
كيف يحول ترامب محاولات الاغتيال إلى فرص سياسية؟
د. عماد عنان
في مشهد هوليوودي ليس بالجديد، شهدت العاصمة الأمريكية واقعة أمنية جديدة حين اقتحم مسلح حفل العشاء الذي أقامه الرئيس دونالد ترامب مع مراسلي البيت الأبيض داخل فندق “واشنطن هيلتون” مساء السبت 25 أبريل/نيسان، فيما سارعت عناصر الخدمة السرية إلى احتواء الموقف، حيث تم توقيف المشتبه به وإجلاء الرئيس وزوجته وكبار المسؤولين دون تسجيل أي إصابات.
لم تمضِ سوى دقائق حتى خرج ترامب إلى مؤتمر صحفي، قدّم خلاله الحادث باعتباره حلقة جديدة ضمن سلسلة تهديدات متكررة تستهدفه، مؤكدًا أن ما جرى “ليس الأول من نوعه”، وفي خطوة لافتة، نشر عبر منصة تروث سوشيال صورًا للمشتبه به، تُظهر رجلا عاري الصدر مستلقيا ووجهه لأسفل على الأرض، ويداه خلف ظهره.
وتأتي هذه الحادثة ضمن سياق أوسع من محاولات الاغتيال المزعومة التي استهدفت ترامب، أبرزها محاولة يوليو/تموز 2024 خلال تجمع انتخابي في ولاية بنسلفانيا، والتي أسفرت عن إصابته ومقتل أحد الحضور، إضافة إلى حادثة سبتمبر/أيلول من العام ذاته التي أُحبط فيها مخطط لاستهدافه أثناء وجوده في ملعب الغولف الخاص به في فلوريدا.
تاريخيًا، لم يكن استهداف الرؤساء الأمريكيين أمرًا استثنائيًا؛ فقد شهدت أمريكا حوادث اغتيال ناجحة طالت أربعة رؤساء، إلى جانب محاولات متعددة أُحبطت أو لم تكتمل، إلا أن ما يميز الحالة الراهنة هو البعد الإعلامي والسياسي المصاحب لكل واقعة، وليس الحدث الأمني في حد ذاته.
وبعيدًا عن الجدل الدائر حول طبيعة هذه الحوادث وجديتها ومستوى خطورتها، في ظل التحفظات وعلامات الاستفهام المثارة حول طبيعتها وهوية منفذيها والطريقة التي تمت بها، يبقى تعاطي ترامب معها سياسيًا وإعلاميًا هو السمة الأبرز حضورًا، حيث يتم صياغتها وفق سردية توظيفية تحولها من حدث وتهديد أمني إلى سلاح لتعزيز النفوذ.
التوقيت والتفاصيل.. الرابط المشترك
الوقائع الثلاث التي أُثير فيها الحديث عن تعرض ترامب لمحاولات اغتيال لا تبدو منفصلة عن سياقها السياسي، بل تجمعها مجموعة من السمات المشتركة، في مقدمتها التوقيت شديد الحساسية، فقد جاءت الحادثتان الأولى والثانية خلال ذروة الحملة الانتخابية الرئاسية، في لحظة كانت فيها معظم استطلاعات الرأي تميل لصالح المرشح الديمقراطي، سواء جو بايدن ومن بعده كامالا هاريس، ما وضع المرشح الجمهوري حينها في حاجة ملحّة إلى استعادة الزخم السياسي والإعلامي.
أما الحادثة الأخيرة، فتأتي في ظرف لا يقل تعقيدًا، حيث يواجه ترامب تراجعًا ملحوظًا في شعبيته؛ إذ لم تتجاوز نسبة التأييد له 36% وفق استطلاع وكالة “رويترز” التي أجرته قبل أيام، وهو من أدنى مستوياته خلال ولايته، بالتوازي مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى سياساته الداخلية والخارجية.
وعلى مستوى طبيعة هذه الوقائع، يُلاحظ أنها تتسم بطابع فردي في التنفيذ، إذ يُنسب كل منها إلى شخص منفرد لا يرتبط – وفق المعطيات المعلنة – بتنظيمات أو أطر أيديولوجية واضحة، كما أن الأدوات المستخدمة توصف بأنها محدودة نسبيًا، تتراوح بين أسلحة خفيفة أو بدائية، وهو ما يبتعد عن النمط التقليدي لعمليات الاغتيال المعقدة التي تستهدف شخصيات بهذا الثقل السياسي.
هذه السمات مجتمعة دفعت تلك الحوادث إلى صدارة النقاش السياسي والإعلامي والأمني داخل الولايات المتحدة، حيث تباينت التقديرات بشأن مدى جديتها وطبيعتها، بين من يتعامل معها كتهديدات حقيقية، ومن يطرح تساؤلات حول خلفياتها وسياقاتها. ومع ذلك، تبقى هذه التساؤلات في إطار الجدل العام، دون حسم قاطع من الجهات التحقيقية حتى الآن.
من تهديد إلى فرص سياسية
مثل هذه الحوادث—بغضّ النظر عن تفاصيلها—نادرًا ما تمر مرورًا عابرًا في حسابات شخصية براغماتية مثل ترامب، الذي يميل إلى تحويل الأزمات إلى فرص سياسية قابلة للاستثمار، وفي هذا السياق، يظهر توظيف الحدث كامتداد لنمط سابق في إدارة اللحظات الحرجة، حيث تُعاد صياغة الواقعة أمنيًا وإعلاميًا بما يخدم أهدافًا أوسع تتجاوز الحدث نفسه.
وعلى نحو يذكّر بشعار “كل يبقى في مكانه” الذي رفعه الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر عقب حادثة المنشية 1954، تبنّى ترامب مقاربة خطابية ذات طابع شعبوي مماثل، قدّم من خلالها محاولة الاغتيال بوصفها انعكاسًا لقوته السياسية، ودليلًا على أنه بات يمثل تهديدًا فعليًا لخصومه، وهنا تتحول الواقعة إلى برهان ضمني على “نجاحه”، حيث يُصوَّر الاستهداف كنتيجة طبيعية لما حققه من حضور وتأثير.
هذه السردية تُسهم في ترسيخ صورة القائد الذي “يدفع ثمن مواقفه”، وتُعزز في الوقت نفسه حالة التعبئة داخل قاعدته الانتخابية، فالمسألة لا تقتصر على التعاطف، بل تمتد إلى إعادة شحن دوافع الدعم السياسي والمالي، عبر رفع منسوب الحماس لدى الأنصار وحثهم على الالتفاف حوله، خاصة مع قرب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس نوفمبر/شباط الثاني المقبل.
إعلاميًا، يسعى ترامب إلى تحويل الواقعة إلى رأس مال رمزي، مستفيدًا من كثافة التغطية التي تضعه في صدارة المشهد، بما يسمح بإعادة ضبط الرسائل السياسية وتوجيه بوصلة النقاش العام، ويخلق مثل هذا الحضور المكثف مساحة للضغط على الخصوم، ويُعيد تعريف أولويات الأجندة السياسية في لحظة زمنية قصيرة لكن مؤثرة.
ومن بين أبرز أهداف هذا التوظيف، غض الطرف—ولو مؤقتًا—عن ملفات داخلية وخارجية مثار جدل وانتقاد، عبر استبدالها بسردية “الخطر والتهديد”، فبدل أن يبقى النقاش محصورًا في الأداء الاقتصادي أو السياسات العامة، يتحول إلى نقاش حول الأمن والاستقرار وضرورة التكاتف في مواجهة التهديدات، ومثل هذه الاستراتيجية، معروفة في أدبيات العلوم السياسية منذ عقود، وتقوم على تحويل الأزمات إلى أدوات لإعادة ترتيب الأولويات السياسية وتعزيز الالتفاف حول القيادة في أوقات التوتر.
انتخابات 2024.. نموذج التوظيف الناجح
بلغة الأرقام، استطاع ترامب توظيف حادثتي يوليو وسبتمبر 2024 في تحقيق مكاسب سياسية ملموسة، عبر تحويلهما من وقائع أمنية عابرة إلى رمزيتين سياسيتين أسهمتا في استعادة الزخم وتوسيع نطاق التعاطف الشعبي، الذي سرعان ما تُرجم إلى دعم انتخابي مباشر.
ويستند هذا التحول إلى تأثير نفسي معروف في السلوك الانتخابي، حيث تميل قواعد المرشح إلى الالتفاف حوله عند تعرضه لخطر، في مقابل تراجع نسبي—ولو مؤقت—في حدة انتقادات الخصوم، ووفقًا لعدد من استطلاعات الرأي، انعكس ذلك في ارتفاع نسب التأييد لترامب بنحو 2 إلى 5 نقاط مئوية عقب الحادثتين، وهو هامش قد يبدو محدودًا، لكنه ذو أثر حاسم في سباقات انتخابية متقاربة.
حيث أظهرت بيانات استطلاع ABC News أن نسبة القبول لترامب كمرشح رئاسي كانت تدور في نطاق 30- 35% قبل الحادثتين، لترتفع إلى نحو 40% بعدهما مباشرة، في مؤشر واضح على تأثير الحدث في إعادة تشكيل المزاج العام.
وعلى الصعيد المالي، شهدت حملته الرئاسية قفزة لافتة في حجم التبرعات، بما وفر موارد إضافية عززت من انتشار الحملة وقدرتها على الوصول إلى شرائح أوسع من الناخبين، لا سيما في الولايات المتأرجحة، وقد تزامن ذلك مع تبني خطاب شعبوي مكثف، مكّنه من استثمار اللحظة سياسيًا، وتحويلها إلى رافعة دعائية ساعدت في تعزيز حضوره الانتخابي وترسيخ موقعه في سباق شديد التنافس.
عشاء البيت الأبيض.. إلى أين؟
جاءت حادثة البيت الأبيض في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لترامب، إذ تتزامن مع تراجع ملحوظ في شعبيته لتصل لأدنى مستوى لها خلال ولايته الثانية، حيث لم تتجاوز نسبة التأييد 36% وفق استطلاع رويترز، ولا يقتصر هذا التراجع على المؤشر العام، بل يمتد إلى ملفات أساسية في إدارته، وعلى رأسها الاقتصاد، إذ لا تتجاوز نسبة الموافقة على أدائه في هذا الملف 30%، في حين يرى نحو 70% من الأمريكيين أن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ.
ويمتد هذا التراجع إلى السياسة الخارجية، لا سيما في ما يتعلق بالحرب مع إيران والانصياع للسردية الإسرائيلية، حيث تشير التقديرات إلى أن قرابة 59% من الأمريكيين يعارضون هذه الحرب، مقابل تأييد لا يتجاوز 36%، ويعكس هذا الموقف حالة من التململ داخل الشارع الأمريكي، في ظل تداعيات اقتصادية مباشرة طالت أسعار السلع والطاقة، إلى جانب انطباع عام بوجود ارتباك في إدارة هذا الملف، يتجلى في تباين التصريحات الرسمية بشأن أهداف المواجهة ونتائجها.
في ظل هذا المناخ الضاغط، تكتسب حادثة البيت الأبيض بُعدًا يتجاوز إطارها الأمني، إذ تتيح—سواء بقصد أو بحكم السياق—إعادة توجيه الاهتمام العام بعيدًا عن الانتقادات المتصاعدة، نحو خطاب يركز على “الخطر” وضرورة التكاتف، وهو ما انعكس في تصريحات ترامب عقب الحادث، حين دعا إلى توحيد الصفوف من أجل حماية الأمن والاستقرار، في محاولة لإعادة صياغة أولويات النقاش العام.
ومع ذلك، فإن فعالية هذا التوظيف—حتى وإن نجحت مرحليًا في امتصاص جزء من الضغوط—تظل محدودة الأثر على المدى الطويل، فحالة الاستياء المرتبطة بالأوضاع المعيشية والملفات الحيوية تبقى عاملًا حاسمًا في تشكيل المزاج العام، ما يجعل التعويل على مثل هذه اللحظات لإطالة أمد التأثير أمرًا محفوفًا بالتحديات، في ظل تزايد الضغوط الداخلية واستمرار تداعيات السياسات الخارجية على مصالح الولايات المتحدة.



