دراسات

دراسة بجامعة الأزهر: الصحافة العربية تعاني عشوائية تجاه الصراع العربي ـ الإسرائيلي


كشفت دراسة في جامعة الأزهر عن أن قمة الرياض 2017، وسياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أثرت على الخطاب الصحفي العربي للمواقع العربية، وليس الإسرائيلية، لافتة إلى حالة من التشكك الإسرائيلي تجاه ترامب في بداية حكمه أعقبها تزايدًا في حدة الخطاب تجاه قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

وحذرت رسالة الماجستير في جامعة الأزهر في كلية الإعلام والتي عنوانها “خطاب المواقع الصحفية تجاه قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي بعد قمة الرياض مايو 2017” من العشوائية الإعلامية العربية في التعامل على الملف وعدم وضوح الرؤية أو الهوية.

كما أكدت الدراسة التي أجرتها الباحثة آلاء يوسف خطاب أن الخطاب الصحفي الإسرائيلي لم يتخل عن رواية “دولة إسرائيل الكبرى”، و”حلم إقامة الدولة اليهودية”، إضافة إلى الترويج لاحتياج دول المنطقة للقوات العسكرية الإسرائيلية لتأمين الأراضي العربية.


 تكونت الدراسة من ثلاثة فصول رئيسة؛ الأول
: الإطار المنهجي والنظري للدراسة، والثاني: الإطار المعرفي لها، أما الفصل الثالث فقد ضم عرض ومناقشة الدراسة التحليلية.

وتمثلت مشكلة الدراسة في الإجابة على هذا التساؤل الرئيس: “ ما الفرق بين المعالجة والخطاب الصحفي لقضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي  بين المواقع الصحفية العربية والإسرائيلية، بعد قمة الرياض مايو 2017م؟ وكيف أثرت القمة على الخطاب الصحفي تجاه القضية؟

وانتمت  الدراسة للدراسات الوصفية، واعتمدت على منهج المسح؛ وهدفت إلى رصد الموضوعات التي اهتمت بها المواقع الصحفية عينة الدراسة، في خطابها ومعالجتها الصحفية تجاه القضية؛ والأطر الإعلامية التي عُرضت بها تلك الموضوعات، وأهم مصادرالمعلومات التي تم الاعتماد عليها، واتجاهات المعالجات والخطاب الصحفي تجاه القضية.

كما هدفت إلى تحديد أهم الأطروحات التي قدمها الخطاب الصحفي، ومسارات البرهنة عليها، والأطر المرجعية التي تم الاستناد إليها، والقوى الفاعلة التي قدمها منتجو الخطاب الصحفي في موقعي الدراسة، وأهم الأدوار المنسوبة إليها.

وتحققت تلك الأهداف من خلال استمارة تحليل المضمون، واستمارة تحليل الخطاب، والمقابلات المتعمقة مع الخبراء، كأدوات لجمع المعلومات.

أما العينة المكانية للدراسة فكانت في موقع (الشرق الأوسط) كمثالٍ للمواقع العربية، وموقع (تايمز أوف إسرائيل) مثالٍ للمواقع الإسرائيلية.

وامتدت فترة الدراسة والتحليل لمدة أربع سنوات؛ من 1 يناير 2017م إلى 30 ديسمبر 2020، وهي الفترة المتزامنة مع تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية؛ نظرًا لما شهدته من أحداث ذات تأثير قوي على ملف الصراع العربي الإسرائيلي، ألقت ظلالها على الإعلام خصوصًا بعد انعقاد قمة الرياض مايو 2017م التي عرفت إعلاميًا: بالقمة العربية الإسلامية الأمريكية.

وفيما يتعلق بالمرجعية النظرية؛ استندت الدراسة لنظرية الأطر الإعلامية، ونظرية ترتيب الأولويات.

وجاء الإطار المعرفي في الفصل الثاني للدراسة؛ والذي عرج مبحثه الأول سريعًا على مسار قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي؛ التي تم تقسيمها وفق منهجية الدراسة إلى أربع مراحل:
الأولى: المواجهات بين الشعب الفلسطيني وعصابات الصهاينة.

والثانية: حروب الجيوش النظامية.

والثالثة: وقف النزاع وعملية السلام.
أما المرحلة الأخيرة: محاولات تسوية الصراع وإقامات علاقات تطبيع
عربية ـ إسرائيلية

كما تطرق الفصل نفسه إلى دور الإعلام في قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي؛ من خلال سرد أهم ممارسات آلة الدعاية الصهيونية في هذه القضية، وتاريخ الإعلام العربي تجاهها وتطوراته المختلفة بتطور أحداثها؛ إضافة إلى عرضٍ سريعٍ لأهم المصطلحات التي توضح تباين الرؤية العربية والصهيونية في هذا الملف.

وجاء الإطار التحليلي للدراسة في الفصل الأخير منها؛  وتضمن المبحث الأول؛ عرض وتحليل نتائج تحليل المضمون لـ (11542) مفردة صحفية، بواقع (6746) في الشرق الأوسط، و(4796) في تايمز أوف إسرائيل؛ وانقسمت فئات التحليل إلى أربع فئات لتحليل المضمون؛ هي: (الموضوع، والنوع القضايا، والمصادر، والاتجاه)، أما فئتي الشكل فتمثلت في (الفن التحريري، وعناصر الإبراز).

وتمثلت النتائج العامة لتحليل المضمون فيما يأتي:
– تصدرت موضوعات (قضايا ومحددات السلام)، و(الجولان وسوريا) و(قطاع غزة) على الترتيب أجندة موقع الشرق الأوسط، بينما كانت موضوعات (قطاع غزة) و(قضايا ومحددات السلام (والتطبيع) على الترتيب متصدرة أجندة تايمز أوف إسرائيل.

أغفل الموقعان ملفات اللاجئين، وحق العودة، وعلى الرغم من أهمية ملف القدس والمسجد الأقصى، باعتباره أحد محددات الصراع؛ إلا أن معالجة هذا الملف في موقع الشرق الأوسط غلب عليها الاكتفاء بالأخبار المعتمدة على البيانات الرسمية؛ في الوقت الذي اهتم فيه موقع تايمز أوف إسرائيل بالمعالجات المعمقة، والتي أقيمت  على ما أسموه بـ(الرواية اليهودية التاريخية) و(أحقية اليهود) في القدس كاملة.

– كان الإطار السياسي هو الأكثر استخدامًا في الموقعين بنسبة 55% في الشرق الأوسط، و53% في تايمز أوف إسرائيل؛ يليه الإطار العسكري بنسبه شبه متطابقة في الموقعين 30%، ثم الإطار القانوني، الذي ارتبط في الموقع العربي بموضوعات (الأسرى، وفلسطيني الداخل، وأوضاع الفلسطينين في القدس المحتلة) بينما ارتبط في الموقع الإسرائيلي بالموضوعات المتعلقة بسن قوانين لشرعنة ممارسات الاحتلال، والتحركات الدولية تجاه القضية.

تفوق الموقع “الإسرائيلي” في استخدام الخطاب الإنساني، والاعتماد على الاستمالات العاطفية لخلق أكبر نسبة تعاطف مع المدانين من المستوطنين الإسرائيليين بأعمال عنف وقتل واعتداءات ضد العزل من الشعب الفلسطيني.

وتجدر الإشارة إلى أن ضعف استخدام الإطار الإنساني في المعالجات الصحفية العربية والاكتفاء بعرض الإحصائيات، وعدم القدرة على نقل الجانب الإنساني في الجوانب الحياتية المختلفة للشعب الفلسطيني، مثل نقطة ضعف بارزة في الصحافة العربية تتماهى مع آلة الدعاية الصهيونة التي تستهدف رقمنة وتشيئ كل ما يتعلق بالشعب الفلسطيني.
-جاءت معظم الموضوعات الصحفية في الشرق الأوسط بدون مصدر للصحيفة؛ كما  لم يمتلك الموقع العربي روايته الخاصة تجاه القضية؛ نظرًا لاعتماده على البيانات الرسمية في تغطية الأخبار والتي كانت في معظم الموضوعات بيانات لجيش الاحتلال الإسرائيلي، كما لم يعتمد على وكالات عربية، ولم يكن له مراسل خاص في قطاع غزة أو جنوب لبنان أو سوريا، ما أوقعه في فخ تبني الرواية الإسرائيلية للأحداث.

– سيطر الاتجاه السلبي على المعالجات الصحفية في موقع تايمز وف إسرائيل، إلا ان المعالجات الصحفية في الموقع العربي لم تخلُ منه كذلك.

– وفيما يتعلق بالشكل؛ كان الخبر هو الفن التحريري الأكثر استخدامًا في الموقعين بنسبة 77.9% في (الشرق الأوسط) و59% في تايمز أوف إسرائيل؛ يليه التقرير الذي كان أكثر وضوحًا في موقع تايمز أوف إسرائيل، ولم يقتصر على النوع الخبري فقط.

وقد شملت عينة الدراسة في الشرق الأوسط خلال فترة التحليل 11 حوارًا صحفيًا؛ ليس بينها حوارٌ مع مسؤول أو مختص فلسطيني، بينما ضمت 4 حوارات مع المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ـ آنذاك ـ جيسون غرينبلات.
تفوقت المواقع الصحفية الإسرائيليةعلى نظيرتها العربية في استخدام عناصر الإبراز، من حيث دورها كعنصر جذب واهتمام؛ إلا أنها تميزت باستخدامها لخدمة أفكار المضمون نفسه في إطار الرؤية العامة للدعاية الصهيونية كما اتضح في نشر هويات المتهمين بعمليات ضد قوات الاحتلال، وطمس هويات المدانين بالفعل بالاعتداء على الفلسطينيين.. وغيرها.

وقد تضمن المبحث الأخير من الدراسة عرض نتائج تحليل الخطاب لـ (445) مقال صحفي، بواقع (402) في الشرق الأوسط، و(43) في تايمز أوف إسرائيل؛ وتمثلت أدوات التحليل في (الأطروحات، والقوى الفاعلة، والأطر المرجعية، ومسارات البرهنة).

وتمثلت النتائج العامة لتحليل المضمون فيما يأتي:

– كانت أطروحة (تسويغ توسع التطبيع) هي الأكثر تكرارًا في الموقعين، تلتها (تشويه المقاومة والتشكيك في أهدافها)، كما تكررت اطروحات (الفلسطينيون منقسمون لتحقيق مصالحهم) و(الفلسطينيون يعيقون تحقيق السلام) في الموقع العربي أكثر من الموقع الإسرائيلي، بل أعاد الخطاب الصحفي العربي ترويج فكرة أن الفلسطينين قد باعوا أرضهم من قبل.

وانفرد الخطاب الصحفي العربي بعدد من الأطروحات؛ أهمها: (استغلال الصراع لمصالح سيساية، والعرب متمسكون بحل الدولتين، وسياسة العرب كبدتهم الخسائر، وإيران هي العدو الأول للأول للعرب، وصفقة القرن تخالف المواثيق الدولية، وإسرائيل غير جدية في تحقيق السلام، وأزمة النظام السوري مع المعارضة تخدم مصالح إسرائيل، وغيرها..

وقد سيطر العداء العربي للنظام الإيراني على معظم المعالجات الصحفية في موقع الشرق الأوسط، بدءًا بعدم اعتبار القصف الإسرائيلي لسوريا من قبيل الاعتداء على السيادة السورية على أراضيها، ومرورًا باعتبار الخطر الإيراني على الدول العربية أكبر من الخطر الإسرائيلي وتحميلها مسؤولية معظم الأزمات السياسية في دول المنطقة، وانتهاءً بأطروحة تقبُّل الاستعانة بـ(إسرائيل) كحليف لصد الخطر الإيراني عن المنطقة.

-كانت القوى الفاعلة الفلسطينية الأكثر تكرارًا في الخطاب الصحفي العربي، وجاءت السلطة الفلسطينية في المرتبة الأولى منها؛ ونسب إليها منتجو الخطاب الصحفي أدوارًا تعلقت بنقد سياستها، بل اعتبرتها بعض المقالات غير قادرة على قيادة الشعب الفلسطيني في ظل الظروف العالمية والإقليمية الراهنة، خصوصًا بعد إعلان ترامب صفقة القرن.

وجاءت حركة حماس في المرتبة الثانية، واعتبرها الخطاب الصحفي مجرد تابع لما يعرف بـ(محور الممانعة)، وأيديولوجيات الإسلام السياسي، كما نفى عنها أي انتماء للصف الفلسطيني، وحصرها في التبعية لجماعة الإخوان المسلمين.

أما في الموقع الإسرائيلي كانت القوى الفاعلة الإسرائيلية هي الأكثر تكرارًا ومثلت الشخصيات الاعتبارية منها 48,1%، وانحصرت في: (المخابرات العسكرية، وتيار اليمين، والحكومات السابقة، وجيش الاحتلال، والدروز، والسلطات القانونية، والسلطة السياسية).

والقوى الفاعلة من الأفراد فكانت نسبتها 55,5%؛ وانحصرت في كل من: (نتنياهو، وأولمرت،  وشارون)؛  وقد لوحظ خلال التحليل، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مثل عنصرًا مهما كقوة فاعلة في مقالات الموقع المتعلقة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، وارتبطت كثير من الأطروحات بشكل سلبي بممارسات نتنياهو السياسية.

وفيما يتعلق بالأطر المرجعية؛ كان الإطار السياسي المرجع الأكثر استخدامًا في الخطاب الصحفي الذي قدمه كل من موقعي الشرق الأوسط، وتايمز أوف إسرائيل فيما يتعلق بقضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهو يتماشى مع ماورد من أطروحات منادية بإعادة القضية للجانب السياسي فقط؛ أما الإطار المرجعي العسكري فكان أكثر تكرارًا في موقع تايمز أوف إسرائيل، وارتبط بأطروحات تنتقد القدرات الاستخباراتية لجيش الاحتلال، والتهوين من الأثر الفعلي لعمليات المقاومة.

-وفي مسارات البرهنة كانت الأطروحات السياسية السابقة، الأكثر بروزا في الخطاب الصحفي العربي، والبيانات الرسمية الأكثر بروزًا في الإسرائيلي؛ وانفردت الشرق الأوسط بـ (الاستشهاد بالأدلة والحجج المنطقية، واستخدام الصياغة الإنشائية العامة، وازدواجية المعايير، والكتب والمقالات)؛ بينما انفردت تايمز أوف إسرائيل بـ (عرض وجهتي النظر، والخطاب الدعائي، وتحليل لغة الجسد، والتسريبات).

وظهر التناقض في الخطاب الصحفي العربي، في أكثر من طرح؛ ففي الوقت الذي روج فيه موقع (الشرق الأوسط) لاتساع التطبيع، تبنت بعض المقالات الواردة خلاله أفكارًا تؤكد عدم إقامة أي علاقة مع دولة الاحتلال قبل حل القضية الفلسطينية؛ إضافة إلى تكرار التأكيد على خطورة إيران على دول المنطقة وتقبل التعاون مع (إسرائيل) لصد خطورتها، ثم التأكيد على خطورة التعاون معها ضد إيران في بعض المقالات.

كما عكس خصومة سياسية واضحة بين بعض الأنظمة العربية وبعضها أو بينها وبين بعض تيارات المقاومة الفلسطينية؛ بشكل لم يفصل بينها كحركات ذات خلفيات سياسية معينة وبين كونها حركة مقاومة في مواجهة الاحتلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى