن الاستقلال التكنولوجي لا يبدأ بالضرورة من امتلاك المصنع الأكثر تقدماً، بل من امتلاك المعرفة والقدرة على الاختيار والمشاركة في صناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى