
لماذا لم تحقق مصر الاكتفاء الذاتي من القمح؟
د. عماد عنان
أعاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فتح ملف الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية، خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة التنموي بمنطقة الضبعة، مؤكدًا أن تحقيق الاكتفاء الكامل من جميع السلع الغذائية يظل أمرًا بالغ الصعوبة في ظل التحديات السكانية والموارد المتاحة.
وأعادت تصريحات الرئيس تسليط الضوء على ملف الأمن الغذائي باعتباره أحد الركائز الأساسية للأمن القومي، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي جعلت الغذاء أداة ضغط لا تقل تأثيرًا عن أدوات الطاقة والسلاح، بعدما تجاوزت القضية حدود توفير السلع إلى ارتباط مباشر بمفاهيم السيادة والاستقلال الاقتصادي.
ويأتي القمح في صدارة هذه المعادلة بوصفه العمود الفقري للأمن الغذائي المصري والعالمي، نظرًا لاعتماد ملايين المصريين على الخبز كسلعة أساسية يومية، ومع تصاعد اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية والحروب التي أثرت على تجارة الحبوب، تحول القمح من مجرد محصول زراعي إلى ورقة استراتيجية شديدة الحساسية، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: لماذا لا تزال مصر بعيدة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح؟
مصر والقمح.. علاقة تمتد لـ 800 عام
تعد مصر واحدة من أقدم بلدان العالم ارتباطًا ومعرفة بالقمح، حيث تعود العلاقة بين المصريين وهذا المحصول الاستراتيجي إلى أكثر من ثمانية ألاف عام، إذ تكشف النقوش المحفورة على جدران المعابد والمقابر الفرعونية تفاصيل دورة إنتاجه كاملة، من بذر الحبوب وحتى مواسم الحصاد والاحتفال بها، في انعكاس واضح لمكانة القمح داخل البنية الاقتصادية والحضارية للدولة المصرية القديمة، التي عُرفت تاريخيًا باعتبارها واحدة من أهم سلال الغذاء في العالم ومركزًا رئيسيًا لإنتاج الحبوب وتصديرها.
تُعد مصر من أكبر الدول استهلاكًا للقمح عالميًا، إذ يقترب حجم الاستهلاك السنوي من 20 مليون طن، بما يمثل نحو 2.6% من إجمالي الاستهلاك العالمي
لكن المشهد تبدّل بصورة جذرية عبر القرون اللاحقة؛ فبعدما كانت مصر لاعبًا رئيسيًا في سوق القمح العالمي، تحولت اليوم إلى واحدة من أكبر مستوردي القمح في العالم، في مسار يعكس تغيرات عميقة في التركيبة السكانية والاقتصادية والزراعية للدولة.
11 مليون طن فجوة بين الإنتاج والاستهلاك
تُعد مصر من أكبر الدول استهلاكًا للقمح عالميًا، إذ يقترب حجم الاستهلاك السنوي من 20 مليون طن، بما يمثل نحو 2.6% من إجمالي الاستهلاك العالمي، في ظل الاعتماد الواسع على الخبز كسلعة غذائية رئيسية داخل السوق المحلية، وفي المقابل، بلغ حجم الإنتاج المحلي خلال موسم 2024/2025 نحو 9.2 مليون طن فقط، ما يكشف عن فجوة غذائية تتجاوز 11 مليون طن سنويًا يتم سدها عبر الاستيراد من الخارج.
وبفعل هذه الفجوة، تعتمد القاهرة بصورة كبيرة على الأسواق الدولية، لا سيما روسيا وأوكرانيا وفرنسا ورومانيا، حيث سجلت واردات القمح المصرية خلال عام 2025 نحو 13.2 مليون طن، بفاتورة استيرادية تراوحت بين 3.3 و3.7 مليارات دولار، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وتقارير اقتصادية متخصصة.
وتذهب الحصة الأكبر من مخزون القمح إلى منظومة الخبز المدعم، إذ تخصص الدولة نحو 9 ملايين طن سنويًا لإنتاج الخبز المدعوم، الذي يُنتج منه يوميًا قرابة 270 مليون رغيف لتلبية احتياجات نحو 70 مليون مواطن مقيدين على بطاقات التموين، بحسب تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي.
ثلث الرقعة الزراعية المصرية
بلغت مساحة الأراضي المزروعة بالقمح في مصر خلال موسم 2025/2026 نحو 3.7 مليون فدان، بما يعادل قرابة ثلث إجمالي الرقعة الزراعية في البلاد، والتي تتراوح بين 9 و10 ملايين فدان، في مؤشر يعكس الأهمية الاستراتيجية التي يحظى بها المحصول داخل منظومة الأمن الغذائي المصري، باعتباره السلعة الأساسية التي يعتمد عليها ملايين المواطنين يوميًا.
ورغم هذا التوسع، فإن معدلات النمو السكاني المتسارعة رفعت حجم الطلب المحلي إلى مستويات تفوق القدرة الإنتاجية الحالية، لتتجاوز الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك 60% من احتياجات السوق تقريبًا، وهو ما أبقى مصر في دائرة الاعتماد الكبير على الاستيراد لتأمين احتياجاتها من القمح.
ودفعت هذه المعادلة الحكومات المصرية المتعاقبة إلى إعادة ترتيب أولويات السياسة الزراعية، عبر التوسع في استصلاح الأراضي الصحراوية وزيادة الرقعة القابلة للزراعة، في محاولة لتقليص فجوة القمح وتعزيز معدلات الاكتفاء الذاتي، وهو ما انعكس في إطلاق مشروعات قومية كبرى مثل مشروع “توشكى” ومشروع الدلتا الجديدة، اللذين يمثلان أحد أبرز رهانات الدولة لزيادة الإنتاج الزراعي خلال السنوات المقبلة.
السياسات الزراعية في مرمى الاتهام
أثار التحول التاريخي لمصر من واحدة من أبرز مراكز إنتاج الحبوب في العالم إلى أكبر مستورد للقمح عالميًا جدلًا واسعًا حول أسباب اتساع الفجوة الغذائية، وسط تحذيرات من انعكاسات هذا الاعتماد المتزايد على الخارج على الأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية للدولة.
ويرى الخبير الزراعي عبد السلام جمعة، المعروف بلقب “أبو القمح”، أن جذور الأزمة تعود إلى التحولات التي شهدتها السياسة الزراعية منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بعد التوسع في إنتاج الخبز المعتمد على القمح بدلًا من الذرة، وهو ما أدى إلى ارتفاع الطلب المحلي بصورة تجاوزت القدرة الإنتاجية مع مرور الوقت، خاصة مع ثبات الرقعة الزراعية لعقود طويلة.
ومع تصاعد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، اتجهت الحكومات المتعاقبة إلى تبني سياسات قائمة على الاستيراد وتمويله عبر عوائد تصدير المحاصيل ذات القيمة المرتفعة، مثل الفواكه والخضروات، غير أن الأزمات العالمية، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، كشفت هشاشة هذا النموذج، بعدما تحولت سوق القمح العالمية إلى ساحة اضطراب حادة هددت قدرة الدول المستوردة على تأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية.
هدر 15% من القمح بسبب سوء التخزين
من التناقضات الغريبة أنه في الوقت الذي تعاني فيه الدولة المصرية من فجوة كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك وتحمل أعباء مالية باهظة لتقليل تلك الفجوة عبر الاستيراد، تفقد مصر سنويًا نحو 15% من الحبوب لديها بسبب سوء التخزين، وهو ما يفوق المعدلات العالمية بكثير، بحسب أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة جمال صيام.
وبحسب تقديرات صيام، فإن حجم الفاقد يقترب من 3 ملايين طن سنويًا من إجمالي نحو 35 مليون طن يستهلكها المصريون من القمح والذرة والأرز، مرجعًا ذلك إلى ضعف منظومة التخزين واعتماد أساليب غير مطابقة للاشتراطات الفنية والصحية، بما يؤدي إلى تلف كميات كبيرة من المحاصيل الاستراتيجية، كما حمّل عددًا من الجهات الحكومية المعنية، بينها وزارات الزراعة والتموين وقطاع الأعمال والبنك الزراعي، مسؤولية استمرار هذا النزيف.
وتشير تقارير متخصصة إلى أن نسبة الفاقد من القمح وحده قد تصل في بعض السنوات إلى 30% من الكميات المخزنة داخل الشون والصوامع، بما يكلّف الدولة مليارات الجنيهات سنويًا نتيجة خسائر الحصاد والنقل والتخزين.
وسجلت الأزمة ذروتها في عام 2015، عندما قُدّر الفاقد بنحو 4 ملايين طن، أي ما يعادل 40% من إجمالي الإنتاج المحلي آنذاك، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو ما سلط الضوء على الحاجة الملحة لتطوير البنية التخزينية وتقليل الهدر في واحدة من أكثر السلع الاستراتيجية حساسية.
جهود الاكتفاء الذاتي
شهدت معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح في مصر تذبذبًا ملحوظًا خلال العقدين الماضيين، متأثرة بعوامل عدة، أبرزها النمو السكاني، وحجم الرقعة الزراعية، ومستويات الإنتاجية المحلية، فبحسب البيانات الرسمية، بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي نحو 54.9% خلال عام 2002/2003، واستقرت عند مستويات متقاربة في 2008/2009 بنحو 54.8%، قبل أن تسجل قفزة استثنائية في عام 2009 لتصل إلى 74.4%، وهو أعلى معدل تحقق خلال السنوات الماضية.
غير أن هذه النسبة عادت للتراجع بصورة حادة في السنوات التالية، لتصل إلى 40.5% خلال 2010/2011، ثم ارتفعت نسبيًا إلى 48.8% في 2011/2012 و56.7% في 2012/2013، قبل أن تعاود الانخفاض إلى 49.1% في 2014/2015، وصولًا إلى نحو 34.5% فقط عام 2017، في ظل اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. وفي عام 2019، تراوحت معدلات الاكتفاء الذاتي بين 43 و45%، وفق تصريحات وزير الزراعة الأسبق عز الدين أبو ستيت.
وفي محاولة لتقليص الاعتماد على الواردات، تبنت الحكومة المصرية حزمة من السياسات تستهدف رفع معدلات الاكتفاء الذاتي ضمن رؤية “مصر 2030″، لتصل لنحو 80%، تشمل التوسع الأفقي عبر استصلاح الأراضي وزيادة المساحات المزروعة، والتوسع الرأسي من خلال تطوير إنتاجية الفدان واستخدام أصناف عالية الجودة.
وأشار مدير معهد بحوث القمح بمركز البحوث الزراعية رضا محمد علي إلى أن مصر تزرع حاليًا نحو 20 صنفًا من القمح، فيما أوضح معاون وزير الزراعة محمد القرش أن الدولة تستهدف زيادة المساحات المزروعة بنحو 250 ألف فدان، إلى جانب رفع إنتاجية الفدان إلى 20 إردبًا، مع تقديم حوافز سعرية للمزارعين عبر زيادة أسعار التوريد بنسبة 15%.
لماذا يبقى حلمًا بعيد المنال؟
يرى خبراء أن صعوبة تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من القمح في مصر ترتبط بجملة من التحديات الهيكلية، تتصدرها معدلات النمو السكاني المرتفعة، التي تدفع الطلب المحلي على القمح إلى الزيادة بصورة مستمرة، في ظل الاعتماد الواسع على الخبز باعتباره المكون الرئيسي للغذاء اليومي للمصريين، كما تمثل محدودية الأراضي الزراعية والضغوط المتزايدة على الموارد المائية، مع ثبات حصة مصر من مياه النيل، أحد أبرز العوائق أمام التوسع الكبير في إنتاج المحصول الاستراتيجي.
وتتفاقم هذه التحديات بفعل المنافسة مع محاصيل أخرى تحقق عوائد اقتصادية أعلى للمزارعين، مثل الخضروات والمحاصيل التصديرية والبرسيم، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، بما يشمل أسعار الأسمدة والطاقة والتقاوي، وهو ما يقلل من جاذبية التوسع في زراعة القمح رغم الحوافز الحكومية المقدمة للفلاحين.
وفي المقابل، تسعى الدولة إلى تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك عبر التوسع في مشروعات استصلاح الأراضي، وعلى رأسها الدلتا الجديدة وتوشكى، فضلًا عن زيادة أسعار توريد القمح المحلي لتحفيز المزارعين على التوسع في زراعته، غير أن هذه الجهود لم تنجح حتى الآن في الوصول إلى معدلات تحقق الاكتفاء الذاتي الكامل من المحصول.
أزمة إرادة في المقام الأول
يرى مراقبون أن أزمة الاكتفاء الذاتي من القمح في مصر لا ترتبط فقط بالتحديات السكانية والمائية والزراعية، بل تمتد كذلك إلى طبيعة الرؤية السياسية والاقتصادية الحاكمة لهذا الملف، ومدى وجود إرادة حقيقية لتبني مشروع طويل الأمد يهدف إلى تقليص الاعتماد على الخارج في واحدة من أكثر السلع الاستراتيجية حساسية.
وفي هذا السياق، كشف عالم الهندسة الوراثية المصري الراحل أحمد مستجير، خلال حوار أجريته معه في 2005، أنه تقدم بمقترح علمي لوزارة الزراعة يتضمن تطوير سلالات هجينة من القمح والأرز تتحمل الجفاف والملوحة وتحتاج إلى كميات أقل من المياه، بما يسمح بزراعتها في المناطق الصحراوية وعلى أطراف الترع والمصارف، الأمر الذي كان من شأنه تقليص فاتورة استيراد القمح وتقليل الضغط على الموارد المائية، لكنه – بحسب روايته – لم يحظَ بالاهتمام الكافي من الجهات الرسمية.
وأكد مستجير حينها أن دولًا عدة عرضت عليه شراء هذا البحث الذي أدخل عليه تطورات عدة على مدار سنوات، وكان يرغب في أن تكون بلاده الأحق به وبمخرجاته الهائلة، لكنه صدم من رد الفعل السلبي الذي قوبل به بحثه، لافتًا أن الأمر يحتاج إلى إرادة سياسية في المقام الأول، فالدولة إذا ترغب في تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح فالطريق ممهد، ودون أي عقبات فنية، لكن الأمور – بحسب تعليقه- بها كواليس تتعلق بخريطة نفوذ غذائي دولية، تضع دولًا في مرتبة “A” تمارس كل أنواع الابتزاز لإخضاع دول المرتبة “B” لحسابات سياسية دولية.
واستشهد العالم المصري الراحل بتجربته في الهند، حيث شارك منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي في مشروع لتطوير سلالات من الحبوب تتحمل الملوحة والجفاف، والذي عُرف حينها بـ “زراعة الفقراء” وهو ما ساعد الهند لاحقًا على تعزيز إنتاجها المحلي من القمح والتحول تدريجيًا من دولة مستوردة إلى دولة تحقق الاكتفاء الذاتي وتملك فائضًا للتصدير.
(ألترا صوت)



