
اتفاق لبنان و”إسرائيل”.. تسوية مفخخة أم بوابة تطبيع؟
د. عماد عنان
بعد أربعة أيام من المفاوضات، وفي ختام الجولة الخامسة من المحادثات المباشرة بين لبنان و”إسرائيل”، وقّع الطرفان في واشنطن، الجمعة 26 يونيو/حزيران، اتفاقًا إطاريًا يهدف إلى فتح مسارات دبلوماسية لإنهاء الحرب بين البلدين، ضمن ترتيبات أمنية وسياسية معقدة وممتدة زمنيًا.
الاتفاق، الذي يتكوّن من 14 بندًا، أثار جدلًا واسعًا في الشارع العربي، بين من رآه بداية مسار واقعي لوقف الاستنزاف الذي يعاني منه اللبنانيون، ومن اعتبره تحرك خطير غير محسوب قد يفتح الباب أمام تطبيع لبناني إسرائيلي غير معلن، فيما وصفه الرئيس اللبناني جوزيف عون بأنه “خطوة أولى” على طريق استعادة لبنان سيادته الكاملة على أرضه، من دون أي انتقاص، موجهًا الشكر للإدارة الأمريكية على استضافة المفاوضات ورعايتها.
غير أن الاتفاق في صيغته المعلنة، وفي ضوء غياب التفاصيل والأليات التنفيذية، لا يبدو، حتى الآن، تسوية نهائية كما قد يتصور البعض، بل أقرب إلى بداية مسار طويل من التفاهمات والاختبارات السياسية والأمنية، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حين شدد على أن الاتفاق يمثل خطوة أولى لا نهاية الطريق.
ومن هنا تتصاعد التساؤلات حول قدرة هذا الاتفاق الإطاري على الصمود أمام التحديات التي تحيط به، وحول طبيعة الفخاخ القادرة على تعطيله أو تفجيره من الداخل، وموقف الأطراف الثلاثة الأكثر تأثيرًا في مساره، الحكومة اللبنانية، و”إسرائيل”، وحزب الله، فيما يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام تسوية أمنية اضطرارية فرضتها موازين القوة، أم أمام خطوة أولى قد تفتح الباب، ولو تدريجيًا، نحو تطبيع كامل في العلاقات بين لبنان و”إسرائيل”؟
4 مرتكزات رئيسية.. أبرز ما جاء في الاتفاق
يستند الاتفاق على 4 مرتكزات رئيسية تشكل هويته وتكشف عن الكثير من المسكوت عنه في هذا المسار، أولها الاعتراف اللبناني الأولي والمسبق بحق الكيان الإسرائيلي في الوجود بسلام، ومن ثم إزالة صفة العدو عن الكيان، والرغبة في إنهاء حالة الحرب بينها بصورة رسمية عبر مفاوضات مباشرة برعاية أمريكية.
أما المرتكز الثاني فيتعلق بربط انسحاب جيش الاحتلال من الأراضي اللبنانية بعملية تدريجية ومشروطة تستعيد من خلالها الدولة اللبنانية سيادتها الفعلية على كامل أراضيها، عبر نشر الجيش اللبناني في مناطق تجريبية أولية، واحدة شمال الليطاني والأخرى جنوبه، ثم توسيع نطاق سيطرته تدريجيًا، ومن ثم وفي حال عجز الجيش اللبناني عن هذا الأمر فلن ينسحب جيش الاحتلال المصمم على البقاء في معظم المناطق الخاضعة لسيطرته حاليًا.
من هنا فإنه لا حديث مباشر عن انسحاب إسرائيلي كامل من الجنوب اللبناني كما يتصور البعض، كما جاء على لسان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حين قال إن “الأمر الأكثر أهمية هو أن “إسرائيل” ستبقى أولًا في الحزام الأمني (المنطقة العازلة) في جنوب لبنان”، معتبرًا أن ذلك “إنجاز كبير”، ومؤكدًا أن “إسرائيل” ستحافظ عليه “ما دام حزب الله لم يُجرَّد من سلاحه، وما بقي هناك تهديد لدولة إسرائيل”، فيما نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية عن مصادر إسرائيلية أن اتفاق الإطار بين “إسرائيل” ولبنان لا يتضمن جدولًا زمنيًا واضحًا للتنفيذ، لكنه ينص على منطقتين تجريبيتين ينسحب منهما جيش الاحتلال، ليدخل الجيش اللبناني مكانه.
فيما يأتي المرتكز الثالث والأكثر خطوة وهو التزام الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية والأمنية، وحصر قرار الحرب والسلم واستخدام القوة بيد الدولة وحدها، وهو ما يعني مواجهة مباشرة بين الجيش اللبناني وحزب الله ما يضع الجبهة الداخلية فوق فوهة بركان.
وبينما يؤمل الداعمون لهذا الاتفاق أنفسهم بأثار إيجابية على المستوى الاقتصادي والعسكري جراء هذه الخطوة، جاء الاتفاق ليقيد هذا الأمر، حيث ربط المساعدات المفترض تقديمها للجيش اللبناني بمراحل تنفيذ قابلة للتحقق، الأمر كذلك مع المساعدات الاقتصادية الخاصة بإعادة إعمار لبنان، والتشديد على منع وصول التمويل أو أموال الإعمار إلى الجماعات المسلحة.
وفق تلك القراءة لا يبدو الاتفاق مجرد تفاهم لوقف التصعيد وإنهاء الحرب بالمعنى التقليدي، بل محاولة لإعادة هندسة العلاقة بين بيروت وتل أبيب على قاعدة السيادة والأمن، مع بقاء مصير هذا الاتفاق مرهونًا بقدرة بيروت على الوفاء بالتزامتها الحساسة كشرط أساسي لتحقيق الانسحاب والحصول على الدعم المطلوب.
السيادة اللبنانية.. الاختبار الأخطر
أخطر ما ينطوي عليه الاتفاق أنه يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار مباشر لفكرة السيادة، فالجيش اللبناني يصبح، بموجب هذا المسار، مطالبًا بفرض سيطرته الكاملة على مناطق الجنوب، وإثبات قدرته على منع أي بنية عسكرية أو أمنية خارج سلطة الدولة من التمركز أو العمل، بحيث تكون المؤسسة العسكرية الشرعية هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في المشهد الأمني.
هذا الالتزام ينسجم، من حيث المبدأ، مع السردية اللبنانية المتكررة حول الدولة ذات السيادة الكاملة، لا سلاح خارج المؤسسة العسكرية، ولا قرار حرب أو سلم إلا بيد الدولة وحدها، غير أن تحويل هذه القاعدة من شعار سياسي إلى واقع ميداني قد يتحول إلى فخ بالغ الحساسية، إذ يعني عمليًا احتمال دخول الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع حزب الله، إذا لم يقبل الحزب بمقتضيات هذا الاتفاق أو حاول الالتفاف عليها.
من هنا، وبينما يمثل الاتفاق فرصة للحكومة اللبنانية لإعادة تثبيت سلطة الدولة، واستعادة قرارها الأمني، وفتح الباب أمام دعم خارجي عسكري واقتصادي. لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام عبء ثقيل، لأنها ستكون مطالبة بتنفيذ ما عجزت عنه الحكومات السابقة، وفي مقدمته نزع سلاح حزب الله أو تحييد قدرته العسكرية خارج إطار الدولة.
وتكمن خطورة هذا الاستحقاق في أنه لا يمكن التعامل معه باعتباره مسألة أمنية أو عسكرية فقط، بل هو ملف يتصل بتوازنات الطائفة، وموقع الحزب داخل النظام اللبناني، وبيئته الحاضنة، وشبكة النفوذ الإقليمي المرتبطة بإيران، وعليه يتحول هدف استعادة السيادة، رغم وجاهته السياسية، إلى اختبار شديد التعقيد قد يفتح الباب أمام هزة داخلية واسعة إذا لم يُدار بحسابات دقيقة.
معضلة “حزب الله”
بدأت كرة النار تتدحرج سريعًا مع إعلان “حزب الله” رفضه الاتفاق الإطاري، حتى قبل أن يصل إلى صيغته النهائية، معتبرًا أن الحكومة اللبنانية تقدم من خلاله هدية مجانية لـ”إسرائيل”، كما جاء على لسان عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسن فضل الله، الذي شدد على أن الاتفاق “لن تكون له أي مفاعيل على الأرض”، في إشارة واضحة إلى أن الحزب لا يرى نفسه معنيًا بتنفيذ ما يترتب عليه من التزامات.
ولم يقف رفض الحزب عند حدود الموقف السياسي أو البيان الإعلامي، بل انتقل سريعًا إلى الشارع في رسالة تجمع بين التحذير والضغط الميداني، حين جاب مناصروه، على متن دراجات نارية، عددًا من شوارع بيروت، ولا سيما في مناطق بشارة الخوري ورياض الصلح وطريق المطار، احتجاجًا على الاتفاق، بما عكس استعداد الحزب لاستخدام الشارع كورقة ضغط إذا مضى المسار التفاوضي في اتجاه يهدد معادلته القائمة.
وينطلق حزب الله في رفضه للاتفاق من اعتباره تهديدًا مباشرًا لبنية نفوذه، فالحزب بنى حضوره السياسي وسرديته الداخلية والخارجية على عدة مرتكزات، أبرزها مقاومة “إسرائيل”، والدفاع عن الجنوب اللبناني، وامتلاك قدرة عسكرية وأمنية واقتصادية موازية للدولة، ومن ثم، فإن أي بند يستهدف نزع سلاحه، أو إبعاده عن مناطق تمركزه، أو حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها، يعني عمليًا ضرب الأساس الذي قام عليه نفوذه خلال العقود الماضية.
ومن هنا، يبدو من الصعب تصور قبول الحزب باتفاق ينسف هذه المرتكزات من جذورها، تجريده من سلاحه، تقليص حضوره في الجنوب، تطويقه سياسيًا في الداخل، وربط مستقبل لبنان الأمني بتفاهمات مباشرة مع “إسرائيل”، كل ذلك في وقت يبقى فيه الجيش الإسرائيلي حاضرًا في بعض المناطق اللبنانية.
وبعيدًا عن احتمالات الصدام العسكري المتوقع فإن “حزب الله” على الأرجح سيسعى إلى تحويل الاتفاق من مسار أمني تفاوضي إلى معركة سياسية داخلية، مستخدمًا خطابًا يربط بينه وبين التطبيع مع “إسرائيل”، والتخلي عن المقاومة، والتنازل عن الأرض، بما يعيد شحن بيئته الحاضنة ويمنحه فرصة لإعادة تثبيت شرعيته.
إسرائيل الرابح الأكبر
وفق البنود المعلنة، تبدو “إسرائيل” الرابح الأكبر من هذا الاتفاق، إذ يمنحها فرصة لتحويل ما حققته عسكريًا في الجنوب خلال الفترة الأخيرة إلى ترتيبات أمنية طويلة المدى، قد تمتد لسنوات، وتتيح لها تثبيت حضورها أو نفوذها الأمني تحت غطاء سياسي وقانوني، من دون أن يبدو ذلك خرقًا بالمعنى التقليدي.
فإسرائيل لا تبحث، من خلال هذا المسار، عن وقف إطلاق نار مؤقت بينها وبين لبنان فحسب، بل تسعى إلى انتزاع ضمانات تمنع حزب الله من إعادة التموضع في الجنوب، أو إعادة بناء بنيته العسكرية قرب الحدود، وبذلك تحاول التخلص من صداع أمني ظل يمثل هاجسًا استراتيجيًا لصناع القرار في تل أبيب على مدار سنوات طويلة.
ومن هنا، تتبنى حكومة الاحتلال سردية ثلاثية تخدم مصالحها بوضوح، لا انسحاب من الأراضي اللبنانية قبل نزع كامل ونهائي لأي تهديد محتمل، ولا تهدئة دائمة من دون إبعاد حزب الله عن الجنوب وتفكيك قدراته، ولا اعتراف عملي بسيادة الدولة اللبنانية على هذه المنطقة ما لم تثبت بيروت قدرتها على فرض السيطرة، وحصر السلاح بيد الدولة، ومنع أي نشاط عسكري أو أمني موازٍ خارج المؤسسة الرسمية.
لكن خطورة هذه المعادلة تكمن في أن “إسرائيل” تربط انسحابها بشروط مقصودة يصعب على الحكومة اللبنانية تحقيقها في المدى القريب، ما قد يحوّل الاتفاق بصيغته الراهنة إلى غطاء سياسي لاستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب، خاصة وأن حكومة نتنياهو تحديدًا تتعامل مع لبنان كملف وجودي بالنسبة لها، وفي المقابل، قد يستثمر حزب الله هذا الوجود لتبرير تمسكه بسلاحه وبقائه في المشهد، بحجة أن الاحتلال لم ينتهِ وأن الحاجة إلى المقاومة لا تزال قائمة.
وهكذا تجد الحكومة اللبنانية نفسها عالقة بين معادلتين متقابلتين، “إسرائيل” ترفض الانسحاب الكامل قبل نزع سلاح “حزب الله”، والأخير يرفض نزع سلاحه ما دام الوجود الإسرائيلي مستمرًا، وبين الطرفين، يتحول الاتفاق من فرصة محتملة لاستعادة السيادة إلى حلقة مفرغة قد تعيد إنتاج الأزمة بدلًا من إنهائها.
6 فخاخ رئيسية
في الوقت الذي عبّر فيه الرئيس اللبناني عن تفاؤله بالاتفاق، ورأى فيه مدخلًا لتلبية الطموحات اللبنانية في استعادة السيادة ووقف الاستنزاف، فإن الصيغة الفضفاضة للاتفاق، وغياب التفاصيل الكاملة حول آليات التنفيذ، يجعلان منه اتفاقًا محاطًا بستة فخاخ رئيسية قد تنسفه من جذوره.
يتمثل الفخ الأول في الترتيب الزمني لتنفيذ البنود: من يبدأ أولًا؟ هل تنسحب “إسرائيل” من المناطق التجريبية التي نص عليها الاتفاق، أم يبدأ حزب الله بالانسحاب وتفكيك بنيته العسكرية؟ هذه النقطة قد تصنع أزمة حقيقية، لأن كل طرف يفتقر إلى الثقة في الطرف الآخر، ويريد ضمانات مسبقة قبل أن يقدم أي تنازل، ومن ثم، قد يجد الاتفاق نفسه داخل حلقة مفرغة، “إسرائيل” لا تنسحب قبل نزع التهديد، وحزب الله لا يتراجع ما دام الوجود الإسرائيلي قائمًا.
أما الفخ الثاني، فيتعلق بالتعريفات والمصطلحات الواسعة التي يحملها النص، فما المقصود تحديدًا بتفكيك بنية الجماعات المسلحة غير الحكومية؟ وماذا يعني تفكيك بنية حزب الله؟ هل يعني انسحاب مقاتليه من الجنوب؟ أم تسليم السلاح؟ أم إزالة المنصات الصاروخية؟ أم وقف النشاط الأمني والعسكري؟ أم تجفيف مصادر التمويل وتقليص الارتباط بإيران؟ إن غياب إجابات واضحة عن هذه الأسئلة يجعل الاتفاق قابلًا للتأويل، ويفتح الباب أمام خلافات عميقة عند بدء التنفيذ.
ويأتي الفخ الثالث، وهو الأخطر، من الداخل اللبناني نفسه، فالاتفاق يمس واحدة من أكثر القضايا حساسية في لبنان، علاقة السلاح بالطائفة، وموقع حزب الله داخل البيئة الشيعية، وتوازنات القوة بين المكونات السياسية والطائفية، ولذلك فإن أي محاولة لمعالجة هذا الملف بالقوة، أو تقديمه باعتباره مواجهة بين الشيعة من جهة والمسيحيين والسنة من جهة أخرى، قد تترك تداعيات كارثية على السلم الأهلي وتدفع البلاد إلى انقسام داخلي مفتوح.
أما الفخ الرابع، فيتعلق بالسلوك الإسرائيلي ومدى التزام تل أبيب بوقف إطلاق النار، والسؤال هنا: ماذا لو استمرت الغارات الإسرائيلية أو العمليات اليومية تحت ذرائع أمنية، مثل الضغط على حزب الله أو منع إعادة بناء قدراته؟ فاستمرار هذا السلوك قد يفرغ الاتفاق من مضمونه، ويمنح حزب الله ذريعة للتمسك بسلاحه واستئناف عملياته، كما يضع الحكومة اللبنانية أمام أزمة سياسية داخلية، لأنها ستكون عاجزة عن تبرير الاتفاق أو الدفاع عنه أمام الرأي العام.
ويبقى الفخ الخامس مرتبطًا بالموقف الأمريكي، فالولايات المتحدة هي الراعي الأساسي للاتفاق وضامنه الوحيد في هذه المرحلة، لكن هذا الضمان يظل مرهونًا بحسابات الإدارة الأمريكية وأولوياتها المتغيرة، وفي ظل قيادة شخصية مزاجية متقلبة مثل دونالد ترامب، من الممكن أن تتبدل الأولويات بسرعة، ومن ثم فإن أي تراجع أمريكي عن متابعة الملف أو تخفيف الضغط على الأطراف قد يترك الاتفاق بلا مظلة حقيقية، ويدفع الجميع إلى العودة إلى نقطة الصفر.
ثم يأتي الفخ الأخير، وربما الأكثر حساسية، والمتعلق بالموقف الإيراني، فالسؤال هنا لا يقل خطورة عن بنود الاتفاق نفسها: هل ستترك طهران حزب الله، حليفها الأبرز وذراعها الإقليمية الأكثر فاعلية، يتحول إلى ضحية تفاهمات إسرائيلية أمريكية من دون إسناد أو دعم؟ فمن الصعب تصور أن تقبل إيران بسهولة بتقليم أحد أهم أعمدة نفوذها الإقليمي خلال العقود الثلاثة الأخيرة، خصوصًا أن حزب الله لا يمثل بالنسبة إليها مجرد حليف لبناني، بل ورقة استراتيجية في معادلة الردع مع إسرائيل، وجسر نفوذ في شرق المتوسط، وأحد أبرز مكونات ما تسميه طهران “محور المقاومة”.
ومن هنا، فإن أي محاولة لتفكيك البنية العسكرية للحزب أو تقليص حضوره في الجنوب لن تُقرأ في طهران باعتبارها شأنًا لبنانيًا داخليًا فقط، بل باعتبارها استهدافًا مباشرًا لنفوذها الإقليمي، وهذا يفتح الباب أمام احتمالات متعددة، من الدعم السياسي والإعلامي للحزب، إلى تحريك أدوات الضغط داخل لبنان، وربما استخدام ساحات إقليمية أخرى لإرباك مسار الاتفاق.
واستنادًا إلى ما سبق، يبدو من المبكر جدًا الحديث عن تطبيع كامل بين لبنان وإسرائيل انطلاقًا من هذا الاتفاق الإطاري، فالنص -بما يحمله من فخاخ وما يحيط به من تحديات داخلية وخارجية، تجعل احتمالات تعثره أو انهياره أقرب من فرص صموده- يعتبر أقرب إلى براغماتية أمنية فرضتها موازين القوة وتطورات الحرب والضغوط الأمريكية، لا إلى تحول لبناني مكتمل نحو التطبيع الذي يحتاج إلى ظروف سياسية وشعبية وأمنية لم تنضج بعد داخل لبنان، رغم الاندفاعة الرسمية الواضحة نحو هذا المسار.
(نونبوست)



