
حزب الله ينخرط رسميًا في الحرب.. ماذا عن بقية الجبهات؟
د. عماد عنان
بعد التزام الصمت خلال اليومين الأولين من الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، أعلن حزب الله اللبناني رسميًا انخراطه في المواجهة عبر إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه شمال إسرائيل صباح 2 مارس/آذار الجاري، في خطوة نقلته من موقع المراقب إلى موقع الطرف المباشر في معادلة التصعيد.
وجاء هذا الانخراط بعد ساعات قليلة من اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي وعدد من كبار القادة، باعتبار ذلك تجاوزًا لـ“خط أحمر” لا يمكن التعامل معه بمنطق التحفظ أو الترقب، ومن ثمّ رأت قيادة الحزب أن استمرار سياسة الحياد التي التزم بها خلال اليومين الأولين لم يعد ممكنًا، وأن الانتقال إلى الفعل العسكري بات ضرورة سياسية وأمنية.
وبعيدًا عن ارتدادات هذه الخطوة على الداخل اللبناني، وما قد تمنحه لإسرائيل من ذريعة كانت تنتظرها لتوسيع عملياتها وتعميق توغلها في جنوب لبنان وفرض إعادة تموضع أمني ولوجستي، تبرز منذ الساعات الأولى لانخراط حزب الله أسئلة أكثر إلحاحًا تتصل بطبيعة مقاربته لهذا القرار وتقديراته لكلفته وعوائده.
فالتساؤل الأول يتعلق بكيفية قراءة الحزب لموازين القوة الراهن، رغم ما تعرض له من ضربات قاصمة خلال حرب غزة عام 2024، والتي أفضت إلى فقدانه الصفين الأول والثاني من قياداته، فضلًا عن تآكل جزء كبير من ترسانته وقدراته التسليحية، أما التساؤل الأكثر حساسية فيتصل بحجم الانخراط وحدوده: هل نحن أمام تدخل محسوب ورسائلي قابل للضبط، أم أمام مسار تصعيدي مفتوح على احتمالات أوسع؟، فيما يبقى السؤال الأكثر حضورًا اليوم: هل يشكل دخول حزب الله سابقة تُفضي إلى كسر حياد بقية وكلاء إيران في الإقليم، وفتح الباب أمام انتقالهم إلى موقف مماثل، بما يعنيه ذلك من اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى مواجهة متعددة الجبهات؟
انخراط رسمي في المعركة
ساعةً تلو الأخرى، بدأ حزب الله يوسّع انخراطه في التصعيد بصورة مباشرة ولافتة، متجاوزًا حاجز التنديد السياسي، وذلك عبر رشقات متتالية من الصواريخ والمسيّرات التي أطلقها باتجاه شمال الأراضي المحتلة، استهدفت قاعدة “ميرون” للمراقبة وإدارة العمليات الجوية شمال فلسطين المحتلة، كما أسفرت عن إصابة أحد الرادارات داخل القاعدة ومبنى قيادي فيها.
ومن النقاط التي استهدفها الحزب برشقاته مواقع الرادارات وغرف التحكّم في قاعدة “رامات دافيد” الجوية شمال فلسطين المحتلة، كذلك قاعدة “نفح”، مقر قيادة فرقة “هبشان 210” في الجولان السوري المحتل، في وقت أفادت فيه الحكومة الإسرائيلية بإصابة أربعة مستوطنين في الجليل جراء تلك الضربات.
في المقابل، شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي هجمات عنيفة على الضاحية الجنوبية لبيروت، أسفرت عن سقوط 52 شهيدًا و154 مصابًا، بحسب إحصائيات وزارة الصحة اللبنانية، بالتوازي مع إنذار الاحتلال لأكثر من 80 قرية في جنوب لبنان بالإخلاء الفوري.
ميدانيًا، تقدّمت قوة إسرائيلية مؤلفة من دبابة وثلاث جرافات انطلاقًا من مستعمرة “المطلة”، وتوغّلت باتجاه منطقة “تل النحاس” الواقعة بين بلدتي كفركلا وبرج الملوك في جنوب لبنان، وبموجب هذه التطورات، لم يعد حزب الله مجرد طرف مراقب للتصعيد، بل أصبح طرفًا مباشرًا في الحرب الدائرة حاليًا، بما يحمله ذلك من تداعيات على مسار المواجهة وحدودها واحتمالات توسعها.
دفاع وحق مشروع
في بيانٍ صدر صباح الثلاثاء 3 مارس/آذار، دافع حزب الله عن عملياته ضد إسرائيل—والتي قوبلت بتنديد داخلي—واصفًا إياها بأنها “عمل دفاع وحق مشروع”، وداعيًا من سمّاهم “المعنيين والمهتمين والمسؤولين” إلى التحرّك “لإيقاف العدوان” بوصفه “السبب المباشر لكل ما يجري”
وقال الحزب إن “العدوان الإسرائيلي مستمر على لبنان منذ خمسة عشر شهراً” عبر “القتل والتدمير والتجريف وبكل أشكال الإجرام”، معتبرًا أن المسارات السياسية والدبلوماسية “لم تنجح في لجم هذا العدوان” أو “إلزامه بتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار ومستلزماته”.
وفي السياق نفسه، شدّد البيان على أنه “لا يمكن تبرير العدوان المستمر بالذرائع”، مؤكدًا أن “المواجهة حق مشروع”، وأن ما نفّذته “المقاومة الإسلامية” يأتي بوصفه “ردّ فعل على العدوان” انطلاقًا من “حسابات وطنية بالدرجة الأولى”، وضمن ما وصفه بأنه حقٌ “لاستجلاب الأمن والاستقرار لأهلنا ومناطقنا على امتداد لبنان”.
الحظر العسكري.. إرباك للحسابات
مساء السبت 28 فبراير/شباط الماضي، ومع اليوم الأول للضربة الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، أصدر حزب الله بيانًا مطولًا أعلن فيه دعمه السياسي لطهران، ودعا دول وشعوب المنطقة إلى الوقوف في وجه ما وصفه بالمخطط، والتنبه لخطورة تداعياته على الإقليم.
وقد عزّز هذا الموقف، في حينه، انطباعًا واسعًا لدى اللبنانيين بأن الحزب يضع أمن لبنان هذه المرة في صدارة حساباته، وأنه استوعب كلفة الانزلاق إلى مواجهة جديدة مع الكيان المحتل، لا سيما في ظل الخسائر الفادحة التي مُني بها على مستوى بنيته التنظيمية والإدارية والتسليحية، بما أضعف قدرته مقارنة بمراحل سابقة.
وعليه، اتجهت التقديرات إلى أن يلتزم الحزب الحياد مكتفيًا بالدعم السياسي وبيانات الإدانة ومناشدة المجتمع الدولي التدخل، إلى أن شكّل اغتيال المرشد الأعلى الإيراني وإعلان ذلك رسميًا عبر التلفزيون الإيراني نقطة تحوّل حاسمة؛ إذ تخلى الحزب عمليًا عن حياده، معلنًا انخراطه طرفًا مباشرًا في المواجهة، حتى وإن قدّم ذلك لاحقًا بوصفه ردًا على الانتهاكات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
هذا التحرك أثار امتعاض الحكومة اللبنانية -التي لم ترسخ أركانها بعد- برئاسة نواف سلام، والتي بادرت—استباقًا لتداعيات الغضب الإسرائيلي—إلى اتخاذ قرار مفصلي وغير متوقع، تمثل في حظر جميع الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، واعتبار أي إطلاق للصواريخ أو المسيّرات من الأراضي اللبنانية فعلًا خارج القانون، في خطوة أثارت الكثير من الجدل بين مؤيد ومعارض.
اللافت هنا أن القرار صدر بموافقة وزراء الحزب وحركة أمل داخل الحكومة؛ إذ لم يسجل اعتراض أو انسحاب، خلافًا لما كان يحدث سابقًا حتى مع قرارات أقل حدّة وصدامية، وقد فُسرت هذه الموافقة على نطاق واسع بوصفها مؤشرًا على حالة تباين أو انقسام داخل البيئة السياسية للحزب، بما يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات أوسع حول مقاربة الحزب وخياراته وحدود انتماءاته في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
الأولوية العقائدية.. مقاربة الحزب الرئيسية
تفيد الحسابات البراغماتية بأن الوضع الراهن لحزب الله، وفي ظل هذا السياق الإقليمي بالغ الحساسية، كان يفترض أن يدفعه إلى تبنّي سياسة حيادٍ حذر، وتجنّب الانخراط في أي تصعيد أو فتح جبهات جديدة مع إسرائيل والولايات المتحدة.
غير أن المسار الذي انتهى إليه الحزب، بالانخراط في الحرب رغم كثافة المؤشرات التي كانت تُرجّح العكس، يعكس منطقًا سياسيًا مغايرًا تحكمه اعتبارات الموقع والدور داخل منظومة “محور المقاومة” المدعومة إيرانيًا.
فانخراط الحزب لا يمكن قراءته بمعزل عن وضعه وثقله داخل هذه المنظومة، وعن “قيمته الوظيفية” فيها، فضلًا عن طبيعة حضوره الإقليمي المرتبطة—بشكل مباشر أو غير مباشر—بالدعم الذي يتلقاه من طهران.
ومن منظور إيراني، يُنظر إلى حزب الله باعتباره رمانة الميزان في شبكة الوكلاء، وأحد أثقل التنظيمات تأثيرًا وحظوة لدى السلطة؛ ما يجعل استهداف إيران في قلبها، عبر اغتيال المرشد الأعلى، واحتمالات تهاوى النظام، تطورًا لا يستطيع الحزب التعامل معه بوصفه حدثًا عابرًا يحتمل التريث وتعدد الخيارات، بل هو، في حساباته، ملفٌ وجودي يمسّ توازنات المحور ومستقبل الحزب داخله، ولا يحتمل التجاهل.
ومن هنا وجد الحزب نفسه أمام مأزق سياسي مركّب، بين فكي الانخراط والحياد، فإذا امتنع عن القتال، خاطر بتآكل مكانته المركزية داخل المحور لصالح قوى أخرى—عراقية أو يمنية— إذ سيُعتبر حينها أنه تخلى عن داعمه وحاضنته الأولى في وقت مفصلي، وإذا قرر التدخل، فإنه يغامر بسحب لبنان إلى حرب جديدة في لحظة انهيار داخلي غير مسبوق، وهو ما يحذّر منه سياسيون لبنانيون على نحو متكرر.
أمام هذا التضاد، اتخذ الحزب قرار الدخول إلى خط المواجهة سريعًا، غير أن جوهر الإشكالية لم يعد محصورًا في قرار الانخراط بحد ذاته، بقدر ما يتمثل في مستواه وحجمه وحدوده: هل يبقى تدخلًا مضبوطًا ضمن سقفٍ محسوب، أم يتدحرج إلى مواجهة مفتوحة تفرض أثمانًا أكبر مما يحتمله الداخل اللبناني؟
حدود الانخراط
يدرك حزب الله أن إسرائيل تترصّد الداخل اللبناني منذ فترة، مستفيدة من حالة الوهن التي أصابت الحزب نتيجة الضربات المتلاحقة التي تعرض لها على مدار عامين، وبالتوازي مع ذلك التقط إشارات “إنذار مبكر” عكستها الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية الواضحة، حيث أقدمت إسرائيل، قبيل ساعات من انطلاق عملياتها ضد إيران، على تعبئة نحو مائة ألف جندي احتياط، ونقل أعداد كبيرة منهم إلى الحدود مع لبنان.
وبينما قُرئت هذه الخطوات رسميًا في سياق الاستعدادات الدفاعية، ذهب آخرون إلى تفسيرها بوصفها رسالة ردع مركّبة تتجاوز منطق الاحتياط التقليدي، ومفادها أن أي اندفاع غير محسوب من جانب الحزب سيُقابل برد قاسٍ قد يتدرج وصولًا إلى خيار الاجتياح البري، وهي رسالة راهنت حكومة نتنياهو—بحسب هذا التقدير—على أن تلتقطها قيادة حزب الله مبكرًا وتبني عليها سقف حركتها.
ضمن هذه المقاربة، جاء انخراط حزب الله عبر رشقات صاروخية ومسيّرات أوقعت بعض الإصابات والأضرار في الجانب الإسرائيلي، لكنها—حتى الآن—لم تتجاوز الخطوط الحمراء الإسرائيلية بالمعنى الذي يدفع إلى انتقال فوري نحو حرب شاملة.
وبموازاة ذلك، بدا الرد الإسرائيلي منضبطًا هو الآخر بداية الأمر وفق ميزان التصعيد والتصعيد المقابل، فكل خطوة يرفع بها الحزب مستوى الاشتباك تُقابلها زيادة موازية في الضغط العسكري الإسرائيلي، بما في ذلك تحركات ميدانية وانتشار على مسافات قريبة داخل الأراضي اللبنانية، صعودًا وهبوطًا تبعًا لوتيرة الانخراط وحدّته، وهو ما يفسر التصعيد الأخير في الجنوب اللبناني في أعقاب إصابة صاروخ أصاب هدفًا إسرائيليًا بشكل مباشر، حيث أصدر جيش الاحتلال أوامر إخلاء لأكثر من 80 بلدة جنوبية وعلى سكانها عدم العودة إليها.
وبناءً عليه، يُرجَّح أن يظل تصعيد حزب الله محسوبًا إلى حدٍّ ما، فمن جهة، أراد تقديم إشارة واضحة على دعمه لطهران وانخراطه العملي في المواجهة، إيمانا بأن وجوده -لاسيما العسكري- مرتبط بشكل كبير ببقاء نظام الملالي، ومن جهة أخرى سيحاول تجنّب “لحظة الانتحار” التي يدرك أن تجاوزها—عبر تصعيد أكبر—قد يفضي إلى استنزاف ما تبقى من قدراته التسليحية، وربما يفتح الباب أيضًا أمام كلفة سياسية داخلية لا تقل فداحة، هذا بخلاف ما يمكن أن يتعرض له من ضغوط داخلية لتلجيم أي رغبة في التصعيد.
الجبهة العراقية.. انخراط مع الساعات الأولى
لم تكن الجبهة اللبنانية وحدها التي انخرطت مبكرًا في مسار المواجهة؛ فبالتوازي برزت الجبهة العراقية، وربما سبقتها في وتيرة الانخراط، بالنظر إلى موقع العراق بوصفه ساحة نفوذ تقليدية تتقاطع فيها المصالح بين طهران وواشنطن.
فوجود قواعد أميركية على الأراضي العراقية، مقابل نفوذ فصائل مسلحة مرتبطة بإيران، جعل البلاد عرضة مباشرة لارتدادات الصراع، سواء عبر استهداف مواقع تابعة للحشد الشعبي، أو من خلال هجمات بطائرات مسيّرة تستهدف قواعد تضم قوات أميركية أو عناصر من التحالف الدولي.
وبالفعل، وجدت الفصائل الموالية لإيران نفسها سريعًا في قلب المعركة بعد أن تحولت إلى هدف مباشر للضربات الأميركية، وقد برز ذلك مع تعرّض “كتائب حزب الله” المنضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي لضربات جوية أميركية–إسرائيلية في منطقة جرف الصخر (المعروفة رسميًا باسم جرف النصر) شمالي بابل، وهي منطقة تُعد من أبرز معاقل الفصائل المسلحة.
في المقابل، ردّت تلك الفصائل باستهداف قواعد عسكرية أميركية في أربيل، كما أعلنت “المقاومة الإسلامية في العراق”—وفي مقدمتها “سرايا أولياء الدم”—تنفيذ هجوم بسرب من الطائرات المسيّرة استهدف قاعدة “فكتوريا” العسكرية في مطار بغداد، معتبرة أن العملية تأتي في إطار دعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وعليه، يمكن القول إن الجبهة العراقية تحولت، منذ الساعات الأولى، إلى طرف مباشر في الحرب، وسط توقعات باستمرار التصعيد بفعل تعقيدات المشهد العراقي المتأرجح بين نفوذ إيران من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، وما يفرضه ذلك من قابلية عالية للانزلاق نحو جولات متتابعة من الردود المتبادلة.
الحوثيون والحياد الحذر
وعلى الجبهة اليمنية، تبدو وتيرة التفاعل—حتى الآن—أقل حدّة مقارنة بساحات وكلاء طهران الأخرى، فعلى الرغم من الدور الذي اضطلعت به جماعة الحوثي خلال العامين الماضيين، وما منحها موقعًا متقدمًا بوصفها أحد أكثر الأذرع الإيرانية فاعلية في المرحلة الأخيرة، فإنها تتبنى، حتى لحظة كتابة هذه السطور، مقاربة حيادٍ حذر إزاء ما يجري.
وقد اقتصرت مؤشرات الموقف، في بدايته، على رسائل دعم سياسية، إذ قال زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي إن جماعته “على أهبة الاستعداد لأي تطورات”، معتبرًا أنه “لا داعي للقلق على إيران” في مواجهة “العدوان الأميركي–الإسرائيلي”، ومؤكدًا أن “إيران قوية وأن ردها سيكون حازمًا”.
وفي الوقت نفسه اكتفى بالدعوة إلى تظاهرات لأنصاره في إطار ما وصفه بالموقف “التضامني الإسلامي والأخلاقي” مع طهران، مع التشديد على حالة الجهوزية للتحرك عبر “مختلف الأنشطة” إذا استدعت التطورات ذلك.
وتحكم قرار انتقال الحوثيين من الدعم السياسي إلى الانخراط العسكري المباشر مجموعة عوامل، في مقدمتها مسار التطورات داخل إيران نفسها، فإذا بدا الأداء الإيراني—وفق تقديرات القيادة في طهران—كافيًا لاحتواء الضربات وفرض معادلة ردع، تقل الحاجة إلى توريط الحوثيين في هذا التوقيت، مع الإبقاء عليهم بوصفهم “مخزونًا استراتيجيًا” يمكن استدعاؤه عند الضرورة القصوى، خصوصًا في ظل الحديث عن احتمال إطالة أمد الحرب، بما يستلزم الحفاظ على بعض الأوراق غير المستنزفة.
كذلك، يبرز عاملٌ داخلي ضاغط في حسابات الحوثيين، يتصل بتحدياتهم السياسية والاقتصادية. فاختناقهم المالي تحت وطأة العقوبات، إلى جانب الاحتقان الشعبي الناتج عن تدهور الأوضاع المعيشية، يحدّ من هامش المناورة.
كما أن تحويل قدرات الدولة نحو التعبئة العسكرية على نطاق واسع قد يرفع منسوب المخاطر الداخلية، بما في ذلك هواجس فقدان السيطرة أو اتساع رقعة الاعتراض داخل مناطق نفوذهم، ولا سيما صنعاء.
ويضاف إلى ذلك أن الجماعة تلقت خلال الفترة الماضية ضربات أضعفت جزءًا من قدراتها العسكرية والتسليحية، بما يفرض—وفق منطق الكلفة والعائد—قدرًا أكبر من التريث قبل اتخاذ قرار الانخراط المباشر في مواجهة يدرك الحوثيون أنها تختلف، في طبيعتها ومداها، عن الجولات السابقة.
وعليه، لا يُقرأ هذا “الحياد الحذر” بوصفه تراجعًا براغماتيًا عن دعم طهران، بقدر ما يعكس مقاربة ترقّب محكومة بمعادلة محددة سلفًا: إبقاء خيار التدخل قائمًا، وتأجيل تفعيله إلى لحظة تُقدّر فيها القيادة أن الكلفة باتت أقل من كلفة البقاء خارج المعركة، أو أن الضرورة الاستراتيجية أصبحت ملحّة—أيًا تكن الاعتبارات حينها.
في المحصلة، تسابق طهران الزمن لامتصاص الصدمة الأولى التي تلقتها مع اليوم الأول للحرب بأقل كلفة ممكنة، بعد فقدان رأس الهرم السياسي والديني ونخبة من قيادتها العسكرية، فيما تُبقي على شبكة وكلائها بوصفها “أوراق ضغط” قابلة للتفعيل أو التعليق تبعًا لما ستفرضه تطورات المشهد وتوازناته المتبدلة.
وضمن هذا المنطق، لا يغيب أي سيناريو عن الطاولة، إذ تتقاطع براغماتية الوكلاء وحساباتهم المحلية مع انتمائهم العقائدي وارتباطاتهم المالية، لتتشكل معادلة حرب مغايرة مفتوحة على احتمالات غير متوقعة، وبين لحظة وأخرى، تتزايد مؤشرات الانزلاق نحو تصعيد غير مسبوق، تُلقي بظلالها على الإقليم بأسره وتضع المنطقة أمام اختبار بالغ الخطورة والضبابية.
(نون)



