قضايا وتحليلات

القاهرة على خط الوساطة: حراك دبلوماسي لاحتواء المواجهة الإقليمية

في وقت تتواصل فيه تداعيات المواجهة الأمريكية ـ الإسرائيلية ـ الإيرانية بوتيرة متسارعة، ومع تنامي المخاوف من الانزلاق إلى حرب مفتوحة متعددة الجبهات، في ظل اتساع رقعة الاشتباك وارتفاع كلفته على نحو غير محسوب، تتحرك القاهرة بهدوء وحذر في محاولة لاحتواء التصعيد وإعادة ضبط المسار قبل بلوغ نقطة يصعب التراجع عنها.

وبالتوازي مع الاتصالات التي يجريها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع عدد من قادة وزعماء المنطقة، أجرى وزير الخارجية بدر عبد العاطي، في الخامس عشر من مارس/آذار الجاري، جولة خليجية شملت الدوحة وأبوظبي ومسقط.

وأوضحت الخارجية المصرية أن هذه الجولة، التي جاءت بتوجيهات من السيسي، تستهدف تكثيف التنسيق والتشاور بشأن التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة، إلى جانب توجيه رسالة دعم وتضامن مع الدول العربية الشقيقة في هذه المرحلة الاستثنائية الدقيقة.

وتسعى القاهرة، التي تتبنى مقاربة سياسية واضحة إزاء هذه الحرب، وتتمتع بعلاقات دافئة مع أطراف المواجهة،  إلى خفض مستوى التوتر وتهيئة أرضية مشتركة من التفاهمات يمكن البناء عليها لدعم مسار يفضي إلى وقف الحرب، فهل تنجح الدبلوماسية المصرية في إنجاز هذه المهمة وسط هذا المشهد الإقليمي شديد التعقيد؟

حراك دبلوماسي مكثف

شهدت الساعات الماضية حراكًا دبلوماسيًا مصريًا مكثفًا، تجلّى ليس فقط في الجولة الخليجية التي أجراها وزير الخارجية، وإنما أيضًا عبر سلسلة من الاتصالات التي عقدها مع عدد من نظرائه العرب، شملت الأردن والكويت والبحرين ولبنان، فضلًا عن تواصله مع أطراف دولية فاعلة، من بينها وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، والممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، وكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس.

وفي السياق ذاته، شارك عبد العاطي في الاجتماع الوزاري المشترك الرابع بين مصر ودول مجلس التعاون الخليجي، الذي عُقد افتراضيًا مساء الخميس 12 مارس/آذار الجاري، بمشاركة وزراء خارجية دول المجلس، وبرئاسة وزير خارجية مملكة البحرين الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني، بصفته رئيس الدورة الحالية للمجلس الوزاري لمجلس التعاون الخليجي، وبحضور الأمين العام للمجلس جاسم محمد البديوي.

ويكتسب هذا الحراك الدبلوماسي دلالة خاصة، إذ يتزامن مع يوم الدبلوماسية المصرية الذي يوافق 15 مارس/آذار من كل عام، والذي يشهد هذا العام الاحتفاء بمرور مئتي عام على انطلاق الدبلوماسية المصرية وتأسيس أول ديوان للشؤون الخارجية.

الوساطة المصرية

خلال الاتصال الهاتفي الذي تلقاه الرئيس المصري من نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، يوم الجمعة 13 من الشهر الجاري، أكد السيسي استعداد القاهرة لبذل ما يلزم من جهود ومساعٍ لاحتواء الأزمة الراهنة، والدفع باتجاه تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية على خيار المواجهة العسكرية، مع التشديد على أهمية التزام جميع الأطراف بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ورفض أي تدخل في شؤونها الداخلية.

وفي خضم هذه الظرفية الإقليمية الدقيقة، تسعى مصر إلى ترسيخ حضورها بوصفها طرفًا إقليميًا فاعلًا قادرًا على أداء دور الوسيط، إذ تبدو حريصة على تقديم نفسها كقناة اتصال موثوقة ومقبولة لدى مختلف الأطراف المنخرطة في الأزمة.

 ويستند هذا التوجه إلى ما تمتلكه القاهرة من علاقات استراتيجية ممتدة مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع ما شهدته المرحلة الأخيرة من تقارب محسوب وواضح مع طهران، فضلا عن علاقاتها الجيدة مع الأطراف الخليجية والعربية المتضررة من تلك الحرب.

مقاربة مزدوجة

تنطلق المقاربة المصرية إزاء هذه الحرب من معادلة مزدوجة تقوم، من جهة، على دعم أمن الخليج والمنطقة في مواجهة الهجمات الإيرانية، ومن جهة أخرى على الحيلولة دون انزلاق الإقليم إلى دائرة تصعيد أوسع، عبر الدفع نحو التهدئة وضبط النفس ومنع انفجار الموقف على نحو شامل.

وفي إطار هذه المعادلة، تتمسك القاهرة بسياسة يمكن توصيفها بـ”الحياد الإيجابي”، بما يعني تجنب الانخراط في أي اصطفاف إقليمي ذي طابع عدائي تجاه إيران، وفي الوقت نفسه عدم تبني المقاربة الإيرانية القائمة على توسيع نطاق التصعيد وفرض معادلات ميدانية تتسم بسياسة الأرض المحروقة.

وتتحرك الدولة المصرية كذلك وفق رؤية براغماتية واضحة، تضع مصالحها الاقتصادية والأمنية، التي تضررت بالفعل جراء الحرب، في صدارة الأولويات.

 فمصر تُعد من بين أكثر دول المنطقة تأثرًا بتداعيات هذا الصراع، سواء على مستوى العوائد المتوقعة لقناة السويس، أو ما يتعلق بإمدادات النفط والغاز، والاضطرابات التي طالت أسواق الطاقة العالمية، فضلًا عن التحديات الأمنية المرتبطة بأمن البحر الأحمر وسلامة الممرات المائية الحيوية.

وفي موازاة ذلك، تتخوف القاهرة من أن تفضي هذه الحرب إلى تحولات جذرية في الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، بما قد ينعكس سلبًا على الثقل العربي إقليميًا، ويفرض تموضعًا جديدًا تصب مخرجاته في مصلحة مشروع توسعي باتت ملامحه معروفة.

 ومن هنا يمكن فهم هذا الحراك الدبلوماسي المصري المتسارع بوصفه محاولة استباقية لاحتواء الموقف قبل فوات الأوان، وقبل أن يتحول هذا القلق من مجرد هاجس سياسي إلى واقع إقليمي جديد.

مصر.. الوجه المقبول للأطراف المتناقضة

يرى السفير المصري أحمد مجاهد أن القاهرة تمتلك جملة من المقومات التي تؤهلها للاضطلاع بدور الوساطة وتعزيز حضورها الإقليمي، إذ لا يقتصر الأمر على ما تمتلكه مصر من إرث تاريخي وحضاري وثقل عسكري، بل يمتد كذلك إلى الدبلوماسية باعتبارها إحدى أهم الأدوات التي يمكن توظيفها بفاعلية في مثل هذه اللحظات الدقيقة.

وبحسب مجاهد، تستند الدبلوماسية المصرية إلى تقليد مؤسسي راسخ وخبرة تراكمية تشكلت عبر عقود من التعاطي مع أزمات إقليمية معقدة، وهو ما منح القاهرة، تاريخيًا، ميزة “الطرف المقبول” لدى دوائر وقوى متباينة، بما أتاح لها القيام بأدوار الوساطة وحفظ التوازن في عدد كبير من الملفات، فضلًا عن قدرتها على الإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع أطراف متعارضة حتى في أشد لحظات التوتر.

ورغم القيود الموضوعية التي تحكم الدور المصري، سواء على مستوى التحديات الاقتصادية المعروفة أو تعقيدات البيئة الإقليمية والدولية التي تفرض حدودًا على هامش حركة أي دولة مهما بلغ وزنها الاستراتيجي، فإن القاهرة، وفقًا للدبلوماسي المصري، لا تزال تمتلك من المؤهلات والإمكانات ما يجعل هذا الدور ممكنًا، بل وضروريًا، في لحظة التحول الراهنة.

ويؤكد مجاهد أن هذا الدور لا ينطلق من السعي إلى الهيمنة أو محاولة بناء محور جديد في المنطقة، وإنما من الحرص على الحفاظ على حد أدنى من التوازن داخل الإقليم، ومنع انزلاقه نحو ترتيبات تُفرض بالكامل من خارج المنطقة.

مسارات التحرك المصري

انطلاقًا مما تمتلكه مصر من جملة من الأدوات الدبلوماسية، فإن ذلك يتيح لها – والحديث هنا للسفير المصري-  التحرك على عدة مسارات لاحتواء الأزمة، في مقدمتها فتح قنوات اتصال غير مباشرة بين الأطراف المعنية بالحرب بهدف تهدئة التصعيد وتهيئة الظروف لوقف إطلاق النار.

 ولا يقتصر نجاح مثل هذا المسار على تحقيق اختراق دبلوماسي محدود، بل قد يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول ترتيبات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، مع ارتباط ذلك بصورة أو بأخرى بتطورات القضية الفلسطينية.

ويستند هذا الدور المحتمل إلى شبكة العلاقات التي تربط القاهرة بمختلف الأطراف المؤثرة في الأزمة، سواء على صعيد علاقاتها مع الإدارة الأمريكية وحكومة بنيامين نتنياهو من جهة، أو مع طهران من جهة أخرى، إلى جانب تفاهماتها مع الدول الأكثر تأثرًا بتداعيات الحرب مثل دول الخليج والأردن، كما تتيح هذه المعادلة لمصر إمكانية العمل على بلورة أرضية مشتركة من التفاهمات يمكن أن تشكل قاعدة لدفع الأطراف نحو التهدئة.

أما المسار الثاني فيتعلق بإعادة بناء حد أدنى من التشاور بين الدول العربية المؤثرة، وهو ما يتطلب أولًا معالجة التباينات العربية-العربية، فقد أظهرت تجربة التنسيق التي برزت خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، خاصة بين مصر والسعودية وقطر، إمكانية تشكيل إطار مرن للتشاور وإدارة الأزمات، ويمكن لمثل هذه “المجموعة العربية المركزية” أن تسهم في إعادة تفعيل دور جامعة الدول العربية باعتبارها المنصة السياسية الجامعة للدول العربية.

وفي سياق موازٍ، يبرز مساران إضافيان يتمثلان في الربط بين الأبعاد الأمنية والاقتصادية للأمن الإقليمي، خصوصًا ما يتعلق بأمن الممرات البحرية والطاقة وسلاسل الإمداد، فضلًا عن دعم استقرار الدول الهشة في الإقليم مثل اليمن والسودان وليبيا والصومال.

 وفي المحصلة، يبقى التحدي المطروح أمام الدول العربية اليوم هو ما إذا كانت قادرة على تجاوز انقساماتها والتصرف وفق منطق المصلحة الاستراتيجية المشتركة، والمشاركة بفاعلية في صياغة النظام الإقليمي الجديد بدل الاكتفاء بدور المتلقي لنتائجه.

(الترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى