قضايا وتحليلات

المقاربة المصرية إزاء الحرب.. ثلاثية الأمن والسياسة والاقتصاد

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال الاتصال الهاتفي الذي تلقاه من نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الجمعة الثالث عشر من آذار/مارس الجاري، موقف مصر الحاسم الرافض لأي استهداف تتعرض له دول الخليج والأردن والعراق، مشددًا على أن هذه الدول لم تكن طرفًا في الحرب الدائرة ضد إيران، ولم تنخرط في مساراتها العسكرية، بل اضطلعت بأدوار داعمة لخفض التصعيد، وسعت إلى تهيئة المجال أمام المفاوضات الإيرانية–الأمريكية وصولًا إلى تسوية دبلوماسية للأزمة.

ووفقًا لما أورده المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، على صفحته الرسمية على فيس بوك،  فقد عبّر السيسي عن تطلع القاهرة إلى تغليب منطق حسن الجوار، والوقف الفوري لهذه الهجمات، مؤكدًا أسف مصر العميق إزاء التصعيد المتسارع، وقلقها البالغ من تداعياته على أمن الإقليم واستقراره وعلى مقدرات شعوبه.

ليس بالضرورة أن تكون الدولة طرفًا مباشرًا في الحرب حتى تتحمل كلفتها وتداعياتها؛ وهذه حقيقة تكرسها المواجهة الدائرة حاليًا بوضوح، فمصر، وإن بدت رسميًا خارج نطاق الاشتباك المباشر وليست طرفًا في هذه الحرب، فإن ارتداداتها المتسارعة وضعتها، دولةً ومجتمعًا، في قلب التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية للصراع.

 كما استعرض الرئيس المصري الجهود التي تبذلها القاهرة من أجل احتواء المواجهة، ووقف العمليات العسكرية، واستعادة المسار التفاوضي، مع التشديد على أهمية إبداء المرونة السياسية من مختلف الأطراف لتفادي الانزلاق نحو مواجهة أوسع.

ويعكس هذا الاتصال، الذي جاء في ذروة التصعيد الإقليمي وما يصاحبه من ارتباك سياسي واقتصادي وأمني، مستوى متقدمًا من الحراك في العلاقات المصرية–الإيرانية بعد سنوات من الفتور، كما يسلط الضوء على طبيعة المقاربة التي تتبناها القاهرة إزاء الحرب الجارية؛ وهي مقاربة تقوم على مرتكزات محورية على رأسها رفض توسيع نطاق الصراع، والدفع نحو التهدئة، والحيلولة دون تحول المواجهة القائمة إلى حرب إقليمية مفتوحة.

السيسي يعرض الوساطة

حمل هذا الاتصال، في توقيته ودلالاته، جملة من الرسائل السياسية المهمة، في مقدمتها سعي مصر إلى تأكيد حضورها بوصفها طرفًا إقليميًا قادرًا على الاضطلاع بدور الوسيط، فبحسب البيان الرسمي، أعرب السيسي عن استعداد القاهرة لبذل كل ما يلزم من جهود وساطة من أجل احتواء الأزمة الراهنة، وتغليب المسار السياسي والدبلوماسي على منطق المواجهة العسكرية، مع التشديد على ضرورة التزام جميع الأطراف بأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

وفي هذا السياق، تبدو القاهرة حريصة على تقديم نفسها باعتبارها قناة تواصل موثوقة مع مختلف الأطراف المعنية بالأزمة، مستندة في ذلك إلى ما تملكه من علاقات استراتيجية راسخة مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع ما شهدته الفترة الأخيرة من تقارب واضح ومدروس مع طهران.

ويعكس هذا التموضع حرص مصر على الحيلولة دون اتساع نطاق التصعيد الإقليمي، والدفع باتجاه التهدئة وضبط النفس، مع التمسك بسياسة يمكن توصيفها بـ”الحياد الإيجابي”، بحيث لا تنخرط القاهرة في أي اصطفاف إقليمي معادٍ لإيران، وفي الوقت نفسه لا تتبنى المقاربة الإيرانية القائمة على توسيع رقعة التصعيد وفرض معادلة الأرض المحروقة.

مصر في قلب المعركة

ليس بالضرورة أن تكون الدولة طرفًا مباشرًا في الحرب حتى تتحمل كلفتها وتداعياتها؛ وهذه حقيقة تكرسها المواجهة الدائرة حاليًا بوضوح، فمصر، وإن بدت رسميًا خارج نطاق الاشتباك المباشر وليست طرفًا في هذه الحرب، فإن ارتداداتها المتسارعة وضعتها، دولةً ومجتمعًا، في قلب التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية للصراع.

فمنذ الأيام الأولى للمواجهة، بدأت انعكاسات الحرب تتسلل إلى الداخل المصري على نحو لافت، وكانت البداية مع القفزة الحادة في أسعار الوقود، بما أحدثه ذلك من ارتباك في مشهد الإمدادات الطاقوية، ودفع الحكومة إلى اتخاذ قرارات برفع أسعار المحروقات بنسب كبيرة تركت أثرًا مباشرًا على المزاج الشعبي، بالتوازي مع اتجاه رسمي نحو تبني إجراءات تقشفية إضافية لمواجهة الضغوط المستجدة.

تنطلق القاهرة في مقاربتها إزاء الحرب الدائرة حاليًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، من ثلاثة مسارات رئيسية، أمني، وسياسي، واقتصادي.

ولم تكن قناة السويس بمنأى عن هذه التداعيات، لاسيما في ظل الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز وتصاعد التهديدات التي تطال أمن الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما يضع أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني المصري تحت ضغط بالغ، في وقت يواجه فيه الاقتصاد أساسًا اختبارات قاسية وهزات متلاحقة.

ويمتد أثر الحرب كذلك إلى سوق الصرف، حيث تعرض الجنيه المصري لضغوط واضحة أمام العملات الأجنبية، بما انعكس على معدلات التضخم، وألقى بأعباء إضافية على الأوضاع المعيشية لملايين المصريين.

ومن ثم، فإن مجمل هذه التداعيات يجعل من مصر، وإن لم تكن منخرطة عسكريًا في الصراع، طرفًا متأثرًا بعمق بمخرجاته، ويدفع القاهرة إلى تبني مقاربة يغلب عليها الطابع البراغماتي المرتبط بحسابات الاستقرار والمصلحة الوطنية، أكثر من أي اعتبارات أيديولوجية أو اصطفافات سياسية جامدة.

المقاربة المصرية.. ثلاثية الأمن والاقتصاد والسياسة

تنطلق القاهرة في مقاربتها إزاء الحرب الدائرة حاليًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، من ثلاثة مسارات رئيسية، أمني، وسياسي، واقتصادي.

فعلى المستوى الأمني، تحتل اعتبارات أمن البحر الأحمر وقناة السويس موقعًا مركزيًا في الحسابات المصرية، إذ تنظر القاهرة إلى أي اتساع في نطاق المواجهة باعتباره عاملًا مرشحًا لتفجير المشهد الإقليمي، ونقل بؤر التوتر إلى ساحات أخرى، بما قد يضع الأمن القومي المصري، ومعه الأمن العربي، في دائرة تهديد مباشر.

أما على المستوى السياسي، فإن اتساع رقعة الصراع داخل المجال العربي، ولا سيما في ظل تبني طهران مقاربة تقوم على توسيع ساحات الاشتباك واستخدام الضغط الإقليمي كورقة في مواجهة واشنطن، من شأنه أن يفضي إلى إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وفرض توازنات جديدة قد يتراجع في ظلها الوزن العربي، ويزداد هذا الاحتمال خطورة إذا ما اتجهت إيران إلى استهداف منشآت نفطية خليجية أو المضي نحو تعطيل مضيق هرمز، بما يترتب على ذلك من خلط للأوراق وإرباك شامل لمعادلات الإقليم.

ويأتي البعد الاقتصادي بوصفه المسار الثالث في هذه المقاربة، حيث تتقاطع تداعيات الحرب مع المصالح المصرية عبر ثلاثة محاور أساسية، أولها الارتفاع المتوقع في أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، بما يشكل ضغطًا إضافيًا على الموازنة العامة ويرفع فاتورة الاستيراد؛ وثانيها الاضطراب المحتمل في حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، إذ إن أي توتر واسع في الخليج من شأنه زيادة كلفة الشحن والتأمين؛ وثالثها ما قد تتعرض له قناة السويس من تراجع في الإيرادات إذا استمر الوضع الراهن أو اتجه إلى مزيد من التصعيد.

وفي ضوء هذه المحددات الثلاثة، تسعى القاهرة إلى تجنب الانجرار نحو أي شكل من أشكال التورط المباشر في الحرب، مع تكثيف تحركاتها الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الأزمة ومنع تمددها، انطلاقًا من إدراك واضح بأن اتساع رقعة المواجهة لن يفضي إلا إلى وضع مصالح دول المنطقة كافة، من دون استثناء، في مرمى التهديد والاستهداف.

تقارب برغماتي

شهدت العلاقات المصرية–الإيرانية في الآونة الأخيرة مؤشرات انفتاح نسبي بعد عقود من الفتور الذي خيّم عليها منذ قطعها عام 1980 في أعقاب الثورة الإسلامية، ورغم استئنافها على نحو جزئي منذ عام 1991، فإنها ظلت محكومة بسقف منخفض من التفاعل، قبل أن يتجدد الحديث عن مسار تطبيعي جديد مع الدعوة التي وجّهها الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي في مايو/أيار 2023 لتعزيز العلاقات مع القاهرة.

وتبقى هذه العلاقة من الحالات الخاصة في الإقليم، إذ قامت طويلًا على معادلة يمكن توصيفها بـ«لا قطيعة كاملة ولا تقارب حقيقي»، في ظل جمود مرن حكمته اعتبارات إقليمية ودولية أكثر مما حكمته أسباب عداء مباشر أو دائم.

تميل مصر بصورة أوضح إلى تبني دور الوسيط الساعي إلى احتواء التوتر وتهدئته، انطلاقًا من حرصها على حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية، وتفادي الانزلاق إلى معادلات جيوسياسية جديدة قد تُفرض على الإقليم بأسره تحت وطأة الحرب واتساع نطاقها.

وقد استندت القاهرة، لسنوات، في مقاربتها تجاه طهران إلى اعتبارات رئيسية تتصل بعلاقاتها الوثيقة مع دول الخليج، وحساباتها المرتبطة بالولايات المتحدة، فضلًا عن هواجس الأمن القومي المصري إزاء النفوذ الإيراني الإقليمي.

 غير أن هذه المحددات شهدت تحولًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة تحت تأثير جملة من المتغيرات، من بينها التقارب السعودي–الإيراني، وتصاعد التحديات الاقتصادية والسياسية في الإقليم، وتراجع بعض المخاوف الأمنية التقليدية، إلى جانب التحولات في مقاربة واشنطن لإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

 وفي ضوء ذلك، تبدو القاهرة اليوم أكثر ميلًا إلى انتهاج سياسة براغماتية تجاه طهران، قوامها إعادة تقييم كلفة القطيعة وجدوى الانفتاح، بما يفتح المجال أمام مقاربة أكثر مرونة في إدارة العلاقة بين البلدين.

في المحصلة، يكشف الاتصال الأخير الذي جرى بين الرئيس المصري ونظيره الإيراني عن جملة من الحقائق الأساسية، في مقدمتها أن القاهرة لا تبدو راغبة في الانخراط في الحرب، بغض النظر عن أي نبرة تصعيدية قد تفرضها مقتضيات الخطاب السياسي تجاه طهران.

 وعلى العكس، تميل مصر بصورة أوضح إلى تبني دور الوسيط الساعي إلى احتواء التوتر وتهدئته، انطلاقًا من حرصها على حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية، وتفادي الانزلاق إلى معادلات جيوسياسية جديدة قد تُفرض على الإقليم بأسره تحت وطأة الحرب واتساع نطاقها.
(الترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى