مقالات

مصر وإيران في سياتل.. المباراة التي بدأت قبل الصافرة

في فجر السابع والعشرين من يونيو 2026، لن تكون سياتل مجرد مدينة أمريكية تستضيف مباراة في كأس العالم، بل ستكون مسرحًا لاختبار قاسٍ لفكرة كأس العالم نفسها.

مصر وإيران دولتان تحملان ثقل التاريخ والجغرافيا والدين، تقفان وجهًا لوجه في ملعب، بينما ترفرف خارجه رايات مدينة قررت أن تحتفل بهويتها في التوقيت نفسه.

لم تعد كرة القدم لعبة. صارت مرآة ستقف في هذا اليوم لتكشف وجوهنا جميعًا. منتخبان يصلان وهما يحملان على ظهريهما تاريخًا وثوابت وعقائد لا تقبل المساومة. وبين الاثنين تقف فيفا مثل حكم مرتبك؛ تعرف القانون، لكنها لا تعرف كيف تطبقه على عالم لم يعد يؤمن بقانون واحد.

المباراة التي حكمت نفسها قبل أن تبدأ

الخطأ أن نظن أن الصراع هنا بين تقدم وتخلف، أو بين حرية وقمع. هذه لافتات جاهزة تريح من يرفعها، لكنها تقف أمام شرعية المنتخبين اللذين يقولان إن المشاركة في كأس العالم لا تعني التوقيع على بياض لكل طقس أو رمز يُفرض عليهما داخل المستطيل الأخضر الذي يمثلان فيه أوطانهما.

فيفا تعلمت الدرس في قطر. تعلمت أن العالم لا يُحكم بلائحة واحدة، وأن إرضاء المدرجات الغربية قد يكلفك خسارة نصف سكان الكوكب. لذلك ستترك المدينة تحتفل، وستترك الجمهور يرفع ما يشاء، لكنها ستقاتل حتى النفس الأخير لتمنع أي علم أو شعار أو أغنية رسمية من أن تظهر على أرض الملعب دون موافقة الطرفين. لأنها تدرك أن اللحظة التي يتحول فيها الملعب إلى منبر، هي اللحظة التي تنتهي فيها كرة القدم.

موقف مصر من احتفالية يونيو بين ضغط الشارع وحسابات الدولة

موقف مصر من احتفالية يونيو لا يمكن فهمه بمعزل عن التوتر الدائم بين الملعب والشارع. فالشارع المصري، بطبعه، محافظ، ويرى أن الدين والهوية ليسا مادتين للتفاوض أو المساومة. لذلك فإن فكرة انسحاب المنتخب إذا شعر أن هناك فرضًا لرمزية تتعارض مع ثوابته، تلقى قبولًا واسعًا وترحيبًا حقيقيًا. فالناس تعتبر أن خسارة مباراة أهون من خسارة مبدأ، وأن التاريخ سيسجل الموقف قبل أن يسجل النتيجة.

الاتحاد المصري يدرك نبض الشارع جيدًا. يعلم أن أي صورة من داخل الملعب قد تتحول في لحظة إلى غضب شعبي عارم، وأن شرعيته أمام جمهوره مرتبطة بقدرته على حماية ما يعتبره الناس خطوطًا حمراء. لذلك، فالضغط الجماهيري ليس هامشيًا أو تحصيل حاصل، بل هو الورقة الأقوى التي يلعب بها الاتحاد عندما يجلس على طاولة التفاوض مع فيفا.

الانسحاب قرار دولة تزن الربح والخسارة بميزان مختلف

لكن الدولة لها حسابات أخرى. الوصول إلى كأس العالم مشروع استغرق سنوات من التخطيط والمال والجهد. والحلم الذي يراود ملايين المصريين لا يمكن إلغاؤه بقرار انفعالي. فالانسحاب يعني عقوبات قاسية، وحرمان جيل كامل من اللاعبين الذين أفنوا أعمارهم من أجل هذه اللحظة، وخسارة مقعد سياسي ورياضي تعبت الدولة لاستعادته. لذلك، فالانسحاب لا يكون قرار جمهور، بل قرار دولة تزن الربح والخسارة بميزان مختلف.

من هنا يصبح تحرك مصر متوقعًا. ستخوض معركة دبلوماسية شرسة خلف الأبواب المغلقة لمنع أي مراسم أو فعاليات رسمية داخل الملعب. هذا هو جوهر الخلاف الفعلي. أما ما يحدث في شوارع سياتل أو ما يرفعه مشجع في المدرج، فستحاول الدولة أن تفصله عن موقف المنتخب، وأن تقنع الناس بأن المشاركة لا تعني الموافقة، وأن اللعب لا يعني التنازل.

لو نجحت فيفا في إبقاء الملعب محايدًا، وخلت المباراة من أي طقس رسمي مفروض، فالأرجح أن مصر ستلعب. ستصدر بيانًا اعتراضيًا تؤكد فيه ثوابتها وترفض كل ما يتعارض معها، لكنها ستدفع بلاعبيها إلى أرض الملعب. لأنها في هذه الحالة ستكون قد حققت هدفها: فصلت بين احتفال المدينة وبين مبدأ المنتخب وشرفه.

الانسحاب هو الخيار الأخير في هذه الحالة

أما إذا أصرت فيفا أو اللجنة المنظمة على إقحام فعالية رسمية داخل المستطيل الأخضر، فهنا يتغير كل شيء. يصبح الانسحاب هو الخيار الوحيد الذي يحفظ ماء الوجه أمام الشارع المصري، حتى لو كان ثمنه باهظًا. لأن الدولة حينها ستكون أمام معادلة بسيطة: إما أن تخسر مباراة، أو تخسر جمهورها.

الخلاصة أن ترحيب الجمهور بالانسحاب حقيقي وقوي، ويراه انتصارًا للعقيدة، وهو الذي يرسم للاتحاد حدود التفاوض مع فيفا. لكن التنفيذ الفعلي للانسحاب سيبقى معلقًا بسؤال واحد فقط: هل تحول الملعب نفسه إلى منبر؟

طالما بقيت المسألة في المدرجات وشوارع المدينة، فالأقرب أن مصر ستلعب، وستترك للبيانات مهمة الدفاع عن المبدأ، وللأقدام مهمة الدفاع عن الحلم. أما إن تحول الملعب إلى شيء آخر، فهنا ستنسحب الأقدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى