
المشهد الفرنسي الراهن: بين استقطاب الهوية وأزمات الاندماج وتحديات الأمن القومي
د. جيهان علو – باحثة في الشأن الإيراني
لم تعد الاحتجاجات الفرنسية مجرد تعبير عن غضب اجتماعي أو خلاف مع السلطة، بعدما رافقتها أعمال تخريب ونهب وإحراق واعتداءات طالت الممتلكات والمنشآت العامة والتجارية. وبينما شارك مواطنون في تظاهرات سلمية للتعبير عن مطالبهم، حوّلت مجموعات أخرى الشارع إلى ساحة للفوضى، كاشفةً عن أزمة تتجاوز حدود الاحتجاج إلى تراجع الثقة بالمؤسسات، واتساع الاستقطاب السياسي، واختلال العلاقة بين الحقوق والواجبات. ولا يجوز وضع جميع المتظاهرين في خانة واحدة، كما لا يجوز اتخاذ مشروعية الاحتجاج ذريعة لتبرير الاعتداء على الممتلكات أو تهديد سلامة المجتمع. فالديمقراطية تضمن حق الاعتراض، لكنها لا تمنح أحداً حق فرض مطالبه بالعنف.
حين تتحول الضيافة الأوروبية إلى أزمة اندماج
من المفارقات التي تواجه أوروبا اليوم أنها تستقبل المهاجرين باسم الإنسانية وحقوق الإنسان، وتفتح أبوابها أمام الفارين من الحروب والاضطهاد، انطلاقاً من منظومة قيم تشكلت عبر قرون من التحولات الفكرية والنضال من أجل الحرية والمساواة. لكن هذه التجربة تصطدم، في بعض الحالات، بسلوكيات تناقض جوهر المبادئ التي تتيح للمهاجرين العيش بأمان وحرية؛ إذ لا يمكن المطالبة بالحماية والحقوق، ثم التعامل مع قوانين البلد المضيف وثقافته المدنية وكأنها قيود يجوز رفضها متى تعارضت مع تصورات مسبقة أو أيديولوجيات مغلقة. ولا يمكن أيضاً أن تتحول الضيافة الإنسانية إلى التزام أحادي الجانب، تتحمل فيه الدولة والمجتمع وحدهما مسؤولية التعايش، بينما يتنصل بعض المستفيدين من الحماية من واجب احترام القواعد التي تنظم الحياة المشتركة.
المشكلة ليست في اختلاف الدين أو اللغة أو العادات، فهذه الاختلافات جزء من المجتمعات الحديثة، بل في رفض الاعتراف بحق الآخرين في الاختلاف، ومحاولة فرض تصورات خاصة على المجال العام، أو استخدام العنف والتخويف لانتزاع مطالب سياسية واجتماعية. فمن يريد التعبير عن رأيه يملك البرلمان والانتخابات والأحزاب والتظاهر السلمي، أما إحراق الشوارع ونهب المتاجر وتدمير الممتلكات فلا يمثل دفاعاً عن الحقوق، بل اعتداءً على حقوق الآخرين وعلى المجتمع الذي وفّر له الحماية. إذ لا يفقد الاحتجاج مشروعيته بسبب اختلاف هوية المشاركين فيه، لكنه يفقدها حين يتحول إلى غطاء للعنف والجريمة.
وهنا تبرز مسألة الاندماج بوصفها أحد أكثر الملفات الأوروبية حساسية. فبعض المهاجرين قدموا من بيئات عانت الاستبداد والعنف والانغلاق، لكن الهروب من القمع لا يعني بالضرورة التحرر من الأفكار التي غذّته؛ إذ قد يحمل الإنسان معه، إلى البلد الجديد، تصورات عن المرأة والدين والسلطة والآخر تتعارض مع الحريات التي وجد فيها ملاذاً. ولا تكمن المشكلة في أصول هؤلاء أو في انتماءاتهم الدينية، بل في استمرار أنماط التفكير الإقصائية التي ترفض المساواة والتعددية، وتتعامل مع الاختلاف باعتباره تهديداً ينبغي إخضاعه أو إلغاؤه. فالانتقال الجغرافي من بلد إلى آخر لا يضمن وحده الانتقال إلى ثقافة المواطنة، كما أن الحصول على الحماية لا يعني أن الاندماج يتحقق تلقائياً.
لكن أوروبا تتحمل بدورها مسؤولية لا يمكن تجاهلها. فسياسات الاستقبال التي لا ترافقها رؤية واضحة للاندماج، والاستثمار في التعليم والعمل، ومواجهة التمييز، وتعزيز احترام القانون، تترك فراغاً قد تملؤه جماعات متشددة وشبكات مغلقة. ولا يجوز أن يصبح الخوف من اتهام الدولة بالتمييز سبباً للصمت عن التطرف، مثلما لا يجوز استخدام التطرف ذريعة لإدانة المهاجرين جميعاً. المطلوب موقف واضح لا يساوم على الحقوق ولا يتسامح مع العنف، ويؤكد أن حرية الاعتقاد والثقافة مكفولة، لكن لا توجد هوية أو عقيدة تمنح أصحابها حق انتهاك القانون أو الانتقاص من حقوق الآخرين.
الجمهورية الفرنسية وأزمة الثقة السياسية
لا تنفصل هذه التوترات عن الأزمة الأوسع التي يعيشها النظام السياسي الفرنسي. فتراجع الثقة بالأحزاب، وتعثر التسويات السياسية، وتصاعد الخلاف حول الأمن والهجرة والهوية، أضعفت قدرة القوى التقليدية على تقديم إجابات مقنعة لمخاوف المجتمع.كما و يستثمر اليمين القومي القلق من الهجرة والجريمة وتراجع الهوية الوطنية، فيما يعاني اليسار انقسامات تحدّ من قدرته على صياغة بديل متماسك. وبين الطرفين، يجد المواطن نفسه أمام سجال سياسي يبالغ أحياناً في استثمار المخاوف بدلاً من تقديم حلول قابلة للتنفيذ.
فخطورة الأزمة تكمن في أن قضايا الأمن والاندماج لم تعد ملفات إدارية أو اجتماعية فحسب، بل أصبحت عناصر مركزية في الصراع على هوية الجمهورية ومستقبلها. وحين تعجز المؤسسات عن إقناع المواطنين بقدرتها على فرض القانون وتحقيق العدالة، تتسع المساحة أمام الخطابات المتطرفة، سواء تلك التي تستثمر الخوف من المهاجرين أو التي تبرر التجاوزات باسم الدفاع عن الفئات المهمشة. وفي الحالتين، تصبح الحقيقة ضحية الاستقطاب، ويُدفع المجتمع إلى الاختيار بين مواقف متصلبة، بدلاً من مساءلة السياسات التي أوصلته إلى هذا المأزق.
اليسار الراديكالي: استثمار الغضب لا يعني امتلاك الشارع
تمنح الأزمة قوى اليسار، وفي مقدمتها حركة «فرنسا الأبية» بقيادة جان لوك ميلانشون، فرصة لإعادة طرح نفسها بوصفها ممثلاً للفئات المتضررة من السياسات الحكومية. غير أن الحضور في الاحتجاجات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على توجيهها أو تحويلها إلى مكاسب سياسية مستدامة.
وفي تحليل نشرته «لوموند» في 29 سبتمبر 2026، أشار عالم السياسة أنطوان بريستيي إلى أن اتساع الاحتجاجات يعكس اقتناع بعض المواطنين بأن النزول إلى الشارع قد يكون أكثر فاعلية من التصويت في إيصال أصواتهم. أما عالمة الاجتماع ماريون بي، فدعت أحزاب اليسار إلى الابتعاد عن الخطاب الوعظي وتقديم مقترحات ملموسة لتحسين ظروف المعيشة، محذرة من أن الاكتفاء بالشعارات الكبرى قد يترك المجال لقوى اليمين المتطرف لاستثمار الغضب الشعبي.
وتكشف هذه القراءة عن معضلة استراتيجية تواجه اليسار الفرنسي: فالغضب الاجتماعي قد يوسع قاعدته، لكنه لا يضمن انتقاله من المعارضة إلى الحكم. إذ يتطلب ذلك برنامجاً قابلاً للتنفيذ، وقدرة على بناء تحالفات تتجاوز جمهوره التقليدي، وموقفاً واضحاً من العنف الذي رافق بعض التحركات.
كما أن اختزال الاحتجاجات في تحركات اليسار الراديكالي يتجاهل تعدد دوافع المشاركين فيها، بينما يؤدي تصوير كل تحرك على أنه ثورة سياسية إلى المبالغة في تقدير قدرة المعارضة على توحيد الشارع. فالحركات الاجتماعية ليست كتلة متجانسة، وقد تلتقي فئاتها على رفض السياسات القائمة من دون أن تتفق على البديل.
العنف في الشارع ليس بديلاً عن السياسة
أعمال النهب والإحراق والتخريب ليست تفاصيل يمكن تجاوزها بحجة أن الاحتجاجات تحمل مطالب اجتماعية. فالدولة التي تعجز عن حماية ممتلكات مواطنيها وسلامتهم تواجه اختباراً حقيقياً لسلطة القانون، لكن مواجهة العنف لا تعني تجريم الاحتجاج السلمي أو منح الأجهزة الأمنية صلاحيات غير محدودة. المطلوب هو محاسبة مرتكبي الجرائم، وحماية المتظاهرين السلميين، ومنع توظيف الفوضى لفرض وقائع سياسية خارج المؤسسات الديمقراطية.
ولا يكفي أن تتحرك الدولة بعد اندلاع أعمال العنف؛ بل عليها أن تسأل لماذا تتكرر الأزمات، ولماذا يفقد جزء من المجتمع ثقته بقدرة المؤسسات على الاستجابة لمطالبه، وكيف يمكن منع الجماعات المتطرفة من استثمار هذا الغضب. فالأمن لا يُبنى بالردع وحده، كما أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بتبرير التخريب. وبين هذين الخطأين تقع مسؤولية الدولة الفرنسية اليوم في حماية المجال العام، وإنفاذ القانون بصورة عادلة، وإعادة الاعتبار إلى السياسة باعتبارها وسيلة لحل النزاعات لا لتأجيجها.
موسكو و استثمارها الانقسام الفرنسي
إلى جانب أزماتها الداخلية، تواجه فرنسا تحدياً آخر يتمثل في محاولات التأثير الخارجي في الرأي العام وتضخيم الانقسامات السياسية والاجتماعية. وقد زعمت مؤسسات فرنسية مختصة عمليات تأثير روسية استهدفت البيئة المعلوماتية الفرنسية والأوروبية، بما فيها حملات تضليل رقمي تسعى إلى نشر روايات مضللة وإضعاف الثقة بالمؤسسات و تورط الرئاسة الفرنسية بملفات أبستين و غيرها و زعمت ايضاً محاولات الكرملن إشغال فرنسا بالانقسامات الداخلية بدلاً من التدخل بملف أوكرانيا، إذ حتى و لو لم تكن روسيا وراء تنظيم أو دعم الاحتجاجات لكن المشهد السياسي يعكس استفادتها من الأزمة الفرنسية بما يخص ملف أوكرانيا على وجه الخصوص .
. وتكمن خطورة هذه العمليات في أنها لا تحتاج إلى صناعة الأزمات من الصفر؛ يكفيها أن تستثمر خلافات موجودة، وتضخم المخاوف، وتدفع الجماعات المتنازعة إلى مزيد من الشك والعداء.
فرنسا أمام اختبار لا تحتمل معه ازدواجية المعايير
لا تستطيع فرنسا حماية نموذجها الجمهوري عبر خطاب حقوقي لا يقترن بقدرة فعلية على إنفاذ القانون، كما لا تستطيع معالجة أزمة الاندماج بتحويل المهاجرين إلى متهم جماعي أو التعامل مع الاختلاف الثقافي بوصفه خطراً في حد ذاته. المطلوب أن تكون القواعد واضحة على الجميع: لا تمييز بسبب الأصل أو الدين، ولا حصانة من المساءلة بسبب الهوية، ولا تسامح مع العنف تحت أي شعار. فالتعددية لا تعني أن تتنازل الدولة عن مبادئها، والاندماج لا يعني أن يتخلى الإنسان عن خصوصيته، بل أن يقبل العيش مع الآخرين على أساس المساواة والحقوق والواجبات.
فما يحصل في فرنسا اليوم ليس أزمة شوارع وحدها، بل أزمة ثقة في قدرة الجمهورية على التوفيق بين الحرية والأمن، وبين التنوع ووحدة القانون، وبين الضيافة الإنسانية وحماية النظام الديمقراطي. وإذا كانت أوروبا قد اختارت حماية الإنسان من الاضطهاد، فإن الحفاظ على هذا الخيار يتطلب أيضاً رفض كل ممارسة تهدد المجتمع المضيف أو تنقض مبادئ المساواة والتعايش. فالإنسانية لا تعني التساهل مع العنف، والتسامح لا يعني قبول التعصب، والديمقراطية لا تعني أن يُترك المجال العام لمن يحاول إخضاعه بالقوة. والتحدي الحقيقي أمام فرنسا ليس إغلاق أبوابها، ولا التغاضي عما يجري داخلها، بل إثبات أن الجمهورية الفرنسية قادرة على حماية كرامة الإنسان وحقوقه، وفي الوقت نفسه فرض احترام القانون على الجميع، من دون خوف أو انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
المصادر والمراجع
وكالة فرانس برس (AFP)، «النهب والحرائق والاشتباكات في فرنسا خلال الاحتجاجات الوطنية»، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
صحيفة لوموند (Le Monde)، «الاحتجاجات الفرنسية وأعمال التخريب والفوضى»، أكتوبر/تشرين الأول 2026.
صحيفة لوموند (Le Monde)، «أزمة الثقة السياسية والضغوط المتزايدة على الحكومة الفرنسية»، أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وكالة رويترز (Reuters)، تغطية الاحتجاجات الفرنسية وتداعيات أعمال العنف والتخريب، أكتوبر/تشرين الأول 2026.
صحيفة لوموند (Le Monde)، تقارير حول التدخل الروسي والتأثير في المشهد السياسي الفرنسي، 2026.
هيئة اليقظة والحماية من التدخلات الرقمية الأجنبية (VIGINUM)، الأمانة العامة للدفاع والأمن القومي الفرنسية، «رصد عملية تدخل رقمي أجنبي تستهدف إيمانويل ماكرون»، 6 فبراير/شباط 2026.



