مقالات

عزة الفشني تكتب: ماذا بعد سقوط صبري نخنوخ؟

القبض على صبري نخنوخ لم يكن خبرًا عاديًا في صفحة الحوادث، بل كان صفارة إنذار دوّت في وجه فكرة كاملة؛ فكرة نبتت في الظل، وترعرعت على هامش الدولة، ثم ارتدت بدلة رسمية وأطلقت على نفسها: شركة حراسات خاصة.

المفارقة ليست في الاسم، بل في أن الدولة تملك وزارة داخلية وشرطة وقانونًا ومحاكم، ومع ذلك ظهر كيان موازٍ له رجاله، وسياراته، وسلاحه، وزبائنه، وأحكامه العرفية الخاصة.

كيان يبيع للناس ما تمنحه الدولة لهم مجانًا: الأمان.
لكن عندما يتحول الأمان إلى سلعة، يصبح الخوف هو السوق، وتصبح البلطجة هي رأس المال.

من يحرس الحارس؟

فكرة الحراسة الخاصة في أصلها فكرة مشروعة.
بنك يحتاج إلى أفراد لتنظيم الدخول. مصنع يريد منع السرقات. قرية سياحية تطلب تأمين بواباتها. هذا مفهوم ومنطقي.

لكن ما حدث أن الفكرة انحرفت. تحولت من حماية منشأة إلى فرض سطوة، ومن منع الجريمة إلى إدارة الجريمة. صارت بعض هذه الكيانات تبيع الوهم نفسه الذي تدّعي محاربته؛ تخلق المشكلة ثم تعرض الحل، تشعل الحريق ثم تبيع طفاياته.

كيف؟ الأمر بسيط.
أنت تاجر تخاف على محلك. يأتيك من يهمس في أذنك: المكان هنا غير آمن، لكن لدينا شبابًا يحمونك. ترفض في البداية، لكن بعد أسبوع يُكسر زجاج محلك ليلًا. يعود الهمس من جديد: ألم نقل لك؟ فتضطر إلى الدفع.

وهكذا تصبح الزبون والضحية في العقد نفسه.
هذه ليست حراسة، بل إتاوة ترتدي بدلة سوداء.

الداخلية الموازية

الخطير أن هذه الشبكات لم تعد تعمل في الخفاء. صارت لها مقرات، ولافتات، وسيارات مكتوب عليها بخط عريض: Security. صار لها زي موحد يوحي بالهيبة، وسلاح مرخص أو نصف مرخص، وصلاحيات مكتسبة لا من القانون، بل من الخوف.

المواطن البسيط لا يفرق أحيانًا بين أمين شرطة وفرد أمن خاص حين يقف الاثنان في الشارع. الهيبة واحدة، وهنا ولدت فكرة ما يسميه البعض: الداخلية الموازية.

جهاز غير رسمي يحاسب ولا يُحاسَب، يفتش ولا يُفتَّش، ويفرض قانونه الخاص في مناطق نفوذه.
والنتيجة؟ يستعين به رجل الأعمال حين يتعقد النزاع، وربما يجاملُه السياسي حين يحتاج إلى تأمين مؤتمر أو حشد جماهيري.

البلطجة المقننة

أخطر ما في الأمر هو القناع.
البلطجي القديم كان معروفًا؛ يظهر بسلاح أبيض، ولهجة حادة، وماضٍ مسجل. الناس تتجنبه، والشرطة تطارده.

أما البلطجي الحديث فيظهر ببدلة، وبطاقة تعريف، وعقد شركة، وفاتورة ضريبية. صار للبلطجة مقر وسكرتارية ومدير تسويق. صارت مقننة، وهذا أخطر أنواع الفساد؛ لأنه لا يخالف القانون فقط، بل يرتديه.

القبض على رأس من رؤوس هذه الشبكات رسالة مهمة، لكنه ليس النهاية. فالمشكلة ليست في شخص، بل في الفكرة؛ في الفراغ الذي سمح لها أن تولد، وفي المواطن الذي اضطر إلى اللجوء لشركة حراسة لأنه لم يشعر أن الدولة تحميه بما يكفي.

الحل أن نعيد تعريف كلمة الأمان.
الأمان ليس أن تستأجر أشخاصًا يخيفون من يخيفك، بل أن تعيش دون حاجة إلى الخوف من الأساس.

لا مانع من وجود شركات حراسات خاصة، لكن بشرط أن تكون تحت رقابة صارمة من الدولة، وأن تظل وظيفتها حماية المنشآت، لا فرض النفوذ، ولا إدارة النزاعات، ولا بيع الخوف للناس.

القبض على نخنوخ خطوة.
لكن الخطوة الأهم أن نسقط القناع عن كل نخنوخ قادم، وأن نمنع ولادة الفكرة من جديد.

لأن البلطجة حين ترتدي بدلة لا تعود مجرد بلطجة، بل تتحول إلى نظام.
والنظام الفاسد أخطر من الفوضى، لأنه يقنعك في النهاية أن الفوضى هي القانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى