مقالات

سيلفيا مكرم: حين تتحول التغذية إلى فوضى.. من يضلل وعي الناس؟


لم يعد الحديث عن التغذية والصحة العامة حكرًا على المختبرات أو المجلات العلمية، بل أصبح ساحة مفتوحة يتصدرها أطباء وإعلاميون عبر الشاشات ومنصات التواصل، يقدمون نصائح غذائية متباينة — وأحيانًا متناقضة — تصل إلى الجمهور دون سياق علمي كافٍ أو مراجعة دقيقة. وفي هذا المشهد، يبرز اسم مثل دكتور العوضي وغيره كنماذج لظاهرة أوسع، تتجاوز الأشخاص إلى أزمة ثقة حقيقية بين الجمهور والمعلومة الطبية.

المشكلة لم تعد في تعدد الآراء العلمية، فذلك أمر طبيعي في أي علم حي، بل في طريقة تقديم هذه الآراء: اختزال، تعميم، وأحيانًا طرح معلومات غير مدعومة بأدلة كافية، أو تقديم نتائج دراسات أولية وكأنها حقائق نهائية. والنتيجة؟ جمهور حائر، يتنقل بين حمية وأخرى، وبين “ممنوعات” و”مسموحات”، و”طيبات” و”سيئات” تتغير كل أسبوع، دون مرجعية واضحة.

في العلوم الطبية، لا تُبنى التوصيات على تجربة فردية أو دراسة واحدة، بل على تراكم الأدلة، والمراجعات المنهجية، وإجماع علمي نسبي. لكن الخطاب الإعلامي يميل إلى الإثارة، إذ يرى أن الرسائل الحاسمة أكثر جذبًا للجمهور. وهنا تتشكل فجوة خطيرة: ما يُقال بثقة على الشاشة لا يعكس دائمًا درجة اليقين داخل المجتمع العلمي.

هذه الفجوة تُضعف ثقة الناس في الطب نفسه، وتفتح الباب لانتشار “الشخصنة” في تلقي المعلومة؛ أي أن من يثق في طبيب معين يتبنى كل ما يقوله، حتى لو تعارض مع إرشادات علمية راسخة.

وهنا يتحول الخطأ من مجرد “معلومة غير دقيقة” إلى تأثير مباشر على سلوك ملايين الناس، الذين يتنقلون بين أنظمة متناقضة، ويفقدون الثقة تدريجيًا في كل ما يُقال، بما في ذلك العلم نفسه.

وفي مواجهة هذا الضجيج وهذه الفوضى المعلوماتية، يبرز دور الصوت الرسمي والرد العلمي المؤسسي. ولا يكفي أن تكتفي الجهات الرسمية بدور المتابع أو المصحح، بل المطلوب تحول جذري في دور وزارة الصحة، من جهة رقابية إلى فاعل أساسي في تشكيل الوعي الصحي، مع جدية في حماية وعي المواطنين. ويمكن تحقيق ذلك من خلال:

  • إطلاق منصات رسمية تفاعلية تقدم معلومات غذائية مبسطة، محدثة، ومدعومة بالأدلة.
  • تأسيس وحدة لرصد المحتوى الصحي على وسائل التواصل، والرد السريع على المعلومات المضللة.
  • التعاون مع الجامعات ومراكز البحث لإنتاج محتوى علمي مبسط دون الإخلال بالدقة.
  • وضع ضوابط مهنية للظهور الإعلامي الطبي، تُلزم بالتمييز بين الرأي الشخصي والتوصية العلمية.

ولا يعني ذلك رفض كل ما يُطرح عبر وسائل التواصل، بل إخضاعه لمراجعة علمية جادة من قبل المؤسسات المختصة؛ فبعض هذه الآراء قد يكون صحيحًا، لكنه يحتاج إلى التحقق قبل تقديمه كحقيقة.

المشكلة الحقيقية ليست في خطأ هنا أو هناك، بل في تحوّل الصحة العامة إلى محتوى قابل للمنافسة على “المشاهدات” لا على “الدقة”.

وحين يحدث ذلك، يصبح الجمهور هو الخاسر الأول.

في النهاية، لا يمكن بناء وعي صحي سليم في بيئة تختلط فيها الآراء بالأدلة، وتُمنح فيها الثقة لمن يتحدث بثقة، لا لمن يستند إلى العلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى