مقالات

حرية الإيمان وحماية الهوية الوطنية

إن حرية الإيمان حق إنساني أصيل فلا يكون الإيمان صادقًا إذا فُرض بالقوة والتدليس  ولا يمكن ان تكتسب العقيدة قيمتها من الإكراه أو التقليد الأعمى المتخلف بل من قناعة الإنسان ووعيه. لذلك لا يجوز أن نفتش في ضمائر الناس أو نحاسبهم على ما يعتقدون ما دامت تلك المعتقدات لا تتحول إلى أذى أو عدوان أو تهديد للمجتمع او الاضرار بهويته الوطنية.

لكن حرية الاعتقاد لا تعني الفوضى ولا تبيح إدخال ممارسات غريبة وطقوس سيخية ومجوسية وبوذية إلى المناسبات الدينية والاجتماعية في العراق بما يسيء إلى هويته وشخصيته التاريخية. وهنا يمكننا القول (من حق الإنسان أن يؤمن بما يشاء، حتى لو آمن بحجر، لكن ليس من حقه أن يرمي هذا الحجر على الآخرين)، أو يجعله وسيلة لإيذاء المجتمع وتمزيق هويته الوطنية. فالاعتقاد الخاص حق أما تحويله إلى أداة استفزاز أو تشويه للمجتمع  فهذه ليست حرية بل اعتداء على معنى الحرية ذاتها .

 إن الدفاع عن الهوية العراقية ليس رفضًا للآخر ولا كراهية للثقافات المختلفة ولا انتماءا مذهبيا بل هو دفاع عن ذاكرة وطن وشخصية شعب. فالعراق ليس أرضًا بلا تاريخ ولا مساحة فارغة يمكن أن تُملأ بأي طقوس أو تقاليد وافدة من مواقع التخلف ، بل وطن عميق الجذور تشكلت شخصيته عبر حضارات وادي الرافدين، وامتداده العربي والإسلامي، وتنوعه الأصيل وعاداته الاجتماعية التي صنعت الإنسان العراقي عبر قرون طويلة.

وهنا تتجلى لنا  أهمية رؤية ابن خلدون *1 في فهمه العميق لطبيعة المجتمع والدولة، إذ لم يرَ الدولة مجرد سلطة تحكم الناس بل عمرانًا لا يقوم إلا على رابطة جامعة تمنح الجماعة تماسكها ومعناها. فالمجتمع في نظره، لا يبقى حيًا بمجرد وجود الأفراد بل بوجود شعور مشترك يربطهم بتاريخ واحد ومصير واحد.

ان الهوية الوطنية ليست شعارا سياسيًا عابرا، بل شرطًا وجوديًا لبقاء المجتمع. فهي الذاكرة التي تحفظ وعيه والرابطة التي تمنع تفككه والمعنى الذي يجعل أفراده يشعرون بأنهم ينتمون إلى وطن لا إلى مساحة جغرافية فقط. فإذا ضعفت هذه الهوية بالخرافات والجهل ، أصبح المجتمع قابلًا للاغتراب من روحه وأكثر استعدادًا لقبول كل ما يهدد ذاكرته ووحدته واستقراره.

إن الخطر لا يأتي دائمًا من الصراعات العنيفة ، بل ياتي من ابعاد المجتمع عن هويته، ومن جعل أبنائه عاجزين عن تعريف أنفسهم إلا بما يستورده من خرافات دخيله على حدوده وثقافته واعرافه . وتزداد خطورة ذلك حين ينتشر الجهل ويضعف الوعي فيصبح البعض أكثر قابلية لتقبّل ممارسات غريبة بوصفها تدينًا أو طقوس عبادة  من غير تمييز بين ما يثري الهوية وما يشوهها. فالجهل لا يهدد التعليم وحده بل يهدد الذاكرة الوطنية أيضًا وهذا ما يستند اليه أصحاب الغايات المظلمة .

إن الجهل الممنهج المتبع اليوم في العراق لا ينتج فراغًا معرفيًا فحسب، بل يصنع قابلية اجتماعية لقبول ما يجري اليوم من طقوس دخيلة وممارسات منافية للقيم العراقية الدينية والاجتماعية ،ما يجعل معركة الهوية معركة وعي قبل أن تكون معركة شعارات ، معركة ضد المؤامرة .

وفي المقابل، يضع جون ستيوارت مِل *2 في كتابه عن الحرية مفهوم جاد، وهي ( أن حرية الفرد تُحترم ما دامت لا تسبب ضررًا للآخرين). وهذا المبدأ يساعدنا على التمييز بين حرية الضمير المشروعة وبين الفعل المؤذي والتالف للهوية الوطنية. فالإنسان حر في اعتقاده لكن هذه الحرية تتوقف حين تتحول إلى ضرر اجتماعي أو تشويه للهوية أو اعتداء على السلم المجتمعي .

إن صيانة الهوية العراقية لا تعني الانغلاق أو رفض الآخر، بل تعني امتلاك وعي نقدي يميز بين التفاعل الحضاري النافع والاستلاب الثقافي الذي يمحو الخصوصية. فالعراق يستطيع أن ينفتح على العالم في مجالات العلم والإدارة والقانون والتكنولوجيا، وأن يستفيد من تجارب الأمم في بناء الدولة والإنسان، لكنه ليس مطالبًا بأن يستورد طقوسًا أو ممارسات لا تنبع من تاريخه ولا تعبّر عن وجدانه الاجتماعي. فالانفتاح الحقيقي يضيف إلى شخصية الوطن ويقوّيها، أما التقليد الأعمى المتخلف فيحوّل المجتمع إلى تابع فاقد لذاكرته وروحه.

ان الصراع في العراق اليوم ليس من اجل الخدمات وطبيعة النظام السياسي فحسب بل معركة وعي وهوية. فمنذ الاحتلال تعرّض العراق لاختراقات سياسية وثقافية عميقة، ساهمت في إنهاء الدولة وانتشار الجهل واضعاف الوعي الوطني. وهذا الواقع لا يخدم إلا من يريد عراقًا ضعيفًا، مشتتًا غارقًا في ظلام العقول عاجزًا عن النهوض والدفاع عن شخصيته التاريخية.

 فإن حماية الهوية العراقية ضرورة وطنية وأخلاقية، لا ترفًا فكريًا ولا تعصبًا ضد الآخرين. فالعراق لا ينهض باستيراد طقوس غريبة منافية لقيمه الدينية والاجتماعية والأخلاقية ، ولا بافراغ مناسباته من معناها، بل بالعلم والوعي وصيانة الذاكرة وبناء الإنسان. فالحرية مسؤولية والإيمان الصادق طمأنينة لا أذى، والانفتاح لا يكون قوة إلا حين يحفظ روح الوطن وهويته .

آمن بما تشاء، لكن لا تؤذِ بما تؤمن به ولا تهدم بيتك تحت سقف احياء المناسبات. فالحرية الحقيقية مسؤولية وللعراق حق أن يبقى عراقًا أصيلًا وحرًا بلا فوضى.

—–

  1. ابن خلدون: مؤرخ وفيلسوف اجتماعي عربي، تناول في كتابه المقدمة نشوء الدول وسقوطها، وبيّن أهمية الرابطة الاجتماعية أو العصبية في حفظ تماسك المجتمع والعمران.
  2. جون ستيوارت مِل: فيلسوف سياسي إنجليزي، أكد في كتابه عن الحرية أن حرية الفرد تُحترم ما دامت لا تسبب ضررًا للآخرين، وهو ما يُعرف بـ”مبدأ الضرر”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى