
محاولة لفض الاشتباك بين الدين والدولة
خالد فياض – باحث سياسي في الشؤون العربية
عندما سئل الكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل عن الحوارات التي تجري بين الفينة والاخرى عن ما يسمي بالدولة الدينية والدولة العلمانية اجاب بأن “هذه الحوارات كان من الاهمية ان تطرح في القرنين السابع عشر و الثامن عشر وليس في القرن الحادي والعشرين” ، وهو ما يفرض ضرورة تجاوز هذا النوع من التجاذبات العنيفة احيانا والخبيثة احيانا اخرى التي تحدث من حين لآخر في ارجاء وطننا العربي من اجل تصالح هادئ بين الخطابين الديني والعلماني دون تكفير من الاول للثاني او تهميش واقصاء من الثاني للاول وهو ما اصبح آفة عالمنا اليوم .
الا انه من الاهمية انه مع هذا التصالح المرتجى ان تكون هناك امور واضحه في اذهان اصحاب الخطابين فالمسافة بين الدين وبين الدولة يجب أن تتسع وتبقى في حدودها الدنيا،فالدولة المعاصرة ليست دولة دينية، بل هي دولة مدنية حديثة وعادلة لها مواصفات غير قابلة للخلط بالأفكار الدينية .
وما قول عثمان بن عفان الخليفة الراشد الثالث ( إن الله يزرع بالسلطان ما لايزرع بالقرآن) إلا تأكيد على أن الدولة شيء والتديّن شيءآخر،والمشترك بينهما هي القيم الكبرى، منها الحرية وقبول الآخر و العدل والتسامح والتعددية ، أما ما يجب أن يحكم المواطن فهو القانون الموضوع من الناس، والمتعارف عليه بينهم وبرضاهم .وهذا القانون بطبيعته متغير بتغير ظروف الزمان والمكان ليستجيب لحاجات الناس وتطلعاتهم في كل عصر دون اشتباك او اصطدام بقواعد الدين الثايتة والواضحة .
الا انه يؤخذ على الخطاب الديني في الفترة الاخيرة ذلك الاستغراق المغالى فيه في الشأن السياسي والذي أدّى إلى التفريط بالكثير من مسئوليات الخطاب الديني الروحية والأخلاقية، فإذا كانَ من حق الخطاب الديني أن يقارب المسألةَ السياسية، فهذا يجب ألا يكون على حساب بقية المسئوليات والتي تشكل المفاصل الأساسية في هذا الخطاب، وإذا كان الشأن السياسي يملك درجة من الأهمية، فالمفاصل الأخرى كذلك تملك كل الأهمية وبدرجة أكبر، فصحيح أن تحديات السياسة تفرض أن يكون للخطاب الديني حضور، إلا أن تحديات العقيدة والفكر والأخلاق والاجتماع والسلوك في كل امتداداته هي الأخطر .
وفي ذلك يرى بعض علماء ورجال الدين المعاصرين أن التأصيل العقيدي والفكري والفقهي والأخلاقي هو ضرورة لتسييجِ وترشيدوتحصين مسارات السياسة، وإلا انفلتت هذه المسارات، وانحرفت آلياتها، و تبعثرت أدواتها، وما يُشاهد في عالم السياسة من انحرافات وانزلاقات نحو العنف، والتطرف والإرهاب، هو نتيجة غياب المحصنات الروحية والأخلاقية، ، وعليه فمن صالح الأوضاع السياسية أن تكون في منأى عن خلافات الدين، وصراعات المذاهب، وجدليات الفقه.
ان الخطاب الديني المعاصر يعاني من العديد من الأزمات ، فرضت على الجميع مسلمين وغير مسلمين ضرورة التعامل معه تارة بالتحديث والتطوير ،وتارة ثانية بالاقصاء والاستبعاد، وتارة ثالثة بالاشتباك الحواري المتدرج ، وهي انواع من التقاربات ادت احيانا الى صدامات بين السلطة السياسية أحيانا وبين المجتمع حينا أخر،وهو ما أدى إلى ظهور ما عرف لاحقا باسم الاسلاموفوبيا والتي انتشرت على وجه الخصوص في الغرب وأدت إلى قدر كبير من الحساسية الاجتماعية في التعامل مع كل ما هو إسلامي في بعض المجتمعات .
إن ما يحدث في عالم اليوم هو نتاج أحقاب زمنية طويلة من التراخي في أمور تجديد الخطاب الديني مما افرز – – أجيال من المغيبين بشكل كامل عن الثقافة الإسلامية أو المندمجين معها في شكلها الظاهري النصي وخاصة في جزئها الحركي والمتمثل في الحركات السياسية الإسلامية التي اصطدمت بالسلطة السياسية في مجتمعاتها . وأدت الى ما أدت في تلك الدول .
إن عقل آخر ينظر إلى الدين نظرة تعاونية تعايشية تكاملية غير صدامية اصبحت ضرورة تقتضي من القائمين على ذلك الخطاب ضرورة إحداث صحوة حقيقية في تجديده ، صحوة تسمح للجميع أن يشترك في حوار موسع مستدام ومتواصل حول ضرورة الفصل بين ما عقلي وما هو نقلي ، وبين ما هو مقدس الهي وما هو عقيدي بشري اجتهادي، بين ما هو ديني وما هو علماني ، على أن يكون هذا الحوار منفتحاً على كافة الآراء والأفكار من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دون إقصاء آو تخوين آو تسفيه او تكفير ، تحت الرعاية والحماية الكاملة لمؤسسات الدولة المدنية الحديثة القوية والمتماسكة دون تفريط في أركانها أو تعديل في قيمها ، وبإيمان كامل أن إدارة الحوار وبداياته تقتضي قدرا من الحرفية في التعامل مع أقطابه ومختلفيه بشكل استيعابي احتوائي يؤمن بأن الجميع جزء من وطن واحد يؤمنون به ويتعايشون معه بعيدا عن خطاب تلك الجماعات الارهابية التي نالت من التفسيرات الدينية المعتدلة وشوهتها . وهو أمر ممكن لو خلصت النوايا.



