مقالات

النفط يحترق.. ولكن من الذي سيُحرق فعلاً؟

المشهد الروسي اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو لحظة “كسر عظم” حقيقية. أوكرانيا، بمسيراتها الرخيصة نسبياً، نجحت في فعل ما عجزت عنه عشرات حزم العقوبات الغربية: لمست شريان الاقتصاد الروسي النابض.

الأرقام تتحدث بوضوح، ولكن ليس بالمعنى الذي يظنه البعض:
فقد تكبدت مصافي النفط الروسية خسائر تشغيلية فادحة، حيث توقف نحو 15-20% من طاقة التكرير في الربع الأول من 2026، وهوت صادرات المشتقات النفطية في بحر البلطيق بنسبة تجاوزت 30%. نعم، إنها ضربة موجعة، وكبدت شركات النفط الروسية خسائر تقدر بمليارات الروبلات.

ولكن من قال إن الحرب تُربح بالاقتصاد فقط؟

هذا هو الخطأ القاتل في التحليل الغربي. ضرب المصافي لن يوقف الدبابات الروسية؛ لأن الاقتصاد الروسي تحول منذ عام 2022 إلى اقتصاد “حرب البقاء”. الميزانية تُرتب وفق سعر برميل النفط عند 70 دولاراً، وأي انخفاض يُعوض بزيادة في الإنفاق الدفاعي الذي التهم أكثر من 40% من الموازنة العامة. بمعنى أدق: الروس لا يبنون مدناً جديدة، بل يبنون مصانع للذخيرة. احتراق النفط يعني تأخير الرواتب، ولكنه يعني أيضاً تأكيداً لدى الكرملين بأن “الوقت حان لتغيير أوراق اللعبة”.

النووي التكتيكي لم يعد خياراً، بل أصبح ورقة تفاوضية مكشوفة على الطاولة.

الداخل الروسي يغلي، نعم. ولكن غليانه ليس كغليان ساحة التحرير أو ميدان الاستقلال. غليانه هو “تذمر رجال أعمال ومصفين” أمام الكرملين، يطلبون حماية مصافي التكرير. وهذا التذمر، في السياسة الروسية، لا يُترجم إلى ثورة شعبية، بل يُترجم إلى أمر ملكي بتصعيد الردع. روسيا ليست دولة ليبرالية، ومن يظن أن بوتن سيُطاح به لأن البنزين سعره ارتفع، فهو واهم. روسيا دولة “عمودية”، وفي لحظات الأزمات، يتشدد العمود، لا ينكسر.

أما عن لعبة الشرق الأوسط، فهي النقطة الأكثر عبقرية في حسابات بوتين.

الحقيقة أن بوتين ينتظر أن “تتولع” المنطقة، ليس لأنه يحب الفوضى، بل لأنه يعرف أن أمريكا وإسرائيل، بانغماسهما في مستنقع إيران وحزب الله، ستُضطران لتخفيف الضغط على الجبهة الأوكرانية. الأسعار العالمية للنفط سترتفع حتماً مع أي تصعيد في مضيق هرمز، وهذا سيعوّض روسيا عن خسائر مصافيها. بل الأكثر من ذلك، أن أي انشغال أمريكي في الشرق الأوسط هو بمثابة “إجازة” للجيش الروسي على جبهة خاركيف. إنها لعبة ماتريوشكا؛ كلما انفتحت مشكلة، وجدت أخرى أسفل منها.

السؤال الأهم: هل التصعيد النووي التكتيكي وشيك؟

التقديرات تشير إلى أن روسيا تمتلك نحو 2000 رأس نووي تكتيكي. استخدام واحد منها في منطقة سوداء أو فوق البحر الأسود كـ”طلقة تحذيرية” لن يدمر العالم، ولكنه سيدمر قواعد الاشتباك الدولية بشكل كامل. بوتين يدرك أن الغرب خائف من هذا السيناريو أكثر مما يظهر. لذا، فإن ضربات المسيرات ليست سبباً للحرب النووية، بل هي ذريعة لتسريعها. فكلما ضاقت الخناق على النفط، أصبحت “الفعالية النووية المحدودة” أكثر إغراءً لرد الاعتبار العسكري والنفسي.

في الختام:
التوازي الذي يحدث اليوم بين سقوط الطائرات المسيرة على مصافي تتارستان، واحتراق الدبابات في غزة، وتصريحات واشنطن المتناقضة، هو مشهد مذهل حقاً. إنه كفيلم وثائقي عن نهاية النظام العالمي القديم.

وكل هذا يصب في مصلحة الرجل الذي يجلس في القبو في الكرملين، لأنه يرى أن الوقت يعمل لمصلحته. الغرب يريد إطالة أمد الحرب لإفقاده، لكنه في الحقيقة يمنحه شرعية البقاء في حالة حرب دائمة.

لذا، من منظوري الخاص:
نعم يا زيلينسكي، واصل الضرب. لأن كل مسيرة تُسقطها على مصفاة، إنما تُقرّبنا من مشهد “الزر الأحمر”، وهذا المشهد، مهما كان جنونياً، سيكون هو الفاصل الحقيقي.

والجمهور الروسي؟ دعه يغلي. فغليانه يزيد من قسوة القيادة، لا من ليونتها. ففي روسيا، عندما تغلي القدر، تُغطى بغطاء أثقل، لا تُرفع عنها.

المشهد ممتع بالفعل، ونحن ننتظر المزيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى