
خط كركوك – جيهان.. كيف أعادت الحرب تشكيل خريطة الطاقة الإقليمية؟
د. عماد عنان
في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة الناجمة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، أواخر فبراير/شباط الماضي، شهدت خريطة تدفقات الطاقة في الشرق الأوسط تحولات متسارعة، بعد الهزات التي تعرضت لها حركة الملاحة في مضيق هرمز، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على أمن إمدادات الطاقة العالمية ومسارات عبور النفط.
وأعادت تلك التطورات إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بالاعتماد المفرط على المضائق البحرية، خاصة مع التهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز كليًا أو جزئيًا، والذي يمر من خلاله قرابة خمس إمدادات العالم الطاقوية، الأمر الذي دفع عددًا من الدول النفطية في المنطقة إلى إعادة تقييم استراتيجيات التصدير التقليدية، والبحث عن بدائل أكثر أمانًا واستقرارًا، سواء عبر المسارات البرية أو شبكات خطوط الأنابيب العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، برز خط كركوك – جيهان كأحد أبرز الخيارات الاستراتيجية المطروحة بقوة على طاولة النقاش، باعتباره ممرًا حيويًا لنقل النفط العراقي إلى البحر المتوسط عبر الأراضي التركية، بالتزامن مع تحركات متزايدة بين بغداد وأنقرة لإعادة تفعيل الخط وتعزيز دوره في معادلة الطاقة الإقليمية، وسط بيئة جيوسياسية شديدة التعقيد وتحديات لا تزال تلقي بظلالها على مستقبل هذا المسار الحيوي.. فهل ينجح هذا الخط البري في فرض نفسه كبديل استراتيجي آمن في خريطة الطاقة الجديدة؟
حسابات الطاقة تتغير
يُعد خط كركوك – جيهان أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط في الشرق الأوسط، إذ يربط بين حقول النفط في مدينة كركوك شمال العراق وميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، بما يجعله منفذًا حيويًا لتصدير الخام العراقي إلى الأسواق العالمية، وأحد أبرز خطوط الطاقة البرية التي حافظت على أهميتها الجيوسياسية لعقود طويلة.
ويمتد الخط لمسافة تقارب 970 كيلومترًا، وبدأ تشغيله رسميًا عام 1976، ويتكون من أنبوبين رئيسيين؛ الأول بقطر 46 بوصة، والثاني بقطر 40 بوصة، فيما تتراوح طاقته التصميمية ما بين 500 ألف إلى 1.1 مليون برميل يوميًا، مدعومًا بعدد من محطات الضخ المجهزة بمنظومات تشغيل متقدمة على امتداد مساره.
وعلى الرغم من الأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها الخط، فإنه تعرض خلال السنوات الماضية لسلسلة من التحديات التي أدت إلى تعطله مرارًا، سواء نتيجة الهجمات الأمنية التي استهدفت البنية التحتية للطاقة، أو بسبب الخلافات السياسية والفنية بين بغداد وأربيل بشأن إدارة صادرات النفط وآليات التصدير والعقود النفطية، الأمر الذي أدى إلى خروجه من الخدمة لفترات طويلة وأثر بصورة مباشرة على تدفقات النفط العراقية.
إلا أن المتغيرات الإقليمية الأخيرة، وفي مقدمتها التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز وما رافقها من مخاوف تتعلق بأمن الإمدادات النفطية العالمية، أعادت خط كركوك – جيهان إلى دائرة الاهتمام الاستراتيجي، باعتباره أحد البدائل البرية القادرة على تقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة.
وفي ظل منطق الضرورة والبراغماتية السياسية والاقتصادية، تتجه كل من بغداد وأنقرة نحو إعادة إحياء هذا الممر النفطي وتعزيز فرص عودته إلى الخدمة الكاملة، عبر محاولة تجاوز العقبات السياسية والفنية والأمنية التي حالت لسنوات دون توظيفه بكامل طاقته، بما ينسجم مع التحولات الجديدة في خريطة الطاقة الإقليمية والدولية.
طوق نجاة للعراق
يعتمد العراق بصورة شبه كاملة على مضيق هرمز في تصدير نفطه الخام، إذ تمر ما بين 85 إلى 90% من صادراته النفطية عبر موانئ البصرة جنوب البلاد باتجاه الخليج العربي ثم مضيق هرمز وصولًا إلى الأسواق العالمية، الأمر الذي جعل الاقتصاد العراقي شديد الارتباط باستقرار هذا الممر البحري الحيوي.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب الأخيرة، تعرضت منظومة الصادرات النفطية العراقية لهزة عنيفة وغير مسبوقة، انعكست بصورة مباشرة على الإيرادات العامة، في ظل اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط بنسبة تقارب 90% من موارده المالية، فخلال مارس/آذار 2026، تراجعت الصادرات النفطية العراقية إلى نحو 18.6 مليون برميل فقط، مقارنة بما يقارب 100 مليون برميل خلال فبراير/شباط السابق، بانخفاض تجاوز 80%، نتيجة تعطل عمليات الشحن من الموانئ الجنوبية، بحسب بيانات وزارة النفط العراقية وشركة تسويق النفط العراقية “سومو”، وهو ما أدى إلى تراجع العائدات النفطية إلى نحو 1.95 مليار دولار بعد أن كانت تتجاوز 6 مليارات دولار خلال الأشهر السابقة.
هذه الصدمة الاقتصادية الحادة دفعت بغداد إلى إعادة النظر بصورة عاجلة في خريطة تصدير النفط، والبحث عن بدائل استراتيجية قادرة على تعزيز مرونة الإمدادات وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة بالتوترات الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، عاد خط كركوك – جيهان ليبرز كأحد أهم الخيارات الاستراتيجية المطروحة أمام العراق، ليس فقط باعتباره ممرًا بديلًا لتصدير النفط عبر الأراضي التركية إلى البحر المتوسط، وإنما بوصفه “طوق نجاة” اقتصاديًا يمكن أن يمنح بغداد هامشًا أكبر من المناورة في مواجهة التقلبات الإقليمية والاضطرابات اللوجستية المرتبطة بأمن الملاحة في الخليج.
كما أن إعادة تفعيل الخط تحمل العديد من المكاسب الاستراتيجية للعراق، إذ يوفر منفذًا بديلًا عن الموانئ الجنوبية، ويسهم في تنويع مسارات التصدير، وتقليل الضغط على البنية التحتية النفطية في الجنوب، فضلًا عن دعم صادرات الحقول الشمالية وتعزيز تكامل شبكة الطاقة الوطنية.
الأهم من ذلك، أن هذا المسار البري قد يقلل بدرجة كبيرة من الاعتماد على خطوط النقل التقليدية التي أصبحت عرضة للتهديدات والاضطرابات بين الحين والآخر، في ظل بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين والتقلبات الأمنية.
تعزيز رؤية أنقرة كمركز إقليمي للطاقة
أما على المستوى التركي، فإن خط كركوك – جيهان يمثل أحد الأصول الجيوسياسية والاستراتيجية المهمة بالنسبة إلى تركيا، كونه لا يقتصر على كونه ممرًا لنقل النفط العراقي، بل يُعد جزءًا رئيسيًا من الرؤية التركية الهادفة إلى تحويل البلاد إلى مركز إقليمي ودولي للطاقة يربط بين الشرق الأوسط وأوروبا.
فالخط يمنح أنقرة موقعًا محوريًا في حركة تجارة الطاقة العالمية، عبر تعزيز دور ميناء جيهان كبوابة رئيسية لتدفق النفط العراقي نحو الأسواق الأوروبية والدولية، وهو ما يعزز من الحضور التركي في معادلات الطاقة الإقليمية والدولية، ويمنحها مساحة أوسع للتأثير في ملفات أمن الإمدادات والطاقة العابرة للحدود.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يوفر تشغيل الخط لتركيا جملة من المكاسب المباشرة، تشمل عوائد رسوم العبور والتخزين والخدمات اللوجستية، فضلًا عن تنشيط حركة الموانئ والبنية التحتية المرتبطة بقطاع الطاقة، إلى جانب جذب استثمارات إضافية في مجالات النقل والطاقة والخدمات المساندة، كما ينعكس ذلك إيجابًا على الاقتصاد المحلي في المناطق الجنوبية القريبة من جيهان، من خلال تنشيط الحركة التجارية وخلق فرص اقتصادية مرتبطة بسلاسل الإمداد والطاقة.
وفي السياق ذاته، يمنح وجود هذا الممر الاستراتيجي داخل الأراضي التركية أنقرة قدرًا أكبر من المرونة في تأمين احتياجاتها من النفط والغاز، وتقليل اعتمادها النسبي على الممرات البحرية التقليدية المعرضة للتوترات الجيوسياسية، خاصة في ظل الاضطرابات المتكررة في مضيق هرمز.
إلى جانب ذلك، يمكن لتركيا توظيف خط كركوك – جيهان كورقة نفوذ جيوسياسي في علاقاتها الإقليمية والدولية، بما يمنحها دورًا أكثر تأثيرًا في معادلات أمن الطاقة الإقليمي، ويعزز من قدرتها على التحرك كلاعب رئيسي في توازنات الطاقة، بصورة تقترب – من حيث التأثير الاستراتيجي – من الأهمية التي يمثلها مضيق هرمز بالنسبة إلى إيران في معادلة الطاقة العالمية.
إضافة إلى ما سبق، فإن إعادة تشغيل الخط قد تمثل فرصة استراتيجية لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية والسياسية بين تركيا والعراق، وكذلك مع إقليم كردستان، في ظل تشابك المصالح المرتبطة بملفات الطاقة والتجارة والأمن الحدودي، فالتشغيل المستدام لهذا الممر من شأنه أن يخلق حالة من الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الأطراف الثلاثة، بما يعزز فرص التهدئة السياسية ويدفع نحو بناء تفاهمات أكثر استقرارًا بشأن إدارة موارد الطاقة وآليات التصدير والتعاون اللوجستي.
كما أن تنامي المصالح الاقتصادية الناتجة عن الخط قد يسهم في فتح مسارات جديدة للتنسيق الأمني وضبط الحدود، خاصة في المناطق التي تشهد تحديات أمنية معقدة، إلى جانب دعم حركة التجارة والاستثمارات العابرة للحدود، بما يرسخ منطق الشراكة الاقتصادية كمدخل لتعزيز الاستقرار الإقليمي.
تحديات وعقبات
رغم ما يمثله خط كركوك – جيهان من أهمية استراتيجية ولوجستية متصاعدة في معادلة الطاقة الإقليمية، فإن إعادة تشغيله بالصورة المأمولة لا تزال تصطدم بجملة من التحديات السياسية والأمنية والفنية المعقدة، ما يجعل استعادة دوره الكامل عملية شديدة الحساسية وليست سهلة التنفيذ.
وفي مقدمة هذه التحديات، تبرز الخلافات المزمنة بين حكومة بغداد وإقليم كردستان بشأن إدارة النفط وآليات تصديره وتقاسم العائدات، وهو الملف الذي شكل على مدار سنوات طويلة أحد أبرز العوائق أمام التشغيل المستقر للخط وجعله عرضة للتوقف بين الحين والأخر.
كما أفرز هذا التباين السياسي تعقيدات قانونية مرتبطة بشرعية التصدير والعقود النفطية وآليات التعامل مع الشركات الأجنبية، الأمر الذي قد يفتح الباب مستقبلًا أمام تجدد الخلافات والتوترات، سواء بين بغداد وأربيل أو حتى مع تركيا، في حال غياب إطار قانوني وسياسي واضح ينظم مصالح الأطراف كافة.
إلى جانب ذلك، يواجه الخط تحديات أمنية مستمرة، إذ تعرض خلال السنوات الماضية لهجمات وعمليات تخريب استهدفت بنيته التحتية، في ظل بيئة إقليمية مضطربة وتعقيدات أمنية تشهدها بعض المناطق التي يمر بها، وهو ما فرض في أوقات عديدة تكاليف مرتفعة لإعادة التأهيل والصيانة واستعادة القدرة التشغيلية.
في المحصلة، لا يختلف اثنان على الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها خط كركوك – جيهان باعتباره أحد أهم البدائل البرية لتأمين صادرات النفط العراقية، فضلًا عن كونه ركيزة أساسية في الطموح التركي للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة يربط الشرق الأوسط بالأسواق الأوروبية والدولية.
غير أن نجاح هذا المشروع يظل مرهونًا بقدرة بغداد وأربيل وأنقرة على تجاوز خلافاتها السياسية والقانونية، وتحييد التهديدات الأمنية، ومعالجة التحديات الفنية، وصولًا إلى بناء تفاهمات طويلة الأمد تضمن استقرار هذا الممر الحيوي داخل بيئة إقليمية شديدة التعقيد والحساسية.


