
قارة تُطعم العالم ويقتلها الجوع.. لماذا تتفاقم أزمة الأمن الغذائي في أفريقيا؟
عائد عميرة.. كاتب متخصص في الشأن المغاربي
تخصص المجموعة الدولية الـ16 من أكتوبر/تشرين الأول من كل سنة يوما عالميا للأغذية، فيه يتذكر العالم أن بينهم ملايين الجوع في مناطق متفرقة من المعمورة، فتنشر البيانات والأرقام وتّذرف الدموع لمصائب الجياع ومعاناتهم، لكن كل ذلك يُنسى بعد فضّ ركح المسرحية.
أرقام موجعة
لن نتحدث هنا عن جياع العالم أجمع فهم كُثر، بل سنخصص حديثنا عن أفريقيا التي لها أن تُطعم العالم كله ومع ذلك فهي القارة الأكثر جوعا، ففي تقريرين صدرا مؤخرا، تضم أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى سبع دول من إجمالي الدول الثماني المصنفة ضمن فئة الوضع المقلق للجوع العالمي، كما يوجد بها أكبر ثلاث أزمات حادة في مجال الأمن الغذائي على مستوى العالم.
وفق مؤشر الجوع العالمي، الذي نشرته منظمة “إغاثة جوعى العالم” الألمانية بالتعاون مع منظمتين شريكتين، تدهور وضع الجوع في 32 دولة، ويأخذ المؤشر في الحسبان معدلات نقص التغذية وسوء التغذية والوفيات بين الأطفال.
وسبق أن كشف تقرير الأزمات الغذائية العالمي الصادر في أبريل/نيسان 2026 أن نحو 266 مليون شخص في 47 بلدًا وإقليمًا واجهوا مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال عام 2025. وخلال العام نفسه، سُجّلت مجاعتان في أجزاء من قطاع غزة والسودان، للمرة الأولى في تاريخ التقرير الذي تصدره شبكة عالمية تضم مؤسسات دولية معنية بالأمن الغذائي.
هذه ليست مجرد أرقام في تقارير دولية جديدة؛ إنها مؤشرات على خلل يتجاوز قدرة الأسر الفقيرة على شراء الطعام، ويمتد إلى الطريقة التي تُدار بها النزاعات، وتُموَّل بها الاستجابات الإنسانية، وتُبنى بها الأنظمة الزراعية والاقتصادية في البلدان الأكثر هشاشة.
تبدو هذه الاختلالات أكثر وضوحًا في إفريقيا، فبينما تتواصل الحرب في السودان، وتتكرر الأزمات المناخية في القرن الإفريقي، وتتفاقم الصعوبات الاقتصادية في دول الساحل وغرب القارة، يجد ملايين السكان أنفسهم في مواجهة أزمة لا تتعلق فقط بما تنتجه الأرض، بل بمن يستطيع الوصول إلى الغذاء، وبمن يملك الموارد اللازمة لحمايتهم عندما تنهار مصادر رزقهم.
السودان: حين تصبح الحرب عاملًا مباشرًا في إنتاج الجوع
تقدّم الحالة السودانية مثالًا واضحًا على العلاقة بين الصراع المسلح وانهيار الأمن الغذائي، فالحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 لم تقتصر آثارها على تدمير المدن ونزوح السكان؛ بل أضعفت أيضًا قدرة ملايين الأشخاص على إنتاج الغذاء والحصول عليه.
ووفق تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الصادر في مايو/آيار 2026، واجه نحو 19.5 مليون شخص في السودان مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، أي قرابة 41% من السكان وفق نطاق التحليل.
وكان نحو 135 ألف شخص يواجهون ظروفًا كارثية، فيما حُدّد خطر المجاعة في مناطق من دارفور وجنوب كردفان. كما توقعت المنظمات الأممية أن يواجه نحو 825 ألف طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد الشديد خلال عام 2026.
لكن قراءة هذه الأرقام بوصفها نتيجة للجفاف أو نقص المحاصيل وحدهما ستكون قراءة ناقصة. فحين ينزح المزارع عن أرضه، وتتضرر الأسواق، وتصبح الطرق غير آمنة، وتتراجع القدرة الشرائية، لا يعود الغذاء مسألة إنتاج زراعي فحسب؛ بل يصبح الوصول إليه جزءًا من معادلة الحرب.
وتزداد خطورة الأزمة عندما يتعذر إيصال الإغاثة إلى السكان، أو لا تتوافر ضمانات كافية لحماية العمال في القطاع الانساني. وهنا تبرز مسؤولية أطراف النزاع عن حماية المدنيين وعدم عرقلة الإغاثة، إلى جانب مسؤولية المجتمع الدولي في ممارسة الضغط السياسي وتوفير الموارد اللازمة للاستجابة.
الصومال وجنوب السودان: لماذا تتكرر الأزمة؟
في الصومال، توقعت الحكومة والأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي أن يواجه 5.4 ملايين شخص مستويات أزمة غذائية أو أسوأ خلال الفترة من أكتوبر/تشرين الأول إلى ديسمبر/كانون الأول، من بينهم 1.5 مليون شخص في مستويات الطوارئ أو ما هو أسوأ. وجاء التحذير في ظل مخاطر الفيضانات المرتبطة بظاهرة إل نينيو، واستمرار الاحتياجات الإنسانية ونقص التمويل.
المشكلة هنا ليست أن الجفاف يؤدي تلقائيًا إلى المجاعة، بل أن تكرار الصدمات المناخية يضرب مجتمعات تعاني أصلًا ضعف القدرة على التعافي. ففقدان المواشي أو المحاصيل لا يعني خسارة موسم واحد فقط؛ بل قد يؤدي إلى استنزاف مدخرات الأسرة، وبيع أدوات الإنتاج، وترك الأطفال للمدارس، والاعتماد المتزايد على المساعدات.
وفي جنوب السودان، توقّع تحليل عام 2026 أن يواجه نحو 7.8 ملايين شخص مستويات أزمة غذائية حادة أو أسوأ خلال الفترة من أبريل إلى يوليو. وتزيد النزاعات والنزوح والقيود الاقتصادية من صعوبة الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية.
تكشف هذه الحالات مشكلة بنيوية: حين تتكرر الأزمة قبل أن يتعافى المجتمع من الأزمة السابقة، تتحول المساعدة الطارئة من جسر مؤقت نحو الاستقرار إلى وسيلة للبقاء في حالة هشاشة مستمرة.
ولهذا، لا يمكن قياس نجاح السياسات الإنسانية بعدد الوجبات الموزعة وحده. يجب أيضًا قياس قدرتها على استعادة الإنتاج الزراعي، وحماية مصادر الدخل، وتحسين الوصول إلى الأسواق، وتقليل اعتماد الأسر على الإغاثة المتكررة.
المفارقة الإفريقية: وفرة الموارد لا تعني الأمن الغذائي
تملك إفريقيا موارد زراعية وطبيعية كبيرة، لكن وفرة الموارد لا تضمن توزيعًا عادلًا للغذاء. فالقدرة على إنتاج الغذاء تختلف عن القدرة على شرائه، وكلاهما يختلف عن القدرة على الوصول إليه في مناطق النزاعات أو الكوارث.
وتتوزع أسباب الأزمة بين عوامل مباشرة وأخرى بنيوية. فالحروب تدمر الإنتاج والأسواق، والجفاف والفيضانات يهددان المحاصيل، وارتفاع الأسعار يقلل القدرة الشرائية، بينما يحد ضعف التخزين والنقل والري والتمويل الزراعي من قدرة الاقتصادات المحلية على امتصاص الصدمات.
وتضاف إلى ذلك عوامل تتعلق بالسياسات العامة: مدى دعم صغار المزارعين، وفعالية إدارة المياه، وجودة البنية التحتية، وقدرة الحكومات على حماية الفئات الأكثر فقرًا، وتوافر نظم الإنذار المبكر والمخزونات الغذائية.
ولا يصح تفسير أزمة الجوع في القارة باعتبارها نتيجة حتمية للمناخ أو الفقر، كما لا يصح اختزالها في سوء الإدارة وحده. فالأسباب تختلف من بلد إلى آخر، لكن العامل المشترك هو أن الصدمات تصبح أكثر فتكًا عندما لا تتوافر المؤسسات والموارد اللازمة لاحتوائها.
وتكشف هذه الحقيقة حدود المقاربة التي تتعامل مع الجوع بوصفه نقصًا في الغذاء يمكن تعويضه بالشحنات الخارجية. فالمطلوب ليس توفير الطعام عند وقوع الكارثة فحسب، بل بناء أنظمة إنتاج وتوزيع وحماية اجتماعية تجعل المجتمعات أقل عرضة للانهيار عندما تقع.
هل يتقاعس العالم عن المساعدة؟
من الناحية الواقعية، لا يمكن وصف الاستجابة الدولية بأنها غائبة. فهناك برامج أممية وإقليمية، ومنظمات إغاثة، ودول مانحة، ومبادرات محلية توفر الغذاء والعلاج والمياه والدعم النقدي. وقد أسهمت هذه الجهود في إنقاذ أرواح كثيرة.
لكن وجود المساعدات لا يُنهي المشكلة، كما أن حجم التمويل لا يكفي وأيضا الموارد المرصودة لا تصل غالبا إلى الفئات الأكثر احتياجًا. ولهذا ينبغي أن تستند مساءلة المجتمع الدولي إلى ثلاثة معايير: حجم الاحتياجات مقارنة بالتمويل، ومدى وصول المساعدات إلى المتضررين، وقدرة الاستجابة على تقليل مخاطر تكرار الأزمة.
وفي أبريل 2026، أشار تقرير الأزمات الغذائية العالمي إلى أن تمويل الاستجابات الإنسانية والغذائية تراجع إلى مستويات تقارب مستويات عام 2016، في وقت تضاعف فيه الجوع الحاد خلال العقد الماضي. كما حذرت الجهات المشاركة في التقرير من أن نقص التمويل يحد من قدرة الحكومات والمنظمات الإنسانية على الاستجابة.
هذه الفجوة لا تعني بالضرورة أن كل دولة مانحة قصّرت بالقدر نفسه، ولا تثبت أن المساعدات تُوزع وفق اعتبارات سياسية في جميع الحالات. لكنها تطرح سؤالًا مشروعًا عن مدى توافق الموارد المخصصة للإغاثة مع حجم الاحتياجات المعلنة، وعن أثر خفض التمويل في الخدمات التي تعتمد عليها المجتمعات الأكثر هشاشة.
وتكمن المشكلة في أن نقص التمويل لا يظهر دائمًا في صورة قرار معلن بحرمان السكان من الغذاء؛ فقد يظهر في تقليص الحصص الغذائية، أو إغلاق برامج التغذية، أو تعليق التحويلات النقدية، أو تقليل عدد المستفيدين الذين تستطيع المنظمة الوصول إليهم.
وهنا تصبح مسؤولية الدول المانحة والمؤسسات الدولية قابلة للفحص والمساءلة: ما التعهدات التي نُفذت؟ وما البرامج التي تقلصت؟ وما الفئات التي خرجت من نطاق التغطية؟ وهل استُخدمت الموارد المتاحة في الوقاية من الأزمات أم خُصص معظمها للاستجابة بعد وقوعها؟



