
محسنة توفيق.. حين يصبح الفنان شاهدًا على الوطن
دنيا شرف
في مثل هذا اليوم، السابع من مايو/أيار 2019، غابت الفنانة محسنة توفيق عن عالمنا، لكن الفن الذي قدمته ظل حيًا، نابضًا في ذاكرة الوطن، وكأنها لم ترحل أبدًا. لم تكن مجرد ممثلة تؤدي أدوارًا على الشاشة، بل كانت حالة إنسانية وفنية استثنائية، آمنت بأن الفن رسالة، وأن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون موقفًا، وأن الموهبة الحقيقية لا تنفصل يومًا عن ضمير صاحبها.
ولدت محسنة توفيق في 29 ديسمبر/كانون الأول عام 1939 داخل أسرة مصرية متوسطة، تشبعت بالثقافة والفن؛ فهي شقيقة الإذاعية الشهيرة أبلة فضيلة، وشقيقة الفنانة يسرا توفيق مغنية دار الأوبرا المصرية. ومنذ طفولتها، بدت ملامح الموهبة واضحة عليها، إذ عشقت الغناء، قبل أن يكتشف مدرس اللغة العربية قدرتها الفريدة على التمثيل، لتقف على خشبة المسرح لأول مرة كبديلة لبطلة عرض مدرسي، فتخطف الأنظار بأداء فاجأ الجميع، ويمنحها المخرج البطولة كاملة.
درست الزراعة وحصلت على درجة البكالوريوس عام 1968، لكن قلبها كان قد اختار الفن طريقًا للحياة منذ وقت مبكر. بدأت نشاطها الفني عام 1962 عبر المسرح، الذي ظل بيتها الأول، وقدمت أعمالًا مهمة مثل “مأساة جميلة” و“منين أجيب ناس” و“الدخان” و“حاملات القرابين” و“عفاريت مصر الجديدة”، قبل أن تنتقل إلى السينما عام 1971 من خلال فيلم “حادثة شرف”.
لكن اسم محسنة توفيق ارتبط إلى الأبد بشخصية “بهية” في فيلم العصفور للمخرج العالمي يوسف شاهين، حيث لم تكن “بهية” مجرد شخصية سينمائية، بل تحولت إلى رمز للوطن المصري بكل ما يحمله من وجع وصمود وكرامة. كانت ملامحها البسيطة وصوتها المليء بالشجن أقرب إلى روح مصر نفسها، ولهذا بقي الدور محفورًا في وجدان الجمهور حتى اليوم.
وعلى مدار مشوارها، اختارت محسنة توفيق الأدوار التي تشبهها، فلم تركض خلف البطولة المطلقة أو أضواء الشهرة السريعة، بل انحازت دائمًا للأعمال ذات القيمة الإنسانية والوطنية. وقدمت في الدراما التليفزيونية شخصيات لا تُنسى في مسلسلات مثل ليالي الحلمية و“الوسية” و“الشوارع الخلفية” و“أم كلثوم”، وكان دور “أنيسة” في “ليالي الحلمية” علامة فارقة، بعدما منحت الشخصية روحًا صادقة وعفوية جعلتها جزءًا من ذاكرة الدراما المصرية.
وفي السينما، تعاونت مع كبار المخرجين، منهم عاطف الطيب وسمير سيف وعاطف سالم، وقدمت أعمالًا مهمة مثل “البؤساء” و“قلب الليل” و“الزمار” و“ديل السمكة”، وكان حضورها دائمًا يحمل ذلك المزيج النادر بين القوة والهدوء والصدق.
ولأنها كانت فنانة صاحبة موقف، لم تنفصل يومًا عن قضايا الناس والوطن. حصلت في فبراير/شباط 1967 على وسام العلوم والفنون من الرئيس جمال عبد الناصر، وشاركت لاحقًا في أحداث ثورة 25 يناير 2011، وظلت حتى سنواتها الأخيرة تعبّر بوضوح عن آرائها السياسية والإنسانية، رغم ما قالت إنه تسبب في استبعادها من بعض الأعمال الفنية بسبب مواقفها.
وفي عام 2013، حصلت على جائزة الدولة التقديرية عن مجمل أعمالها الفنية، تكريمًا لمسيرة طويلة حافظت خلالها على احترامها لفنها ولجمهورها ولنفسها.
وفي آخر ظهور مؤثر لها خلال تكريمها بمهرجان أسوان الدولي عام 2019، بدت محسنة توفيق وكأنها تودع جمهورها بدموع صامتة، قبل أن ترحل بعد صراع مع المرض عن عمر ناهز الثمانين عامًا، تاركة خلفها تاريخًا نقيًا من الفن الراقي والمواقف النبيلة.
رحلت محسنة توفيق، لكن أعمالها ما زالت تنبض بالحياة، وما زالت “بهية” تسكن ذاكرة المصريين، لأن الفنان الحقيقي لا يموت حين يغيب جسده، بل يبقى حاضرًا بما تركه من أثر وصدق وجمال.
رحم الله محسنة توفيق… الفنانة التي آمنت بأن الفن ليس مجرد مهنة، بل موقف ورسالة وحياة.



