قضايا وتحليلات

الأبيض.. هل تكون معركة حسم الحرب في السودان؟

على مدار أكثر من شهر، تحولت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، إلى واحدة من أكثر جبهات الحرب السودانية اشتعالًا وحساسية، بعدما أصبحت مسرحًا لمواجهة مفتوحة بين الجيش السوداني وميلشيا الدعم السريع، في معركة يسعى كل طرف إلى حسمها وفق حساباته العسكرية والسياسية الخاصة.

فبعدما بدا أن الجيش السوداني بات قريبًا من فرض واقع ميداني جديد في المدينة ومحيطها، عقب تحقيقه سلسلة من المكاسب العسكرية، عادت ميليشيا الدعم لتعيد خلط الأوراق، وتفرض معادلة مختلفة على الأرض، بعد الدعم الخارجي الذي حصلت عليه خلال الآونة الأخيرة،  بما غيّر ملامح المشهد ورفع من كلفة المعركة وأهميتها.

ولا تبدو الأبيض، في حسابات محمد حمدان دقلو “حميدتي”، مجرد جولة عسكرية عابرة ضمن مسار الحرب، بل معركة ذات رمزية خاصة ترتبط بمستقبل نفوذ قواته في كردفان وامتدادها نحو وسط السودان، وفي المقابل، ينظر عبد الفتاح البرهان إلى المعركة من زاوية لا تقل أهمية، باعتبارها اختبارًا لقدرة الجيش على تثبيت حضوره غرب البلاد.

وتثير تلك الاستماتة في حسم هذه المعركة تحديدًا، ورفض كل طرف رفع الراية البيضاء مهما كانت الخسائر، مقارنة بالجبهات الأخرى، العديد من التساؤلات، حول ما تحتله الأبيض من مكانة لوجستية في حسابات الطرفين، فهل يمكن لتلك المواجهة أن تعيد رسم خريطة الحرب السودانية، أو حتى تحدد اتجاهها في المرحلة المقبلة؟

الأبيض.. عقدة لوجستية في قلب الحرب

تستمد مدينة الأبيض أهميتها من موقعها الجغرافي شديد الحساسية، فهي عاصمة ولاية شمال كردفان، وتقع على واحد من أهم المسارات الرابطة بين دارفور وكردفان من جهة، ووسط السودان والخرطوم من جهة أخرى، كما تضم مطارًا عسكريًا مهمًا، ما يجعلها عقدة استراتيجية في قلب البلاد، لا تقتصر أهميتها على بعدها الجغرافي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد عسكرية وسياسية ولوجستية بالغة التأثير.

فمن يسيطر على الأبيض يمتلك قدرة مباشرة على التأثير في خطوط الحركة والإمداد بين غرب السودان ووسطه، كما يستطيع استخدامها كنقطة لتجميع القوات، وتأمين التموين، والانطلاق نحو جبهات أخرى، ولذلك لا تُقرأ المدينة باعتبارها قاعدة لوجستية فقط، بل بوصفها منصة إسناد عسكري يمكن أن تغيّر موازين الحركة والسيطرة في إقليم كردفان وما بعده.

نون بوست

ولا تنفصل هذه الأهمية العسكرية عن بعدها الاقتصادي والديموغرافي؛ إذ تعد الأبيض مركزًا تجاريًا وسكانيًا كبيرًا، يضم مئات الآلاف من السودانيين، ويربط تجاريًا بين شرق السودان وغربه، كما تمثل إحدى النقاط الحيوية في اقتصاد كردفان، بما تملكه من موقع مؤثر في حركة الأسواق والموارد والتجارة الداخلية.

وانطلاقًا من هذه الأهمية المركبة، يسعى كل من الجيش السوداني وميليشيا الدعم إلى فرض السيطرة عليها، فبالنسبة إلى الجيش، تمثل الأبيض موطئ قدم استراتيجيًا غرب النيل، وبوابة محتملة للتمدد نحو دارفور أو منع تمدد الدعم السريع شرقًا، أما بالنسبة للدعم، فإن السيطرة عليها تعني ربط مناطق نفوذها في دارفور بعمق كردفان، وفتح مسار ضغط جديد على خطوط الجيش باتجاه وسط السودان.

الخنق قبل السيطرة.. كارثة إنسانية

لم تعد المعركة في مدينة الأبيض معركة عسكرية فحسب، بل تحولت إلى مواجهة قاسية مع الحياة نفسها، فقبل التحرك العسكري لحسم تلك الجولة،  تبدو المدينة وكأنها تتعرض لعملية إنهاك ممنهجة تستهدف قدرتها على الصمود، عبر ضرب المرافق الأساسية، وتعطيل الخدمات، ودفع السكان إلى حافة الخوف والنزوح، حتى تتحول تدريجيًا إلى مدينة مثقلة بالخراب، طاردة لأبنائها.

وفي هذا السياق، تكثف ميليشيا الدعم السريع هجماتها بالطائرات المسيّرة على مرافق المياه والصحة والطاقة، إلى جانب استهداف الطرق والجسور، بما يصيب الحياة المدنية بشلل، ويبدو أن الهدف لا يقتصر على إضعاف المدينة عسكريًا، بل يمتد إلى خنقها إنسانيًا وتجريفها ديموغرافيًا، تمهيدًا لفرض واقع ميداني جديد قبل أي محاولة للسيطرة عليها بالقوة.

وفي المقابل، يرد الجيش السوداني بعمليات مضادة، لتجد الأبيض نفسها عالقة بين نيران الطرفين، ومفتوحة على كارثة إنسانية بالغة القسوة، وسط تصاعد التحذيرات الأممية والدولية من احتمال وقوع فظائع وانتهاكات بحق المدنيين، في الوقت الذي يتشبث فيه سكان المدينة بمنازلهم، رغم الضغوط الممارسة عليهم والتي تضع حياتهم وسلامتهم في اختبار حساس وقاس.

هل تكون معركة الحسم؟

تذهب بعض التقديرات إلى أن معركة الأبيض قد تكون واحدة من المحطات المفصلية القادرة على إحداث تحول كبير في مسار المواجهة بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، وربما دفعها نحو مرحلة جديدة من الحسم الميداني، في المقابل، تقلل تقديرات أخرى من إمكانية أن تحسم المدينة الحرب بصورة نهائية، لكنها ترى، في الحد الأدنى، أنها قد تحدد اتجاه الصراع وترسم بوصلته في المرحلة المقبلة.

وتنطلق هذه القراءات من الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها الأبيض في حسابات الطرفين، ففي حال تمكنت ميليشيا الدعم من السيطرة عليها، فإن ذلك سيشكل تحولًا بالغ الخطورة، لأنه سيمنحها عمقًا لوجستيًا خارج معقلها الرئيسي في دارفور، ويفتح أمامها مسارات أوسع للتمدد داخل كردفان والاقتراب من وسط السودان، بما يتيح لها ممارسة ضغط أكبر على مواقع الجيش وخطوط حركته.

ولا يقتصر أثر هذا السيناريو على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى البعد السياسي، فسيطرة الميليشيا على الأبيض تعني خروجها من جغرافيتها الضيقة نسبيًا في دارفور وأطراف السودان، وتدشينها نقطة ارتكاز أكثر تأثيرًا في قلب البلاد، ومن شأن ذلك أن يمنح محمد حمدان دقلو “حميدتي” زخمًا تفاوضيًا وثقلًا سياسيًا أكبر، وربما يعزز موقعه في أي ترتيبات محتملة لما بعد الحرب.

السودان.. هل يتكرر سيناريو حصار الفاشر في الأُبيض؟

أما إذا نجح الجيش السوداني في استعادة زمام المبادرة داخل الأبيض وإجهاض مساعي الدعم للسيطرة عليها، فسيكون قد حقق مكسبًا استراتيجيًا ولوجستيًا بالغ الأهمية، فمن جهة، سيمنع تلك الميليشيا من توسيع نطاق نفوذها خارج دارفور ومحيطها، ومن جهة أخرى، سيضع حميدتي تحت ضغط عسكري وسياسي متزايد، قد يضعف حضوره التفاوضي، ويحرجه أمام الجهات الداعمة له، وربما يفتح الباب أمام مزيد من الانشقاقات داخل صفوفه كما حدث في مراحل سابقة.

وفق هذه المعادلة، يمكن القول إن الأبيض قد لا تكون معركة الحسم النهائي للحرب السودانية، لكنها بلا شك معركة ترجيح كبرى، فالجيش قد لا ينهار إذا خسرها، لكنه سيمنح الدعم السريع متنفسًا استراتيجيًا ستكون له تداعيات واسعة، وفي المقابل، فإن انتصار الجيش فيها لا يعني نهاية الميليشيا فورًا، لكنه سيشكل ضربة موجعة تعمق أزمتها وتواصل استنزافها، بما قد يدفعها تدريجيًا إلى حالة من التراجع الميداني والسياسي.

ومن هنا تبقى الأبيض معركة لوجستية واستراتيجية شديدة التعقيد في قلب السودان وعصبه، يصعب حسمها سريعًا في ظل تشابك الحسابات العسكرية والسياسية، غير أن الخطر الأكبر يتمثل في تحولها إلى معركة استنزاف طويلة، يكون المدنيون هم الطرف الأضعف فيها، والأكثر دفعًا لكلفتها الإنسانية الباهظة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى