قضايا وتحليلات

«النهر مقابل البحر».. هل تفتح إثيوبيا باب التسوية مع مصر أم تعيد تدوير أزمة سد النهضة؟

أثار حديث وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، بشأن إمكانية التوصل إلى صفقة مع القاهرة، تقوم على مساعدة مصر لإثيوبيا في الحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، مقابل التوصل إلى تفاهمات بشأن حقوق مصر المائية في نهر النيل، جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية المصرية، وسط تباين في تقدير أبعاد الطرح ودوافعه وتداعياته المحتملة.

وجاءت تصريحات الوزير الإثيوبي خلال مقابلة مطولة أجرتها معه قناة «فانا» الإثيوبية المحلية، ونُشرت الخميس 5 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، تناول خلالها عددًا من الملفات الإقليمية والاستراتيجية، في مقدمتها أزمة سد النهضة ومستقبل العلاقات مع مصر والسودان.

وأثار الطرح الإثيوبي غير الرسمي، الذي تداولته وسائل إعلام مصرية تحت مسميات عدة، أبرزها «الماء مقابل الموانئ» و«النهر مقابل البحر»، انقسامًا في تقديرات الخبراء والمحللين المصريين؛ فبينما يرى فريق أنه قد يمثل مدخلًا لإعادة تحريك المفاوضات المتعثرة وفتح آفاق لتفاهمات تقوم على المصالح المتبادلة، يحذر فريق آخر من أن يكون محاولة لإعادة تدوير الأزمة بصيغة تفاوضية جديدة، تتيح لأديس أبابا كسب مزيد من الوقت دون تقديم التزامات قانونية واضحة وملزمة بشأن سد النهضة.

بدايةً، تجدر الإشارة إلى أن الطرح الإثيوبي لا يمكن التعامل معه باعتباره عرضًا رسميًا مقدمًا من أديس أبابا إلى القاهرة، إذ إن التصريحات جاءت في سياق مختلف عما جرى تداوله والترويج له إعلاميًا، فقد تناول اللقاء، الذي امتد لنحو ساعة كاملة، مجموعة من الملفات والقضايا الاستراتيجية، كانت العلاقات مع مصر واحدة منها، إلى جانب العلاقات مع السودان، والرؤية الإثيوبية لمستقبل التنمية، وسبل تعظيم الاستفادة من الموارد المائية للبلاد.

وجاءت المقابلة في إطار فعاليات النسخة الثالثة من أسبوع المياه والطاقة الإثيوبي، الذي يركز على السياسات المائية والبحث العلمي ونقل التكنولوجيا، فضلًا عن استعراض آليات الإدارة العلمية والشفافة للموارد المائية، بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الازدهار الاقتصادي لإثيوبيا ودول الجوار.

وخلال اللقاء، وجّه الوزير الإثيوبي انتقادات حادة إلى القاهرة، متهمًا المواقف والتصريحات المصرية بشأن سد النهضة بالتخبط والتناقض، ومطالبًا مصر بالاعتذار عما وصفه بالسياسات التاريخية التي أعاقت مشروعات التنمية الإثيوبية، على حد تعبيره.

واستند الوزير في انتقاداته إلى قيام مصر بإنشاء السد العالي وتنفيذ مشروعات مائية وتنموية كبرى، من بينها مشروع توشكى وترعة السلام، دون التشاور مع دول المنابع، معتبرًا أن تلك السياسات تجاهلت ما وصفه بالحقوق التاريخية لدول المصدر في الاستفادة من موارد النيل.

وفي سياق متصل، استعرض الوزير ملامح الرؤية الاستراتيجية الإثيوبية للمرحلة المقبلة، موضحًا أنها ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، تتمثل في تعظيم الاستفادة من الموارد المائية، وتطوير قطاع الطاقة، وتأمين الوصول إلى البحر الأحمر، باعتبارها ركائز أساسية لتعزيز السيادة الوطنية وتحقيق الأمن الغذائي ودفع عجلة التنمية الاقتصادية.

وبذلك، جاءت الإشارة إلى مقايضة النهر بالبحر الأحمر في إطار رؤية إثيوبية أشمل تربط بين المياه والطاقة والمنافذ البحرية بوصفها محددات استراتيجية لمستقبل البلاد، وليس في سياق إعلان رسمي عن صفقة ثنائية مكتملة الأركان مع القاهرة كما حاول البعض تسويقها على تلك الكيفية.

تأتي تصريحات وزير الري الإثيوبي قبل ثلاثة أيام فقط من تأكيد مصر والسودان موقفهما المشترك الرافض لمنح الدول غير المشاطئة للبحر الأحمر منافذ بحرية، وهو الموقف الذي ورد في الإعلان المشترك الصادر عقب الجولة الثالثة من اجتماعات الآلية التشاورية «2+2» لوزراء الخارجية والري في البلدين، التي استضافتها القاهرة يوم الاثنين 2 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري.

وشدد الجانبان، خلال الاجتماعات، على ضرورة احترام مبدأ حرية الملاحة، مع التأكيد أن حوكمة البحر الأحمر تظل مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وفقًا لقواعد القانون الدولي، ورفض أي محاولات لاستغلال الاضطرابات والتوترات الإقليمية ذريعةً لعسكرة البحر الأحمر، أو فرض ترتيبات أحادية من شأنها المساس بسيادة دول المنطقة ووحدة أراضيها، أو الإخلال بالتوازنات الأمنية والاستراتيجية القائمة.

وجاء هذا التأكيد في سياق مباحثات موسعة تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين القاهرة والخرطوم، وتطوير أوجه التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والمائية والثقافية والاجتماعية والإنسانية، إلى جانب تبادل الرؤى بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، والتأكيد على ضرورة التمسك بالمبادئ والقواعد الحاكمة للعلاقات الدولية، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، بما يسهم في حماية الأمن الإقليمي والحفاظ على استقرار المنطقة.

أثار الطرح الإثيوبي، أو ما بات يُعرف إعلاميًا بـ«المقايضة»، تباينًا في المواقف والتقديرات داخل الأوساط السياسية المصرية، بين من يرى فيه فرصة لإعادة تحريك المفاوضات المتعثرة بشأن سد النهضة، ومن يتعامل معه بحذر في ضوء التجارب السابقة مع أديس أبابا.

وفي هذا السياق، يرى البرلماني السابق ونائب رئيس مركز الأهرام للدراسات، عماد جاد، أن الطرح الإثيوبي يعكس تحولًا في الموقف الذي اتسم بالتشدد إزاء ملف مياه النيل، معتبرًا أنه يمثل مدخلًا يمكن البناء عليه لفتح باب النقاش والتفاوض، وصولًا إلى تفاهمات تحقق مصالح الأطراف المعنية.

واستند جاد في رؤيته إلى الاعتبارات التاريخية والجغرافية، موضحًا أن إثيوبيا كانت تمتلك، قبل استقلال إريتريا، امتدادًا ساحليًا طويلًا على البحر الأحمر، غير أن انفصال إريتريا أفقدها هذا الامتداد وما يضمه من موانئ استراتيجية، وحوّلها إلى دولة حبيسة تفتقر إلى منفذ بحري مباشر.

وبحسب تقديراته، فإن هذا الواقع يفتح المجال أمام مفاوضات جادة تفضي إلى اتفاق قانوني بين إثيوبيا وإريتريا، يتيح لأديس أبابا الحصول على منفذ أو ميناء على البحر الأحمر، شريطة اقتصار استخدامه على الأنشطة المدنية والتجارية، وعدم السماح بإقامة قواعد عسكرية فيه.

وذهب جاد إلى طرح تصور أكثر اتساعًا، يتمثل في إمكانية مناقشة تبادل أراضٍ بين البلدين، تحصل بموجبه إريتريا على مساحة من شمال إثيوبيا في المناطق التي تقطنها قومية التيجراي، في إطار تسوية جغرافية وسياسية أشمل، مستندًا في ذلك إلى الروابط العرقية والامتدادات السكانية عبر الحدود بين البلدين.

وخلص البرلماني السابق إلى أن الطرح الإثيوبي يمكن قبوله من حيث المبدأ بوصفه أساسًا للتفاوض، شريطة إسناد إدارة هذا الملف إلى فريق مصري محترف يضم متخصصين في القانون الدولي، ولا سيما قانون البحار، إلى جانب خبراء في الدبلوماسية والتفاوض والأمن القومي، بما يضمن دراسة أبعاد أي تفاهم محتمل وتداعياته القانونية والاستراتيجية.

ولم يقصر جاد رؤيته على ملفي مياه النيل والبحر الأحمر، بل وسّع نطاقها لتشمل الأزمة السودانية، معتبرًا أن هذا المسار التفاوضي قد يمثل فرصة لمعالجة ملفات إقليمية أخرى، وفي مقدمتها ما وصفه بالتدخل الإثيوبي في السودان، واختتم حديثه بالقول: “أعتقد أنها فرصة أيضًا يمكن استغلالها في وقف، بل إنهاء، التدخل الإثيوبي في السودان، ومن ثم إنهاء الحرب بدحض ميليشيا الدعم السريع”.

في المقابل، تبنّى الكاتب الصحفي وعضو مجلس الشيوخ المصري، محمود مسلم، موقفًا مغايرًا، معتبرًا أن محاولة الربط بين ملف مياه النيل والطموحات الإثيوبية للحصول على منفذ بحري تمثل خلطًا غير منطقي للأوراق، وسعيًا لصرف الأنظار عن أزمة سد النهضة والالتزامات المتعلقة بحقوق دول المصب المائية، مشددًا على أن مصر لن تقبل تحويل حقوقها التاريخية والقانونية في مياه النيل إلى ورقة للمساومة مقابل ترتيبات تمس حقوق دول أخرى ذات سيادة.

وخلال مواجهة تلفزيونية مع النائب الإثيوبي محمد العروسي، عبر قناة «المشهد»، أكد مسلم أن أديس أبابا كان عليها إثبات حسن نواياها في ملف سد النهضة قبل مطالبة القاهرة بإبداء مرونة تجاه مطالبها البحرية، لافتًا إلى أن قضية الوصول إلى البحر الأحمر شأن يخص إثيوبيا والدول الساحلية المعنية، وفي مقدمتها إريتريا، التي تتمتع بسيادة كاملة على أراضيها وموانئها، ومن ثم لا تملك مصر صلاحية التفاوض نيابة عنها أو التصرف في حقوقها السيادية.

وأوضح مسلم أن القاهرة تتعامل مع قضية النيل باعتبارها مسألة حقوق مائية في نهر دولي تحكمه قواعد القانون الدولي، بينما تسعى إثيوبيا، بحسب تقديره، إلى إقحام ملف البحر الأحمر في معادلة لا تربط بين طرفيها علاقة قانونية مباشرة، مستشهدًا بوجود 16 دولة أفريقية حبيسة لا تمتلك سواحل بحرية، متسائلًا عن منطق منح إثيوبيا معاملة استثنائية، في حين أن تطبيق المبدأ ذاته يستلزم تعميمه على بقية الدول التي تواجه ظروفًا جغرافية مماثلة.

وشدد عضو مجلس الشيوخ على أن الأمن المائي المصري لا يقبل المساومة أو الخضوع لحسابات المقايضة السياسية، مؤكدًا أن «النيل بالنسبة لنا حياة وليس مجرد نهر»، وأن القاهرة ترفض إقامة مشروعات جديدة على مجراه دون موافقة مصرية واضحة، في ضوء ما تعتبره حقوقًا والتزامات قانونية تحكم استخدام مياه النهر.

واعتبر مسلم أن تجربة سد النهضة وما صاحبها من خلافات ومفاوضات ممتدة تفرض على مصر عدم الاكتفاء بالتعهدات السياسية الإثيوبية ما لم تقترن بضمانات واضحة والتزام فعلي بما يتم الاتفاق عليه، مؤكدًا أن القاهرة لن تقبل تكرار السيناريو ذاته في أي مشروعات مائية مستقبلية.

واختتم بالتأكيد على أن إدارة الأنهار الدولية تستند في العديد من التجارب العالمية إلى آليات مؤسسية للتنسيق والتعاون بين الدول المتشاطئة، بما يضمن تنظيم استخدام الموارد المائية المشتركة، والحد من الإجراءات الأحادية، وتسوية الخلافات وفق أطر قانونية وفنية متفق عليها.

من جانبه، تبنّى السفير فوزي العشماوي مقاربة أكثر انفتاحًا على الطرح الإثيوبي، الذي وصفه بالمهم، معتبرًا أن الحكم عليه بالقبول أو الرفض يظل سابقًا لأوانه، ما لم تتضح تفاصيله ومضامينه ومدى جديته، فضلًا عن إمكانية تطويره وإدخال تعديلات عليه تتيح تحويله إلى مدخل لتسوية شاملة ونهائية لمختلف القضايا الخلافية بين القاهرة وأديس أبابا.

وأوضح العشماوي أن أي تفاهم محتمل ينبغي أن يتجاوز حدود المقايضة الجزئية، ليشمل معالجة جذور الخلافات بين البلدين، وفي مقدمتها أزمة سد النهضة، وقواعد تشغيله، وضمان احترام حقوق مصر التاريخية في مياه النيل، إلى جانب إنهاء حالة التوتر والعداء وتصفير الخلافات التي أعاقت العلاقات الثنائية، بما يفتح المجال أمام توجيه جهود البلدين نحو التنمية والتقدم، ويجنبهما الانزلاق إلى مواجهة قد تترتب عليها خسائر سياسية واقتصادية واستراتيجية للطرفين.

وشدد الدبلوماسي المصري على أن الانفتاح على فرص التسوية لا ينبغي أن يكون بمعزل عن التدقيق في الضمانات وآليات التنفيذ، والتثبت من قدرة أي اتفاق محتمل على حماية المصالح المصرية ومنع تكرار أزمات الماضي، معتبرًا أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين اغتنام فرصة قد تفضي إلى سلام تاريخي، والحذر من تكرار تجربة إعلان المبادئ الموقع عام 2015 وما أثير بشأنه من خلافات حول تفسير الالتزامات وتنفيذها.

وخلص العشماوي إلى أهمية التعامل مع الطرح بحسابات سياسية واستراتيجية دقيقة، تحول دون إهدار فرصة محتملة لإنهاء الخلاف الممتد مع إثيوبيا، وفي الوقت ذاته تضمن عدم تقديم تنازلات أو الدخول في تفاهمات تفتقر إلى الضمانات القانونية والعملية الكفيلة بحماية الحقوق والمصالح المصرية.

في الأخير، ورغم أن الطرح الإثيوبي لم يرتقِ إلى مستوى العرض الرسمي المباشر، فإن ردود الفعل الأولية على جانبي الأزمة تكشف عن عمق أزمة الثقة التي باتت تحكم العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا، وتراجع الحد الأدنى من المصداقية المتبادلة اللازمة للتعاطي الجاد مع أي مبادرات تستهدف تجاوز الخلافات القائمة، وهو ما يمكن قراءته بوصفه امتدادًا طبيعيًا لتراكمات أكثر من عقد من المفاوضات المتعثرة بشأن سد النهضة، وما شابها من مماطلة وتسويف وتباين في المواقف، الأمر الذي أفضى إلى اتساع فجوة الثقة وتعقيد فرص التوصل إلى تسوية مستدامة.

(الترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى