قضايا وتحليلات

ماكرون في القاهرة.. شراكة تتجاوز الدبلوماسية ورسائل في توقيت ملتهب

بينما تمر المنطقة بحالة من الاضطراب الجيوسياسي المتصاعد جراء الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، وما نتج عنها من تداعيات ألقت بظلالها الثقيلة على المشهدين الإقليمي والدولي، تأتي زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القاهرة، السبت 9 أيار/ مايو الجاري، لتحمل العديد من الدلالات والرسائل السياسية في هذا التوقيت الدقيق والحساس.

الزيارة، التي من المقرر أن يلتقي خلالها ماكرون بنظيره المصري عبد الفتاح السيسي، لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي وتطورات الأوضاع الإقليمية، لا سيما أزمات الشرق الأوسط، تمثل خطوة مهمة في مسار توطيد الشراكة بين البلدين، والتي بلغت مستوى متقدمًا بإعلان الشراكة الاستراتيجية المصرية الفرنسية خلال زيارة الرئيس الفرنسي للقاهرة في نيسان/ أبريل من العام الماضي.

أما التوقيت وما يحمله من دلالات، فقد منح الزيارة أبعادًا تتجاوز الإطار الدبلوماسي والبروتوكولي التقليدي، إذ تأتي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تشهد إعادة رسم للتحالفات وموازين القوى في الشرق الأوسط، بالتزامن مع تحديات متزايدة تواجهها أوروبا، وفي مقدمتها فرنسا، على صعيد النفوذ والتأثير في عدد من الملفات الإقليمية والدولية.

سياق مهم

لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن سياقها الإقليمي والدولي المثقل بجملة من التحولات والمؤشرات المتسارعة، والتي تضفي على التحرك الفرنسي نحو القاهرة أبعادًا تتجاوز الإطار الثنائي التقليدي، خاصة في ظل توقيت بالغ الحساسية تشهده المنطقة والعالم.

يحمل التوقيت وما يتضمنه من دلالات أبعادًا تتجاوز الإطار الدبلوماسي والبروتوكولي التقليدي، إذ تأتي الزيارة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تشهد إعادة رسم للتحالفات وموازين القوى في الشرق الأوسط، بالتزامن مع تحديات متزايدة تواجهها أوروبا

ولعل من أبرز تلك المؤشرات حالة الارتباك التي تعيشها أوروبا على خلفية الحرب الدائرة، وما نتج عنها من اتساع فجوة التباين مع الولايات المتحدة بسبب النهج الأميركي الأحادي في إدارة الأزمة، إلى جانب تجاهل واشنطن المتكرر للمقاربات الأوروبية، فضلًا عن الضغوط والانتقادات المستمرة التي يوجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه العواصم الأوروبية وقادتها، على خلفية تباين المواقف بشأن الانخراط الكامل في تلك المواجهة.

كذلك، يأتي التحرك الفرنسي في وقت يشهد فيه النفوذ الفرنسي والأوروبي داخل القارة الإفريقية تراجعًا ملحوظًا وغير مسبوق، مقابل تصاعد حضور قوى دولية منافسة، في مقدمتها الصين وروسيا، وهو ما انعكس على حجم التأثير الأوروبي داخل إفريقيا، التي ظلت لعقود تمثل أحد أهم مجالات النفوذ السياسي والاقتصادي والاستراتيجي لباريس والعواصم الأوروبية.

ومع الأخذ في الاعتبار المصالح الأوروبية المتشابكة في منطقة الشرق الأوسط، والتي باتت تواجه تحديات متزايدة في ظل التصعيد العسكري الراهن، تبدو الحاجة الأوروبية ملحّة للتحرك سريعًا من أجل حماية تلك المصالح، عبر تعزيز الشراكات مع القوى الإقليمية الفاعلة، وفي مقدمتها مصر، بما يسهم في إعادة ترسيخ الحضور الأوروبي داخل المنطقة، في مواجهة حالة التراجع النسبي التي شهدها النفوذ الأوروبي خلال السنوات الأخيرة.

تعزيز الشراكة المصرية الفرنسية

يأتي في مقدمة الملفات التي يسعى الرئيس الفرنسي إلى طرحها خلال زيارته للقاهرة، ملف تعزيز الشراكة بين مصر وفرنسا، خاصة في ظل تنامي الدور المصري باعتباره شريكًا محوريًا لباريس وأوروبا في عدد من القضايا المرتبطة بالأمن الإقليمي والطاقة والاستقرار ومواجهة الهجرة غير الشرعية.

فالعلاقات المصرية الفرنسية تجاوزت في السنوات الأخيرة حدود التعاون التقليدي، لتتجه تدريجيًا نحو مستوى أقرب إلى الشراكة الاستراتيجية ذات الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية، حيث تنظر باريس إلى القاهرة باعتبارها أحد أهم مراكز التوازن في الشرق الأوسط، وشريكًا إقليميًا لا غنى عنه في ظل ما تمثله مصر من ثقل جيوسياسي وبشري وموقع استراتيجي تتقاطع عنده المصالح الفرنسية والأوروبية في المنطقة.

وفي ضوء التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية، تبدو فرنسا في حاجة متزايدة إلى شركاء إقليميين يمتلكون قدرًا من الاستقرار المؤسسي والقدرة على أداء أدوار توازنية فاعلة، وهو ما يجعل من مصر أحد أبرز تلك المراكز المحورية.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة زيارة ماكرون للقاهرة باعتبارها جزءًا من إعادة التموضع الأوروبي داخل الفضاء الأورومتوسطي، في ظل المتغيرات التي فرضتها الحرب في أوكرانيا ومن بعدها الحرب ضد إيران وما تبعها من تحولات استراتيجية أعادت ترتيب أولويات الأمن والطاقة والنفوذ بالنسبة للعواصم الأوروبية.

حضور البعد الاقتصادي

لم يغب البعد الاقتصادي عن مشهد الزيارة، بل برز باعتباره أحد أهم المسارات الداعمة لتعميق العلاقات بين مصر وفرنسا، في ظل ما تحققه الشراكة الاقتصادية بين البلدين من مصالح ومكاسب متبادلةـ ففي الوقت الذي تنظر فيه القاهرة إلى باريس باعتبارها شريكًا استثماريًا مهمًا يمكن البناء عليه خلال المرحلة المقبلة، ترى فرنسا في السوق المصرية فرصة اقتصادية واعدة ذات ثقل استراتيجي يصعب تجاهلها.

وفي هذا السياق، تتجه التوقعات إلى ضخ استثمارات فرنسية جديدة في السوق المصرية تُقدّر بنحو مليار يورو، تتركز في قطاعات النقل والطاقة والصناعة، وهي استثمارات لا تحمل أبعادًا اقتصادية فقط، بل تعكس أيضًا رسائل سياسية وجيوسياسية واضحة في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، فالرؤية الفرنسية تجاه مصر باتت تتجاوز منطق العائد الاقتصادي المباشر، إلى اعتبار القاهرة إحدى الركائز الاقتصادية واللوجستية المهمة ضمن حسابات باريس المستقبلية في المنطقة.

كما تعكس تلك الاستثمارات إدراكًا فرنسيًا متزايدًا لأهمية الموقع المصري، سواء باعتباره بوابة للأسواق الإفريقية والشرق أوسطية، أو كدولة تمتلك بنية تحتية وقدرات لوجستية متنامية تجعلها مركزًا محوريًا لحركة التجارة والطاقة والنقل داخل الفضاء الأورومتوسطي.

وتُعد العلاقات الاقتصادية المصرية الفرنسية من بين الأقوى على مستوى علاقات مصر بدول الاتحاد الأوروبي، إذ شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في مجالات الاستثمار والطاقة والنقل والبنية التحتية والدفاع.

ووفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 2.9 مليار دولار خلال عام 2024، مقارنة بنحو 2.5 مليار دولار في عام 2023، بما يعكس نموًا واضحًا في حركة التجارة الثنائية، فيما تشير بعض التقديرات الدولية إلى ارتفاع حجم التبادل التجاري إلى نحو 3.2 مليار دولار، وهو ما يؤكد تصاعد النشاط الاقتصادي والتجاري بين الجانبين خلال الفترة الأخيرة.

 تتجه التوقعات إلى ضخ استثمارات فرنسية جديدة في السوق المصرية تُقدّر بنحو مليار يورو، تتركز في قطاعات النقل والطاقة والصناعة، وهي استثمارات لا تحمل أبعادًا اقتصادية فقط، بل تعكس أيضًا رسائل سياسية وجيوسياسية واضحة

بوابة فرنسا نحو أفريقيا

ثمة بُعد ثقافي وحضاري يفرض حضوره على أجواء الزيارة، إذ من المقرر أن يشارك الرئيس الفرنسي نظيره المصري في افتتاح المقر الجديد لجامعة “سنغور” الفرنكوفونية، وهي الخطوة التي تُقرأ في سياق المساعي الفرنسية لتعزيز حضورها الثقافي والفرنكوفوني داخل القارة الإفريقية عبر البوابة المصرية.

وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه النفوذ الفرنسي داخل إفريقيا تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، بعد عقود ظلت خلالها فرنسا اللاعب الخارجي الأكثر تأثيرًا، لا سيما في دول غرب ووسط إفريقيا الناطقة بالفرنسية.

ويعود هذا التراجع إلى جملة من العوامل، في مقدمتها تصاعد الغضب الشعبي الإفريقي تجاه السياسات الفرنسية ومقارباتها الأمنية، خاصة في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إلى جانب تنامي حضور قوى دولية منافسة مثل روسيا والصين وتركيا.

كما شكّلت الانقلابات العسكرية التي شهدتها منطقة الساحل الإفريقي ضربة قوية للنفوذ الفرنسي، في ظل تبني العديد من الأنظمة الجديدة خطابًا قوميًّا ناقدًا لباريس، واتهامها بدعم نخب سياسية تقليدية فقدت حضورها الشعبي داخل تلك المجتمعات.

وفي ضوء هذه التحولات، تبدو فرنسا في مرحلة إعادة تقييم شاملة لسياستها تجاه القارة الإفريقية، عبر البحث عن صيغ جديدة للحضور والنفوذ تقوم على بناء شراكات مع قوى إقليمية محورية، وفي مقدمتها مصر والمغرب، بما يسمح لباريس بإعادة تموضعها داخل القارة وتعويض جزء من خسائر النفوذ التي تعرضت لها خلال السنوات الأخيرة.

ومن هنا، يمكن فهم الزيارة الفرنسية للقاهرة باعتبارها تحركًا يأخذ في الاعتبار الثقل المصري داخل إفريقيا، والدور الذي يمكن أن تلعبه القاهرة بوصفها بوابة سياسية وثقافية واستراتيجية لتعزيز الحضور الفرنسي واستعادة جزء من نفوذه داخل القارة السمراء.

(الترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى