مقالات

قناة السويس تبدأ من هرمز: لماذا تحمي مصر الخليج بسلاحها؟

في السياسة هناك لحظات لا تقاس بالكلمات بل بمواقع الأقدام على الأرض. وعندما تعبر مقاتلات مصرية الخليج العربي لترابط في سماء الإمارات. فإن السؤال لم يعد عن تضامن شفهي أو دعم دبلوماسي. السؤال أصبح أخطر: هل قررت القاهرة أن تكتب فصلاٌ جديداٌ في عقيدتها الأمنية. فصلاٌ تنتقل فيه من حارسة بوابتها الشرقية إلى شريكة ميدانية في تأمين الخليج؟ المشهد لم يعد يحتمل التفسيرات الرمادية. لأن وجود السلاح ينهي زمن التأويل.

عرف التاريخ العربي تحالفات كثيرة. بعضها كتب بالحبر على الورق. وبعضها كتب بالدم على الرمال. وما بين الحبر والدم مسافة شاسعة لا يقطعها إلا الخطر الوجودي. اليوم تقف مصر والإمارات عند هذه المسافة تحديداٌ. فلم يعد كافياٌ أن تقول القاهرة إن أمن الخليج خط أحمر. بل أصبح عليها أن ترسم هذا الخط بجناح مقاتلاتها.
هنا يولد السؤال الأهم الذي يدور فى أذهان الكثيرين: هل نحن أمام لحظة عابرة فرضتها أزمة. أم أمام عقيدة جديدة تقول إن الخليج ومصر ساحة أمن واحدة لا تتجزأ؟

طبيعة الدعم الذي تقدمه القاهرة لأبوظبي

العلاقات المصرية الإماراتية لم تعد تقاس ببيانات التضامن أو ببروتوكولات التعاون الإقتصادي وحدها. فالمشهد الإقليمي المضطرب فرض على التحالفات العربية أن تنتقل من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى الفعل الميداني. وهو ما يطرح سؤالاٌ آخر حول طبيعة الدعم الذي تقدمه القاهرة لأبوظبي اليوم. هل ما زال دعماٌ سياسياٌ ودبلوماسياٌ مغلفاٌ بعبارات الأخوة والمصير المشترك. أم أننا أمام مرحلة جديدة عنوانها الوجود العسكري المباشر الذي قد يتحول إلى واقع شبه دائم؟

أمن مصر والخليج سلسلة واحدة إذا انكسرت حلقة تداعت البقية

الحقيقية التى يغفلها البعض أن التهديدات القائمة فى المنطقة العربية لا يمكن ردعها بالبيانات لأنها أصبحت تستهدف العمق والإقتصاد والممرات المائية. مما يفقد الدعم السياسي قيمته إذا لم يكن مسنوداٌ بالقدرة على المواجهة.
من هنا جاء المشهد الجديد: مقاتلات مصرية تتمركز على أرض الإمارات. فالمشهد ليس استعراضياٌ ولكنه ييعث برسالة مفادها أن أمن باب المندب والخليج العربي وقناة السويس أصبح سلسلة واحدة إذا انكسرت حلقة منها تداعت البقية.
هذا لا يعني أن مصر تخلت عن عقيدتها الدفاعية التي تجعل أولويتها حماية حدودها المباشرة. بل يعني أنها أعادت تعريف هذه الحدود. فأمن الطاقة. وأمن الملاحة. وأمن الخليج صاروا امتداداٌ مباشراٌ للأمن القومي المصري.

لفترة طويلة اعتمدت مصر في علاقتها مع دول الخليج على معادلة واضحة تقوم على ركيزتين. الأولى هي ثقلها السياسي والدبلوماسي الذي تمثله القاهرة بوصفها الدولة العربية الأكبر وصاحبة الجيش الأقوى. وهو ثقل يمنحها الشرعية لأي اصطفاف إقليمي. والثانية هي التنسيق الأمني والاستخباراتي والتدريبات المشتركة التي تبعث رسائل ردع دون أن تلزم مصر بالتورط المباشر في أزمات الخليج. هذه المعادلة حافظت على التوازن بين إلتزام مصر بأمن الخليج باعتباره جزءاٌ من أمنها القومي. وبين حرصها على عدم استنزاف قدراتها في صراعات بعيدة عن حدودها المباشرة.

مقاتلات مصرية على أرض إماراتية تحمل دلالة إستراتيجية

لكن ما يحدث اليوم يتجاوز هذا الشكل التقليدي المعتاد. فالظهور العلني لوحدات عسكرية مصرية على أرض إماراتية حتى وإن وصف بأنه تفقد جاهزية أو رفع كفاءة. يحمل دلالة إستراتيجية لا يمكن إغفالها.
الرسالة هنا موجهة إلى الداخل والخارج معاٌ. إلى الداخل الإماراتى هي رسالة طمأنة بأن العمق الإستراتيجي العربي حاضر وجاهز. وأن مفهوم الأمن الجماعي لم يعد نظرية. وإلى الخارج الإقليمي. هي رسالة ردع صامتة تعني أن أي تهديد لأمن الإمارات لن يقابل ببيانات الشجب والتنديد فقط بل بوجود عربي قادر على تغيير موازين الاشتباك. هذه النقلة النوعية تعكس قناعة مصرية بأن أمن الملاحة في الخليج العربي وباب المندب والبحر الأحمر منظومة واحدة. وأن التهديد الذي يطال أبوظبي قد يجد صداه غداٌ في قناة السويس.

لكن وحتى هذه اللحظة لا توجد معاهدة دفاع مشترك معلنة تلزم مصر بالدفاع عن الإمارات بشكل دائم. كما لا يوجد حديث رسمي عن إنشاء قاعدة مصرية دائمة. ما هو قائم يمكن وصفه بأنه وجود محدود يخضع لتقييم الاحداث والتهديدات. فإذا استمرت التوترات الإقليمية وتصاعدت احتمالات المواجهة. فإن ما بدأ كتمركز مؤقت قد يتحول بحكم الضرورة إلى واقع شبه دائم. ليس بقرار سياسي مكتوب. بل ما تفرضه المستجدات.

إن مصر التي خاضت حروبها الكبرى دفاعاٌ عن أرضها وسيادتها. تجد نفسها اليوم مضطرة لتوسيع نطاق هذه السيادة ليشمل أمن الخليج لأن اختراقهم يعني اختراقها. ومن هنا فإن الدعم المصري للإمارات لم يعد يتحرك فقط في المسار السياسي بل دخل إلى المسار العسكري المباشر كخيار إستراتيجي تفرضه الجغرافيا السياسية الجديدة. قد لا يكون دائماٌ على الورق. لكنه قد يصبح دائماٌ على الأرض طالما بقيت الأسباب التي استدعته قائمة.

تمركز مقاتلات مصرية بالإمارات بعيون إيرانية

مؤكد أن إيران ترى تمركز المقاتلات المصرية في الإمارات تهديداٌ مباشراٌ لمشروعها الإقليمي. لأنه يكسر احتكارها لمعادلة الردع في الخليج بدخول لاعباٌ عربياٌ ثقيلاٌ كمصر قادراٌ على الرد دون انتظار القرار الأمريكي. لأنه يربط أمن الخليج بأمن مصر ويجعل أي استفزاز إيراني للإمارات محسوباٌ كاستفزاز للقاهرة نفسها. لذلك تعتبره طهران خطاٌ أحمر جديد تم رسمه في قلب منطقة نفوذها. وتتعامل معه كإهانة سياسية واستفزازاٌ استراتيجياٌ قبل أن يكون خطراٌ عسكرياٌ.
وربما الرد الإيراني المتوقع لن يكون مواجهة مباشرة بل تصعيد عبر أذرعها والبحر الأحمر لرفع كلفة بقاء مصر هناك لإنهاء التمركز إن طال أمده.

فى النهاية هذا التحول لا يعني أن مصر تخلت عن عقيدتها الدفاعية التي تجعل أولويتها حماية حدودها المباشرة. بل يعني أنها أعادت تعريف هذه الحدود. فأمن الطاقة، وأمن الملاحة، وأمن الحلفاء، صاروا امتدادًا مباشرًا للأمن القومي المصري. الوجود العسكري المصري في الإمارات هو ترجمة عملية لهذا الفهم الجديد. هو ليس قاعدة دائمة بالمفهوم المعلن لكنه وجود مرن يرتبط ببقاء التهديد. إن هدأت النار انسحبت وإن اشتعلت عاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى