
الحراك الدفاعي المصري التركي: شراكة تعيد تشكيل الشرق الأوسط
محمود سيد محمد
في مشهد إقليمي مضطرب تعيد فيه التحولات الجيوسياسية رسم خرائط القوة، يبرز الحراك الدفاعي المتنامي بين مصر وتركيا كواحد من أكثر التطورات إثارة للانتباه. ما كان قبل سنوات مجرد قطيعة دبلوماسية عميقة، تحول اليوم إلى شراكة عسكرية وصناعية تعيد تعريف موازين القوى في الشرق الأوسط.
من القطيعة إلى الشراكة: مسار متسارع
شهدت العلاقات المصرية-التركية تحولاً دراماتيكياً منذ عام 2023، مع عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة وتبادل الزيارات الرئاسية. ذروة هذا التحول تجلت في زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في فبراير 2026، حيث اجتمع الرئيسان على مستوى مجلس التعاون الاستراتيجي، ووقع وزيرا الدفاع اتفاقية تعاون عسكري شاملة.
وفي سبتمبر 2024، زار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي العاصمة التركية أنقرة، في خطوة عززت مسار التقارب. وخلال مايو 2025، عُقد أول اجتماع للحوار العسكري رفيع المستوى بين البلدين في أنقرة.
المناورات المشتركة: كسر الجمود بعد 13 عاماً
في سبتمبر 2025، استأنفت مصر وتركيا مناورات “بحر الصداقة” البحرية المشتركة في شرق البحر المتوسط بعد انقطاع دام 13 عاماً، بمشاركة وحدات بحرية وجوية من الجانبين. وفي يونيو 2026 انطلقت مناورات جوية مشتركة في الأجواء المصرية بهدف توحيد المفاهيم القتالية وتبادل الخبرات وتعزيز القدرة على العمل المشترك.
صفقات دفاعية وتصنيع مشترك
بلغت قيمة الصفقة الدفاعية الموقعة 350 مليون دولار مع شركة MKE التركية، وتشمل نظام دفاع جوي قصير المدى “تولغا”، وإنشاء مصنع داخل مصر لإنتاج ذخائر مدفعية عيار 155 ملم، وخطوط إنتاج للذخائر الخفيفة، وتأسيس شركة مشتركة للإنتاج والتصدير.
كما شهد عام 2025 توقيع اتفاق للتصنيع المشترك للطائرات المسيّرة والمركبات غير المأهولة، مع عرض نماذج مشتركة في معرض إيديكس 2025 بالقاهرة.
المقاتلة “قآن”: نقلة نوعية
أعلنت تركيا مشاركة مصر في برنامج تطوير المقاتلة الشبحية “قآن” (KAAN)، بما يشمل التطوير والإنتاج المشترك والتجميع داخل مصر، في خطوة تعكس توجهاً نحو تعزيز الاستقلال التكنولوجي في الصناعات الدفاعية.
كما أثار هذا التقارب اهتماماً وردود فعل إقليمية، بالتزامن مع مشاورات رباعية بين مصر وتركيا والسعودية وباكستان لتعزيز التعاون الأمني الإقليمي.
في المحصلة، يمثل التعاون الدفاعي المصري-التركي تحولاً استراتيجياً لافتاً، انتقل من مرحلة التقارب السياسي إلى التعاون العسكري والصناعي، بما قد يترك أثراً واضحاً في موازين القوى الإقليمية.
*باحث في المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية



