مقالات

السيد الربوة يكتب: غزة.. سلام الورق ودماء الواقع


بينما ينشغل العالم بملفات إقليمية ودولية متسارعة، تظل غزة قابعة تحت وطأة “هدوء مفخخ”. لقد أطلّ علينا دونالد ترامب، “رجل الشو” بامتياز، وهو يجمع زعماء الدول حول طاولات مذهّبة، متحدثاً بنبرة سينمائية عن “سلام تاريخي” انطلاقاً من غزة، لكن الحقيقة أن هذا السلام لم يتجاوز حبر الورق، بينما لا تزال الإنسانية تُسحق في أزقة القطاع المدمّر.

وفي المقابل، نجح بنيامين نتنياهو في دفع ترامب نحو مواجهة مستعرة ضد إيران، ليجعل العالم بأسره يدفع فاتورة الطمع والجشع السياديين، في وقت يُمحى فيه السلام الفعلي على أيديهما. ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن في أكتوبر 2025 برعاية أمريكية عرفت بـ “اتفاق ترامب”، إلا أن الواقع الميداني اليوم، في  أبريل 2026، يحكي قصة أخرى؛ قصة نزيف مستمر وخروقات لم تتوقف يوماً، تثبت أن الهدنة لم تكن سوى استراحة لمحارب يرفض إلقاء السلاح، ومحتل لا يشبع من الدماء.

نزع السلاح أو خيار الأرض المحروقة.

تحت سقف القاهرة، تدار اليوم واحدة من أخطر جولات “عض الأصابع” في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث يوضع مصير غزة على طاولة البحث تحت إشراف “مجلس السلام” الدولي (الذي أعلنت إدارة ترمب تأسيسه في يناير 2026). لم تكن اللقاءات مجرد نقاشات تقنية، بل كانت “مواجهة إرادات” افتتحها المستشار الأمريكي آرييه لايتستون بلغة تعكس غطرسة القوة، ملوّحاً بقدرة الرئيس ترمب على فرض حلول “خارج الصندوق”، قبل أن تصطدم هذه الطموحات بجدار مسدود فيما يُعرف بـ “عقدة الترتيب الزمكاني” للبنود.

تصر إسرائيل، مدعومة بمقترح ممثل مجلس السلام نيكولاي ملادينوف، على ممارسة “ابتزاز إنساني” يرهن دخول الخيام والكرفانات بملف نزع السلاح التدريجي للفصائل كشرط مسبق للانتقال لمرحلة الإعمار والانسحاب الكامل. وبحسب ما نشرته وسائل إعلام دولية وعربية، يواجه وفد حماس برئاسة خليل الحية ضغوطاً خانقة تُخيره بين تفكيك قدرات الحركة العسكرية، أو مواجهة جحيم ميداني يشمل تقويض الحكم واستهداف المنشآت المدنية، ما يحيل حياة 1.4 مليون نازح في المخيمات إلى معاناة لا تطاق.

في المقابل، كشفت وسائل الإعلام،عن “إجماع وطني” فلسطيني نادر، حيث ترفض الفصائل (حماس، الجهاد، الجبهتان، وتيار الإصلاح) الانخراط في “المرحلة الثانية” قبل إنجاز استحقاقات المرحلة الأولى بالكامل، بما يشمل، وقف العمليات العسكرية والانسحاب الشامل. إنفاذ المساعدات وإعادة فتح معبر رفح بشكل كامل. تفكيك “الميليشيات” التي شكلها الاحتلال للقيام بعمليات اغتيال ميدانية، ورغم نصائح بعض الأطراف الدولية بقبول “المتاح” تجنباً لعودة الحرب، تراهن المقاومة على فشل الخطط الأحادية الإسرائيلية لغياب التمويل الدولي للإعمار دون اتفاق، وانعدام وجود حاضنة شعبية متعاونة.

واقع المعابر وشبح “انفجار مايو

ميدانياً، لا يزال المشهد بعيداً عن الوعود الورقية؛ فمعبرا رفح وكرم أبو سالم يخضعان لإغلاقات متكررة بذريعة الضرورات الأمنية. ووفقاً لبيان الأمم المتحدة في 20 أبريل 2026، تراجعت المساعدات لتصل إلى 150 شاحنة فقط يومياً، في وقت تلوح فيه إسرائيل بعملية عسكرية واسعة لفرض “منطقة أمنية” بحلول مايو المقبل. بينما المشهد الآن يتلخص في مقترح “الفرصة الأخيرة” الذي قدمه ملادينوف بدمج المرحلتين الأولى والثانية، لتظل غزة معلقة بين “سلام ورقي” مشروط بسلبها سلاحها، وبين واقع ينزف تحت القصف والحصار الممنهج، وقد أخذت الفصائل المقترح وتدرسه للرد عليه خلال الفترة القادمة.

فاتورة الدم وأنين المعاناة

لم يفلح الهدوء الورقي في لجم آلة الموت الإسرائيلية التي واصلت حصد الأرواح عبر غارات موضعية، وعمليات قنص، ومسيرات لا تغادر السماء. ووفقاً للتحديث التراكمي الصادر عن وزارة الصحة في غزة وتقرير المكتب الإعلامي الحكومي بتاريخ 24 أبريل 2026، فقد سقط منذ إعلان وقف النار في 11 أكتوبر 2025 وحتى اليوم 791 شهيداً جراء الخروقات المستمرة، وأصيب أكثر من 2,235 مواطناً بجروح متفاوتة، في حين تم انتشال جثامين 761 مفقوداً من تحت الأنقاض كانوا قد قضوا في وقت سابق. وبهذه الحصيلة المأساوية، ترتفع الفاتورة الإجمالية للضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 72,568 شهيداً، فيما تجاوز عدد المصابين حاجز 172,338 مصاباً.

خلف هذه الأرقام التي وثقتها المنظمات الحقوقية الدولية، تعيش غزة نكبة متجددة في تفاصيل العيش اليومي، حيث يقبع أكثر من 1.4 مليون إنسان داخل خيام مهترئة تفتقر لأدنى مقومات الآدمية. ومع دخول صيف 2026، تحولت هذه المخيمات إلى أفران بشرية تغلي تحت وطأة الحرارة، وتفتقر لمياه الشرب النظيفة، مما أدى لانتشار الأمراض الجلدية والمعوية، خاصة بين الأطفال، وفقاً لآخر مسح ميداني لمنظمة “أونروا”.

يعاني أهل غزة من أزمة طاقة طاحنة، فمع استمرار منع دخول غاز الطهي، يضطر السكان لاستخدام  الوسائل البدائية المعتمدة على النفايات والبلاستيك، ما تسبب في انتشار أمراض تنفسية حادة. أما الأسواق، فهي تعيش حالة من المجاعة المقننة، حيث يؤدي شح المساعدات وإغلاق المعابر المتكرر إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية، ليصبح الحصول على رغيف الخبز أو لتر ماء نظيف معركة يومية تستنزف ما تبقى من طاقة النازحين.

أمام هذا الانسداد، يعيش الشارع في غزة حالة من الغليان الصامت. ورغم وطأة الحرمان، وحقاً عجباً لأهل غزة، كون المزاج الشعبي العام لا يزال يرفض مقايضة الكرامة بالرغيف، وأقصد هنا بالعجب القدرة على  التحمل الزائد في المعانة،إذ يرى الغزيون في ربط المساعدات بنزع السلاح التفافاً على تضحياتهم. وتسود قناعة شعبية بأن القبول بالشروط الحالية يعني الموت البطيء بضمانة دولية بدلاً من الموت السريع بالقصف. إن صمود هذا الشارع، الذي يطالب بانسحاب كامل وحياة كريمة فوق الأرض لا تحت ركام الوعود، هو الصخرة التي تتحطم عليها كافة المخططات الأحادية حتى الآن.

حين يتحدث الضمير الإنساني بكل اللغات

لم تكن غزة يوماً مجرد قضية جغرافية أو صراعاً عرقياً، بل أصبحت اليوم بوصلة الضمير العالمي والاختبار الأخير للإنسانية. ففي مشهد يثبت أن التضامن مع آلام غزة تجاوز حدود العروبة والإسلام، هب أحرار العالم من شرق الأرض وغربها، بشر جمعتهم المبادئ الإنسانية قبل الأيديولوجيات، فلم يكتفوا بالمظاهرات الحاشدة التي لا تزال تجوب شوارع العواصم الأوروبية والأمريكية، بل انتقلوا إلى الفعل الميداني الجريء.

ومن قلب مدينة برشلونة الإسبانية، وفي 12 أبريل 2026، شق “أسطول الصمود العالمي 2” عباب البحر، في تظاهرة بحرية هي الأكبر لكسر الصمت الدولي. يمثل هذا الأسطول جبهة دولية عابرة للقارات، حيث يتكون من عشرات القوارب والسفن (تتراوح بين 70 إلى 100 قطعة بحرية)، يقودها ناشطون وحقوقيون وأطباء وفنانون من 70 دولة. هؤلاء ليسوا جميعاً عرباً أو مسلمين، بل هم وجوه الإنسانية التي رفضت أن تقف متفرجة على حصار مليوني إنسان.

السفن تشق طريقها الآن في حوض المتوسط، وقد تجاوزت بالفعل السواحل الإسبانية وهي في عرض البحر باتجاه غزة، محملة بآلاف الأطنان من المساعدات الطبية الطارئة والوقود. ورغم التحذيرات الإسرائيلية المتصاعدة من مغبة الاقتراب من السواحل، إلا أن إصرار المتضامنين القادمين من خلف البحار يعكس إيماناً عالمياً بأن قيد غزة يجب أن ينكسر، وأن حق الإنسان في الحياة يتجاوز كل الحسابات السياسية الضيقة.

تعيش غزة اليوم حالة معقدة من اللا حرب واللا سلم، فبينما لم يتوقف القصف تماماً، تظل المفاوضات في القاهرة مراوحة مكانها بين شروط تعجيزية وابتزاز إنساني يرهن رغيف الخبز بنزع السلاح. وفي ظل هذا الانسداد السياسي، تظل عيون الغزيين معلقة بشراع السفن القادمة من الأفق البعيد، لعلها تحمل معها صوتاً أقوى من دوي المدافع، وشراعاً يكسر طوق العزلة عن شعب لا يزال يرفع، برغم الجراح والجوع، شعاراً واحداً ووحيداً لن نرحل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى