قضايا وتحليلات

كسر عقدة “التمثيل المشرف”.. ماذا وراء تألق الكرة الأفريقية في مونديال 2026؟

فرضت الكرة الأفريقية حضورها بقوة على الخريطة العالمية، بعدما قدّمت منتخبات القارة نسخة استثنائية في مونديال 2026، المقام في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، إثر نجاح 9 منتخبات من أصل 10 مشاركة في بلوغ دور الـ32، في إنجاز غير مسبوق حظي بإشادة واسعة.

وتمكنت منتخبات الرأس الأخضر، ومصر، وكوت ديفوار، والمغرب، وجنوب أفريقيا، والجزائر، والكونغو الديمقراطية، وغانا، والسنغال، من عبور دور المجموعات والتأهل إلى الأدوار الإقصائية، بينما كان المنتخب التونسي الوحيد الذي غادر مبكرًا، في مشهد يعكس التحول الكبير الذي تعيشه كرة القدم الأفريقية.

ولا يمكن قراءة هذا التألق الأفريقي باعتباره مجرد طفرة عابرة، أو ظرفًا استثنائيًا مؤقتًا، أو نجاحًا جاء بمحض الصدفة؛ بل هو نتاج تراكمي لجملة من العوامل الفنية والذهنية والتنظيمية التي دفعت منتخبات القارة إلى مستوى أكثر نضجًا وقدرة على المنافسة.. فما الذي يقف وراء هذه الصحوة الكروية الأفريقية؟ وهل يمثل مونديال 2026 نقطة انطلاق حقيقية نحو مرحلة جديدة تصبح فيها المنتخبات الأفريقية طرفًا ثابتًا في معادلة الكبار؟

نظام البطولة

لعب التغير الواضح الذي شهده نظام البطولة في نسختها الحالية دورًا بارزًا في إبراز التفوق الكروي الأفريقي ومنح منتخبات القارة مزيدًا من التمثيل والتشاركية، حيث زادت عدد الفرق المشاركة من 32 إلى 48 منتخبًا، الأمر الذي منح أفريقيا فرصة التمثيل بضعف المنتخبات التي كانت تشارك فيها في النسخ السابقة تقريبًا.

وقد سمح هذا النظام في مشاركة 10 منتخبات أفريقية، 9 منها بشكل مباشر ومقعد ملحق، مقارنة بخمسة منتخبات فقط في النسخ السابقة، ففي نسخة قطر 2022 على سبيل المثال مثًل القارة الأفريقية كل من المغرب وتونس، الكاميرون، غانا والسنغال، وهو نفس رقم نسخة روسيا 2018 وما قبلها.

كما فتح النظام الجديد مساحة أكبر للمنتخبات الأفريقية للصعود للأدوار التالية، حين سمح بتأهل أول وثاني كل مجموعة كما كان متعارف عليه في النسخ السابق، إضافة إلى أفضل ثوالث، والميزة الأخيرة هي ما سمحت بتأهل أربعة منتخبات أفريقية للدور التالي وهي السنغال والكونغو وغانا والجزائر.

تطور الكرة الأفريقية

لم يكن تغير نظام البطولة السبب الوحيد وراء تفوق المنتخبات الأفريقية في المونديال، إذ شهدت كرة القدم الأفريقية بصفة عامة خلال السنوات الأخيرة تطورًا لافتًا على مستوى الأداء والتنظيم، بعدما تغيّرت طريقة التعامل مع اللعبة داخل القارة، وانتقلت من كونها مجرد نشاط رياضي إلى مشروع استثماري متكامل، يقوم على التخطيط، وتطوير المواهب، والانفتاح على الخبرات العالمية.

وقد أدركت العديد من الاتحادات الأفريقية أن صناعة كرة القدم الحديثة لا تُدار بالعشوائية أو الموهبة وحدها، بل تحتاج إلى رؤية علمية تشمل تطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة الدوريات المحلية، ومنح اللاعبين مرونة أكبر للاحتراف الخارجي، إلى جانب الاستفادة من المدارس التدريبية الأجنبية في تحديث الفكر الفني والإداري.

وتكشف أرقام اللاعبين الأفارقة المحترفين في الدوريات الأوروبية والخارجية حجم التحول في العقلية التي باتت تدير اللعبة داخل القارة، ورغم عدم وجود إحصاء رسمي شامل لكل المحترفين الأفارقة بالخارج، فإن بعض المؤشرات تعكس اتساع هذه الظاهرة؛ فوفق أحدث بيانات مرصد CIES لكرة القدم في مايو/أيار الماضي تمتلك غانا نحو 379 لاعبًا، والسنغال بنحو 320 لاعبًا، فضلًا عن حضور بارز للاعبين من كوت ديفوار والمغرب والجزائر ومصر وغيرها من المنتخبات.

هذا الانتشار الواسع للمحترفين الأفارقة منح منتخبات القارة خبرة تنافسية أكبر، واحتكاكًا مستمرًا بأعلى مستويات كرة القدم العالمية، وهو ما انعكس بوضوح على شخصية اللاعبين داخل الملعب، وقدرتهم على التعامل مع الضغوط، ومجاراة الإيقاع البدني والتكتيكي للمنتخبات الكبرى.

وفي الوقت نفسه، شهدت الدوريات الأفريقية تطورًا ملحوظًا خلال الأعوام الماضية، سواء من حيث التنظيم، أو التسويق، أو جودة اللاعبين المحليين، أو تطور الأجهزة الفنية والإدارية، وقد ساهم ذلك في رفع المستوى العام للمنظومة الكروية داخل القارة، وخلق قاعدة أكثر صلابة للمنتخبات الوطنية.

تراجع مستوى بعض المنتخبات

شهدت النسخة الحالية من كأس العالم تراجعًا ملحوظًا في مستويات عدد من المنتخبات الكبرى والمصنفة في مراكز متقدمة عالميًا، مثل البرازيل وإسبانيا وبلجيكا، وحتى المنتخبات التي نجحت في تقديم أداء مقبول نسبيًا، كفرنسا والأرجنتين وهولندا، لم تظهر بالصورة المنتظرة أو بالمستوى الذي يتناسب مع مكانتها وتصنيفها وخبراتها الدولية.

هذا التراجع الفني لدى بعض المنتخبات المصنفة جعل البطولة أكثر انفتاحًا، ومنح المنتخبات الأفريقية فرصة أكبر لإثبات حضورها ومجاراة الكبار،  حيث دخلت هذه النسخة بدوافع عالية، وجاهزية فنية وبدنية واضحة، ورغبة قوية في تجاوز حدود المشاركة التقليدية وتقديم صورة أكثر نضجًا عن الكرة الأفريقية.

واستطاعت المنتخبات الأفريقية استثمار هذه الحالة بذكاء، فظهرت بثقة أكبر داخل الملعب، ونجحت في فرض إيقاعها في عدد من المباريات، وهو ما انعكس على نتائج لافتة ومفاجئة، من بينها تعادل مصر، المصنفة 26 عالميًا، مع بلجيكا المصنفة التاسعة، وتعادل الرأس الأخضر، المصنف 67 عالميًا، مع إسبانيا المصنفة الثانية عالميًا.

كسر عقدة “التمثيل المشرف

أبرز ما ميّز هذه النسخة من كأس العالم أنها كسرت، إلى حد كبير، عقدة “التمثيل المشرف” التي طالما لازمت الحضور الأفريقي في نسخ سابقة، فلم تعد المنتخبات الأفريقية تدخل المونديال بحثًا عن تمثيل جيد أو ظهور رمزي، بل أصبحت تنافس بجدية، وتبحث عن موقع حقيقي بين الكبار داخل الملعب، لا في حدود الشعارات والطموحات فقط.

ولعل الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي في مونديال قطر كان نقطة تحول بارزة في هذا المسار، بعدما أصبح أول منتخب أفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم وينهي البطولة في المركز الرابع، ليواصل “أسود الأطلس” حضورهم القوي في النسخة الحالية، ليؤكدوا أن ما حدث في النسخة الماضية لم يكن ومضة عابرة أو مصادفة كروية، بل بداية لمرحلة جديدة ارتفع فيها سقف الطموح الأفريقي إلى ما هو أبعد من مجرد الوصول إلى المربع الذهبي.

كما نجح المنتخب المصري بدوره في كسر عقدة تاريخية لازمته طويلًا في كأس العالم، بعدما حقق فوزه الأول في تاريخ مشاركاته المونديالية، وتمكن للمرة الأولى من تجاوز دور المجموعات وبلوغ الأدوار الإقصائية، وعلى النهج ذاته، نجح المنتخب الجزائري في عبور الدور الأول للمرة الثانية في تاريخه، مؤكدًا أن الكرة الأفريقية باتت أكثر قدرة على التعامل مع ضغوط البطولة وحساباتها المعقدة.

ولم يقتصر المشهد على المنتخبات صاحبة التاريخ أو الخبرة، بل امتد إلى منتخبات كتبت أسماءها بأحرف مضيئة في سجل البطولة، مثل الرأس الأخضر والكونغو الديمقراطية، فرغم الفوارق الكبيرة في الإمكانات والخبرات مقارنة بمنتخبات كبرى، نجح المنتخبان في فرض حضورهما بين الكبار، وتقديم صورة مشرفة ومؤثرة أضافت رقمًا جديدًا إلى رصيد القارة الأفريقية على الساحة العالمية.

في ضوء ما سبق يمكن القول إن المشاركة الأفريقية في النسخة الحالية من كأس العالم تجاوزت حدود الحضور المشرف، وانتقلت إلى مرحلة أكثر نضجًا وجرأة، عنوانها المنافسة الحقيقية لا الاكتفاء بالتمثيل، فالنجاح الذي تحقق حتى الآن لم يكن وليد الصدفة، ولا نتيجة تفوق عابر فرضته ظروف البطولة، بل هو حصيلة مجموعة من العوامل المتداخلة؛ بين تطور الفكر الإداري، واتساع قاعدة الاحتراف، ونضج اللاعبين، وارتفاع سقف الطموح داخل القارة.

لقد كتبت الكرة الأفريقية في هذا المونديال سطرًا جديدًا في تاريخها الرياضي،  وأثبتت أنها لم تعد ضيفًا ملونًا على مائدة كأس العالم كما كان في السنوات السابقة، بل طرفًا قادرًا على التأثير والمنافسة وصناعة المفاجأة، ليبقى السؤال الأكثر أهمية: إلى أي مدى يمكن أن يذهب الحلم الأفريقي في النسخة المونديالية الحالية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى