
بحارة مصريون في قبضة القراصنة.. جرس إنذار جديد لأمن الملاحة وقناة السويس
تخيم حالة من القلق والترقب على منصات التواصل الاجتماعي في مصر منذ الإعلان عن اختطاف ناقلة النفط “يوريكا”، التي كان على متنها 8 بحارة مصريين، وذلك بعد تعرضها لهجوم من قبل مسلحين مجهولين قبالة السواحل الجنوبية لليمن في الثاني من أيار/مايو 2026، حيث تمكنوا من السيطرة الكاملة على السفينة واقتيادها إلى وجهة غير معلومة.
وفي المقابل، أكدت الخارجية المصرية أنها تتابع تطورات الحادث بشكل مكثف، مشيرة إلى توجيه السفارة المصرية في مقديشيو بالتحرك الفوري لمتابعة أوضاع البحارة المصريين وتأمين سبل الدعم والرعاية لهم، بالتوازي مع تكثيف الاتصالات مع السلطات الصومالية والجهات المعنية لضمان سلامتهم والعمل على تسريع إجراءات الإفراج عنهم.
وأعادت الحادثة ملف القرصنة الصومالية في البحر الأحمر وخليج عدن إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي، خاصة في ظل تصاعد المؤشرات خلال الأشهر الأخيرة بشأن عودة نشاط القراصنة في محيط القرن الأفريقي، الأمر الذي يطرح تساؤلات متزايدة حول تداعيات هذه التطورات على المقاربة المصرية تجاه أمن الممرات المائية، وحدود الانخراط المصري في ترتيبات الأمن البحري بالقرن الأفريقي خلال المرحلة المقبلة.
لا تبدو حادثة اختطاف ناقلة النفط “يوريكا” معزولة عن السياق الأمني المتوتر في البحر الأحمر وخليج عدن، بل تأتي ضمن سلسلة متصاعدة من حوادث القرصنة البحرية التي شهدتها المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة
تفاصيل الحادث
بحسب بيانات التتبع البحري، فإن السفينة، التي ترفع علم توغو، مملوكة لشركة (Royal Shipping Lines Inc) المسجلة في المنطقة الحرة بالحمرية بإمارة الشارقة في الإمارات، وهي ناقلة صغيرة مخصصة لنقل المنتجات النفطية تم تصنيعها عام 2006.
وخلال الأيام الأخيرة من نيسان/ أبريل الماضي، تنقلت السفينة بين عدد من الموانئ الإماراتية قبل أن تغادر ميناء الفجيرة باتجاه اليمن، ثم واصلت رحلتها نحو السواحل الصومالية، في وقت كانت فيه التحذيرات تتصاعد من عودة نشاط القراصنة في خليج عدن والقرن الأفريقي.
لكن الرحلة أخذت منحى مقلقًا بعدما أظهرت بيانات الملاحة انحرافًا مفاجئًا في مسار السفينة يوم 2 أيار/مايو الجاري، بالتزامن مع توقف متكرر لأنظمة التتبع الخاصة بها، في ما بدا محاولة لإخفاء موقعها الحقيقي عبر أسلوب يُعرف بـ“الإبحار الصامت”.
وبعد ساعات، أعلن خفر السواحل اليمني تعرض الناقلة للاختطاف قبالة سواحل شبوة على يد مسلحين يُعتقد أنهم قراصنة صوماليون، قاموا بتحويل مسارها نحو السواحل الصومالية. وكان على متن السفينة 12 فردًا من طاقم التشغيل، بينهم 8 مصريين و4 هنود، لتتحول الواقعة إلى مصدر قلق واسع لأسر البحارة والرأي العام.
وفي الثامن من الشهر الجاري، أظهرت بيانات الرصد البحري أن الناقلة تجاوزت بالفعل ميناء “بوصاصو” واستقرت قبالة منطقة “بندر بيلا” في أقصى شرق الصومال، حيث بدت شبه متوقفة داخل المياه الإقليمية بسرعة تقترب من الصفر، في موقع لم يكن ضمن مسارها الأصلي، ليتم التأكد من سيطرة القراصنة على السفينة بشكل كامل.
ماذا عن البحارة المصريين؟
كان على متن ناقلة النفط المختطفة 12 فردًا من طاقم التشغيل، بينهم 8 بحارة مصريين، هم: المهندس الثالث محمد راضي عبد المنعم المحسب، والضابط مؤمن أكرم مختار أمين، وكبير المهندسين محمود جلال عبد الله، والبحار سامح عبد العظيم الدسوقي السيد، والميكانيكي أسلم عادل عبد المنصف سليم، ومهندس الكهرباء محمد أحمد عبد الله، واللحام أحمد محمود سعد إسماعيل درويش، والطباخ أدهم سالم شعبان جابر.
وتزايدت المخاوف بعد تداول رسالة استغاثة نشرها أحد أصدقاء البحارة عبر منصة “فيسبوك”، قال إنها وصلت إليه من أحد المختطفين على متن السفينة، تحدث فيها عن ظروف إنسانية صعبة يعيشها الطاقم بعد احتجازهم قبالة السواحل الصومالية على يد نحو 40 مسلحًا، مع نفاد الطعام والمياه وتدهور الأوضاع داخل السفينة.
كما كشفت زوجة المهندس محمد راضي أن القراصنة بدأوا التحضير لطلب فدية وصلت قيمتها إلى نحو 10 ملايين دولار، وسط حالة من الغموض بشأن المفاوضات الجارية مع الشركة المالكة، وأضافت أن البحارة تمكنوا من التواصل مع عائلاتهم لفترة قصيرة قبل مصادرة هواتفهم، فيما لا تزال أسرهم تطالب بتحرك أسرع وأكثر وضوحًا لإنهاء الأزمة وعودة ذويهم سالمين.
تصاعد لعمليات القرصنة
لا تبدو حادثة اختطاف ناقلة النفط “يوريكا” معزولة عن السياق الأمني المتوتر في البحر الأحمر وخليج عدن، بل تأتي ضمن سلسلة متصاعدة من حوادث القرصنة البحرية التي شهدتها المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة، بما يعكس مؤشرات مقلقة على عودة النشاط المنظم للقراصنة الصوماليين بعد سنوات من التراجع النسبي.
ويُعد اختطاف هذه السفينة ثالث حادث من نوعه خلال أسبوعين فقط، بعدما تعرضت سفينتان أخريان للاستيلاء واحتُجزتا قبالة سواحل “بونتلاند” الصومالية، وسط مطالبات بدفع فدى مالية مقابل الإفراج عنهما، كما جاء بعد أقل من عشرة أيام على اختطاف ناقلة النفط “Honor 25 ” في 22 نيسان/ أبريل الماضي، والتي كانت تحمل نحو 18.500 برميل من النفط في طريقها إلى مقديشو.
وفي تطور موازٍ، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) مؤخرًا باقتراب عناصر مسلحة على متن قارب صغير من سفينة شحن قرب مدينة المكلا اليمنية، فيما أشارت تقارير إعلامية صومالية إلى أن المهاجمين انطلقوا من مناطق ساحلية نائية قرب بلدة القلعة الواقعة شمال شرقي الصومال.
وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق نشاط القراصنة على طول السواحل الصومالية الممتدة، والتي تُعد الأطول في إفريقيا بطول يتجاوز 3.300 كيلومتر، الأمر الذي يعيد ملف أمن الملاحة البحرية إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي، ويثير تساؤلات حول قدرة الترتيبات الأمنية الحالية على احتواء موجة التصعيد الجديدة.
وتُرجع التقارير الدولية استعادة عمليات القرصنة الصومالية لزخمها مرة أخرى بعد سنوات من الفتور لعدة عوامل، على رسها تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بالسنوات الماضية، وهشاشة الوضع الأمني داخل الصومال، بجانب الانشغال الدولي بأزمات أخرى كالبحر الأحمر وأوكرانيا.
تأثير مباشر على قناة السويس
لا يمكن التعامل مع مثل هذه الحوادث باعتبارها وقائع أمنية معزولة عن المصالح المصرية، إذ تمثل تهديدًا مباشرًا لمنظومة الأمن البحري المرتبطة بقناة السويس، التي تعتمد بصورة أساسية على استقرار حركة الملاحة عبر البحر الأحمر وخليج عدن.
ومن ثم، فإن أي تصاعد في نشاط القرصنة أو اضطراب أمني في هذه الممرات الحيوية ينعكس بصورة مباشرة على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المصرية، باعتبار القناة أحد أهم شرايين التجارة العالمية ومصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة.
وفي هذا السياق، فإن استمرار التوترات البحرية يفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية واسعة، تشمل ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وإعادة توجيه بعض خطوط الملاحة الدولية إلى مسارات بديلة، بما يفرض ضغوطًا إضافية على حركة التجارة العالمية.
ولعل التوترات الجارية المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر ومحيط مضيق هرمز تقدم نموذجًا واضحًا لحجم التأثير المحتمل، بعدما انعكست بصورة مباشرة على إيرادات قناة السويس، التي تأثرت بشكل ملحوظ نتيجة اضطراب حركة السفن وتراجع معدلات العبور خلال الفترة الأخيرة.
قد تجد مصر نفسها أمام ضرورة توسيع نطاق تعاونها الأمني والبحري مع دول القرن الأفريقي، إلى جانب تعزيز حضورها الدبلوماسي والعسكري غير المباشر في المنطقة
إعادة تقييم للمقاربة المصرية
لا شك أن مثل هذه الحوادث قد تدفع القاهرة إلى إعادة تقييم مقاربتها تجاه منطقة القرن الأفريقي، عبر وضعها مجددًا ضمن دوائر الاهتمام الاستراتيجي والأمني بصورة أكبر مما كان عليه الوضع خلال السنوات الماضية.
وفي هذا الإطار، قد تجد مصر نفسها أمام ضرورة توسيع نطاق تعاونها الأمني والبحري مع دول القرن الأفريقي، إلى جانب تعزيز حضورها الدبلوماسي والعسكري غير المباشر في المنطقة، انطلاقًا من اعتبار البحر الأحمر امتدادًا حيويًا لمنظومة الأمن القومي المصري وركيزة أساسية لحماية المصالح الاقتصادية وحركة الملاحة المرتبطة بقناة السويس.
كما يُرجح أن تسهم هذه التطورات في إعادة إحياء ترتيبات الأمن البحري الجماعي في البحر الأحمر وخليج عدن، سواء عبر تنشيط الدوريات الدولية أو توسيع آليات التنسيق مع القوى البحرية الإقليمية والدولية لمواجهة عودة نشاط القراصنة.
ومن ثم، تبدو القاهرة مرشحة، أو هكذا يفترض، لتبني مقاربة أمنية أكثر فاعلية في محيط البحر الأحمر، مع تعزيز التعاون الاستخباراتي والبحري مع عدد من الشركاء الإقليميين والدوليين، في ظل إدراك متزايد بأن أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي لم يعد ملفًا ثانويًا بالنسبة للدولة المصرية، بل بات جزءًا مباشرًا من معادلة الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي.
(الترا صوت)



