
السودانيون في مصر يحذرون من تصاعد الاحتقان بعد قصف “الدهابة” وحملات التحريض
ألقت التوترات التي شهدتها الحدود المصرية السودانية خلال الساعات الماضية بظلالها القاتمة على الجالية السودانية في مصر، التي يتجاوز عدد أفرادها، وفق تقديرات غير رسمية، خمسة ملايين سوداني، وسط مخاوف وتحذيرات من أن تتدحرج كرة الاحتقان السياسي والإعلامي إلى الشارع، بما يهدد بنقل تداعيات الأزمة من حدود البلدين إلى العلاقة بين الشعبين المصري والسوداني.
وبدأت فصول التوتر بعدما تعرض عدد من “الدهابة” العاملين في التنقيب عن الذهب على الحدود، السبت 10 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، لغارات جوية أوقعت عشرات الضحايا، وسط تباين في أعداد القتلى والمصابين التي أوردتها المؤسسات الحقوقية والمدنية السودانية، بالتزامن مع تصاعد اتهامات لمصر بالضلوع في تلك العمليات.
وزاد من منسوب التوتر ما شهدته العاصمة السودانية الخرطوم مساء اليوم ذاته، حين قُتل سائقان مصريان وأصيب ثالث، إثر إطلاق مسلح النار على عدد من سائقي الشاحنات في سوق محلي جنوبي المدينة، في واقعة جاءت في توقيت بالغ الحساسية وألقت بمزيد من الظلال على المشهد المتوتر بين البلدين.
ولم يكن السودانيون المقيمون في مصر بمعزل عن تلك التطورات المتلاحقة، فسرعان ما انتقلت أصداء ما جرى على الحدود إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث احتدمت النقاشات وتقاطعت الروايات والاتهامات، بالتوازي مع تصاعد خطاب شعبوي ومحتقن من الجانبين، أثار مخاوف من أن تتحول واقعة حدودية لا تزال ملابساتها محل تحقيق وجدال إلى وقود لتوتر اجتماعي أوسع.. فكيف قرأ السودانيون في مصر ما جرى؟ وإلى أي مدى يخشون أن تنعكس تداعيات أحداث الحدود على وجودهم وحياتهم اليومية في مصر، وعلى العلاقة التاريخية بين الشعبين؟
بدأ التوتر عقب غارات جوية استهدفت “الدهابة” العاملين في التنقيب عن الذهب على الحدود، وأسفرت عن عشرات الضحايا، وسط تباين في أعداد القتلى والمصابين وتصاعد اتهامات لمصر بالضلوع في الهجمات
فتح تحقيق عاجل.. محاولة استباقية لاحتواء الأزمة
في محاولة لاحتواء تداعيات الحادث، أمر قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، بفتح تحقيق وتشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية، للوقوف على ظروف الواقعة وملابساتها ورفع تقرير بنتائج التحقيق.
وأوضح مجلس السيادة، في بيان، أن “القيادة في البلدين الشقيقين على تواصل فور وقوع الحادث، بما يضمن حماية الأرواح والحفاظ على علاقة الشعبين الشقيقين ومعرفة ملابسات الحادث وتمليك الحقائق للرأي العام”، في مؤشر على سعي الخرطوم إلى إبقاء معالجة الأزمة ضمن القنوات الرسمية وتجنب اتساع تداعياتها.
وفي المقابل، أعلن المتحدث العسكري المصري للقوات المسلحة، أحمد عثمان، استمرار تنفيذ المرحلة الثالثة من حملة لمجابهة أعمال التنقيب غير المشروع عن خام الذهب في الصحراء الشرقية، موضحًا، في بيان، أن مواصلة العمليات جاءت بعد إلقاء منشورات تحذيرية على من وصفهم البيان بـ”العناصر الإجرامية”، وأن الحملة تستهدف فرض كامل السيادة داخل حدود مصر وحماية ثرواتها ومقدراتها القومية.
وفي الوقت نفسه، حرص الخطاب المصري الرسمي على التأكيد على عمق الروابط بين مصر والسودان على المستويين السياسي والشعبي، حيث أوضح المتحدث العسكري أن “التعايش السلمي الذي يحظى به ملايين السودانيين على الأراضي المصرية خير شاهد على ذلك”، داعيًا إلى استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية وعدم الانسياق خلف «الشائعات المضللة والأجندات الخارجية» التي قال إنها تستهدف زعزعة العلاقات بين البلدين.
وفي سياق الاحتواء أجرى وزيرا خارجية مصر والسودان اتصالًا هاتفيًا أكدا فيها احترام سيادة كل دولة ووحدة وسلامة أراضيها وحدودها وذلك بعدما وصل السجال المحتدم على منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية.
تساؤلات لم يُجب عنها بعد
من جانبه، يرى رجل الأعمال السوداني المقيم في مصر، أحمد ميرغني، أن المعطيات المتداولة بشأن الواقعة لا تزال تفتقر إلى كثير من المعلومات الضرورية التي تسمح بإصدار حكم واضح بشأن ما جرى، مشيرًا إلى وجود تساؤلات عدة وتضارب في الروايات حول حقيقة الأحداث على الأرض.
وقال ميرغني، في حديثه لـ”الترا صوت”، إن ثمة أسئلة جوهرية لا تزال بحاجة إلى إجابات واضحة، في مقدمتها الموقع الدقيق للاستهداف: هل وقع داخل الحدود المصرية أم السودانية؟ وهل جرى إخطار “الدهابة” وتحذيرهم مسبقًا من الوجود في المنطقة، أم أن الاستهداف وقع بصورة مفاجئة؟ كذلك، هل جرى أي تنسيق مسبق مع الجانب السوداني، أم نُفذت العملية بصورة منفردة من الجانب المصري؟ فضلًا عن التساؤل بشأن ما إذا كان “الدهابة” الموجودون في المنطقة مسلحين من عدمه.
وشدد رجل الأعمال السوداني على أن حساسية مثل هذه الحوادث تفرض التعامل معها بقدر كبير من التروي والدقة، بعيدًا عن الاستنتاجات المتعجلة، واستنادًا إلى معلومات موثقة تكشف ملابسات ما حدث بصورة كاملة، موضحًا أن خطورة الواقعة لا تتوقف عند حدودها الأمنية فحسب، إذ من المرجح أن تمتد تداعياتها بصورة مباشرة إلى العلاقات بين دولتين وشعبين تجمعهما روابط تاريخية واجتماعية عميقة، ما يجعل كشف الحقائق واحتواء أي تصعيد محتمل أمرًا بالغ الأهمية للحفاظ على طبيعة العلاقة بين مصر والسودان.
المخطئ يجب أن يُحاسب
وفي تعليقه على المشهد، يرى المحامي السوداني حسن عبد الله أن حادثة بهذا الحجم، وفي ظل الضبابية التي لا تزال تحيط بتفاصيلها، تستوجب فتح تحقيق عادل وشفاف وسريع، يكشف حقيقة ما جرى ويحدد المسؤوليات، على أن تتم محاسبة المخطئ أيًا كان، لافتًا إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها الحدود بين البلدين حوادث من هذا النوع.
وأوضح عبد الله، في حديثه لـ”الترا صوت”، أن من حق مصر حماية حدودها والدفاع عن مصالحها وسيادتها، لكن ذلك، بحسب قوله، لا يمنح قواتها الحق في الاعتداء على مواطني دولة أخرى من دون مسوغ، أو من دون إنذار مسبق وتنسيق مع الجانب السوداني.
وشدد المحامي السوداني على ضرورة انتظار نتائج التحقيقات قبل إصدار أحكام نهائية، بما يسمح بالوقوف على ملابسات العملية وتحديد ما جرى على الأرض بصورة دقيقة، لا سيما في ظل تعدد الروايات وتشابك خيوط المشهد وتعقيداته.
وأشار إلى أن قراءة الحادثة بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع قد لا تكون كافية، في ظل تقاطع التطورات على الحدود مع مسارات وملفات أخرى، من بينها قوات الدعم السريع وأدوار بعض الأطراف الإقليمية، وهو ما يضيف، بحسب عبد الله، مزيدًا من التعقيد إلى المشهد ويجعل التحقق من الوقائع وكشف ملابساتها ضرورة تسبق أي استنتاجات سياسية أو أمنية.
القلق من التوظيف
من جانبه، يعرب الحقوقي السوداني محمد الفاتح عن قلقه من توظيف الأحداث الأخيرة لخدمة أجندات أطراف مناوئة لكل من القاهرة والخرطوم، محذرًا من أن تأجيج التوتر بين البلدين قد يصب في مصلحة قوى وأجندات خارجية، لا سيما في ظل حالة السيولة السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة وتشابك مصالح أطراف عدة فيها.
ويقول الفاتح، في حديثه لـ”الترا صوت”، إن الجانب المصري ربما يكون قد أخطأ في تقدير الموقف حال ثبوت تنفيذ العملية من دون تنسيق مسبق مع الجانب السوداني، معتبرًا أن هناك العديد من الإجراءات والوسائل التي كان من الممكن اللجوء إليها للتعامل مع الموقف بعيدًا عن الاستهداف المباشر بالطائرات الحربية.
وفي الوقت ذاته، يشدد الحقوقي السوداني على أن الغموض الذي لا يزال يحيط بالعملية وتفاصيلها يحول دون تقديم تقييم مكتمل لما جرى أو توجيه الاتهامات بصورة قاطعة، وهو ما يستوجب، بحسب رأيه، قدرًا من التروي إلى حين انتهاء التحقيقات وكشف ملابسات الحادث بصورة أكثر وضوحًا.
وطالب الفاتح بأن تكون التحقيقات سريعة وشفافة، محذرًا من أن إطالة أمد الغموض قد تفتح المجال أمام مزيد من التأويلات والاستقطاب، وتدفع بـ”كرة النار” إلى التدحرج بصورة أسرع، بما قد يفاقم حالة الاحتقان بين الجانبين.
وأكد في ختام حديثه أن عمق العلاقات التاريخية والاجتماعية بين الشعبين المصري والسوداني يفرض على مختلف الأطراف التعامل مع الأزمة بمسؤولية وحذر، وقطع الطريق أمام أي محاولات لاستثمارها في الإضرار بالعلاقة بين شعبين وصفهما بأنهما من الأقرب إلى بعضهما البعض.
تحذيرات من الفتنة
فيما تحذر إسراء إلياس (معلمة سودانية مقيمة في مصر) من الانزلاق نحو ما وصفته بـ”الفتنة” بين الشعبين المصري والسوداني، معربة عن قلقها البالغ إزاء تصاعد خطاب الاحتقان بين بعض مواطني البلدين على منصات التواصل الاجتماعي، ووصوله في بعض الأحيان إلى دعوات انتقامية متبادلة، وهو ما تعتبره مسارًا بالغ الخطورة قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود الواقعة نفسها.
وترى إلياس، في حديثها لـ”الترا صوت”، أن ما حدث يمثل اختبارًا حساسًا للعلاقات المصرية السودانية، لا سيما في ظل الأجواء المشحونة التي أعقبت الواقعة، مؤكدة أن احتواء تداعياتها يتطلب تنسيقًا مباشرًا بين القاهرة والخرطوم، وفتح نقاش واضح بشأن ملف التنقيب عن الذهب في المنطقة الحدودية، بما يضمن معالجة أسباب التوتر والحيلولة دون تكرار مثل هذه الحوادث.
وتشير إلى أن قنوات الاتصال القائمة بين حكومتي البلدين تتيح لهما التعامل مع هذا الملف بصورة مشتركة، معتبرة أن الحوار والتنسيق يمثلان السبيل الأكثر فاعلية للخروج من المأزق الراهن وقطع الطريق أمام محاولات تأجيج المشاعر بين الشعبين.
وتشدد إلياس على أن خطورة استمرار حالة الاحتقان تتضاعف في ظل وجود أعداد كبيرة من السودانيين في مصر، في مقابل وجود مصريين في السودان، ما يجعل مسؤولية احتواء الخطاب المتوتر أكثر إلحاحًا، خشية أن تنتقل تداعيات أزمة حدودية وسياسية إلى العلاقات المجتمعية بين شعبين تجمعهما روابط ممتدة وتداخلات تاريخية وإنسانية عميقة.
(الترا صوت)



