مقالات

عزة الفشني تكتب.. بين عقيدة الجندي وقلق الكنيست: من يملك القرار في سيناء؟

حين تعبر دبابة مصرية بالقرب من السياج الحدودي فى سيناء. لا يهتز الرمل وحده بل تهتز معه حسابات بأكملها في تل أبيب. لم يكن المشهد تدريباٌْ عادياٌ للجيش المصري بل كان توقيعاٌ بالنار على معادلة جديدة: سيناء ليست هامشاٌ في دفاتر الآخرين. على بعد أمتار من السياج الذي يفصل بين حرب وهدنة. إختار الجيش المصري أن يرفع صوته بالحديد فارتجفت قاعات الكنيست قبل أن يرتد الصدى. فالغضب الإسرائيلي لم يكن على المناورة بل على الحقيقة التي كشفتها. فزمن الحدود الصامتة إنتهى. وزمن القرار المصري الحر قد بدأ
عندما يتدرب الجيش المصري قرب حدوده فالأمر طبيعي لأن كل دولة تحمي أرضها. لكن عندما سمع أعضاء الكنيست الإسرائيلي صوت هذه التدريبات قرب السياج.. تحركت مخاوفهم وارتفعت أصواتهم بالغضب. لم يغضبهم التدريب نفسه. بل أغضبتهم الرسالة الواضحة: سيناء أرض مصرية وجيشها هو من يقرر كيف ومتى يحميها.

حين تتحرك الدبابة فوق تراب الوطن يعلو صوتها في كل عواصم العالم. وهذا ما حدث عندما أجرى الجيش المصري تدريبات ميدانية قرب السياج الحدودي مع قطاع غزة. فتحول صدى الجنزير على رمال سيناء إلى ضجيج سياسي داخل قاعات الكنيست الإسرائيلي. الغضب الذي انفجر تحت قبة البرلمان في تل أبيب لم يكن وليد اللحظة. بل هو تراكم لمعادلات تغيرت وقواعد اشتباك أُعيدت صياغتها على الأرض بعيداٌ عن النصوص الباردة التي حكمت العلاقة لعقود.

الحدود ليست خطاٌ على خريطة بل قرار سيادي يُحمى بالقوة

إسرائيل التي اعتادت أن ترى سيناء وفق ترتيبات أمنية خاصة منذ توقيع إتفاقية السلام وجدت نفسها أمام مشهد جديد. مشهد لجيش يتدرب بالذخيرة الحية على بعد أمتار من السياج. يرفع جاهزيته ويختبر أسلحته ويؤكد أن الحدود ليست خطاٌ على خريطة بل قرار سيادي يُحمى بالقوة. بالنسبة لبعض أعضاء الكنيست وخصوصاٌ التيار اليميني. هذا التحرك كسر صورة نمطية استقرت في الذهن الإسرائيلي لسنوات: صورة سيناء كمنطقة عازلة هادئة تخضع لحسابات دقيقة ومتفق عليها. لذلك جاءت ردة الفعل حادة. واتخذت شكل اتهامات للحكومة الإسرائيلية بالضعف. ووصف للتدريبات المصرية بأنها إستعراض مقصود ورسالة تهديد مبطنة. الحقيقة أن الغضب في الكنيست موجه للداخل الإسرائيلي أكثر منه لمصر. فهو جزء من المزايدة السياسية التي تشتعل كلما اقترب ملف الأمن من الواجهة.

من زاوية القاهرة الأمر مختلف تماماٌ. سيناء أرض مصرية وتأمينها واجب دستوري وعقيدة راسخة في الجيش المصري. التدريبات قرب السياج ليست موجهة ضد طرف بعينه. بل هي ممارسة سيادية طبيعية لجيش يدرك أن حدوده الشرقية تمر بأعقد مرحلة منذ حرب أكتوبر. إنهيار الوضع في غزة. ومحاولات فرض أمر واقع على معبر رفح والحديث العلني والسري عن سيناريوهات التهجير كلها أسباب كافية لكي ترفع مصر مستوى إستعدادها إلى الحد الأقصى. الجيش لا ينتظر إذناٌ لكي يحمي بوابته الشرقية. ولا يخضع تدريبه لمزاج سياسي في تل أبيب. ثم إن التنسيق الأمني بين القاهرة وتل أبيب قائم عبر القنوات العسكرية. ومصر لم تخرق يوماٌ إلتزاماٌ تعاهدت عليه. لكنها أيضاٌ لم تتنازل يوماٌ عن حقها في حماية أمنها القومي بالطريقة التي تراها مناسبة.

ما بعد السابع من أكتوبر لم تعد كسابقتها.

ما يغيب عن كثير من الأصوات الغاضبة في الكنيست هو أن معادلة ما بعد السابع من أكتوبر لم تعد كسابقتها. مصر أعلنت بوضوح أنها لن تقبل بتصفية القضية الفلسطينية على حساب أرضها. وأن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء خط أحمر يعني الحرب. هذه المواقف لم تكن للاستهلاك الإعلامي بل ترجمت إلى إجراءات على الأرض. وإلى لهجة سياسية حازمة وإلى تدريبات عسكرية تثبت أن الكلمة مدعومة بالقوة. لذلك فإن رؤية آليات الجيش المصري وهي تناور قرب السياج تصيب بعض الساسة الإسرائيليين بالقلق.

الغضب الإسرائيلي يكشف أيضاٌ عن مأزق إستراتيجي. تل أبيب تريد حدوداٌ هادئة مع مصر. لكنها في الوقت نفسه تتخذ قرارات وإجراءات في غزة تزيد من احتمالات الإنفجار وتدفع بالأزمة نحو الحدود المصرية. تريد من القاهرة أن تضبط الأمن وتمنع الفوضى. لكنها تنزعج حين ترى القاهرة تقوم بذلك عبر تعزيز حضورها العسكري. هذه الازدواجية هي التي تصنع التوتر. مصر تقول بشكل واضح: أمن سيناء مسؤوليتي وحدي. ولن أسمح بأن تتحول إلى ساحة لتصدير أزمات الآخرين. ولن أقبل أن يتم تقييد يد جيشها وهو يدافع عن رمالها.

زمن الصمت المصري قد انتهى التدريبات المصرية ستستمر لأنها جزء من عقيدة قتالية لا تتغير بالضجيج الإعلامي. والغضب في الكنيست سيبقى صدى داخلياٌ لن يغير حقيقة أن سيناء عادت إلى المعادلة الإقليمية كرقم صعب. الدرس الذي يجب أن يصل إلى كل الأطراف هو أن زمن الصمت المصري قد انتهى. مصر لا تهدد أحداٌ. لكنها لا تسمح لأحد أن يهددها أو أن يفرض عليها ما ترفضه. وحين يدق الجيش طبول التدريب قرب السياج. فهو لا يقرع طبول الحرب. بل يذكر الجميع أن للحدود أصحاباٌ وأن للسيادة ثمناٌ وأن الجيش الذي حرر الأرض في أكتوبر لا يزال قادراٌ على حمايتها في كل وقت.

في النهاية: لا تقاس هيبة الدول بضجيج البرلمانات بل بثبات البنادق على الحدود. تدريبات الجيش المصري قرب السياج لم تكن رسالة غضب. بل وثيقة سيادة كتبت بالسلاح والبارود. سيناء للمصريين يحمونها متى شاءوا وكيفما شاءوا. من أزعجه صوت الدبابة فليغلق نافذته. لأن الجيش لا يخفض صوته إرضاءاٌ لأحد. مصر قالت كلمتها على الأرض: هنا خط أحمر رسمته الدماء. ولن يمحوه إعتراضات في الكنيست ولا حسابات في الغرف المغلقة. الحدود التي تحررت بالحرب لا تدار بالقلق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى