قضايا وتحليلات

غزة تفضح ازدواجية العالم وبن غفير ينسف رواية الاحتلال

تتصاعد حدة الغضب الدولي تجاه الكيان الإسرائيلي عقب تداول مشاهد صادمة لانتهاكات تعرض لها ما يزيد عن 170 من نشطاء “أسطول الصمود” المتجه إلى قطاع غزة، على أيدي قوات الأمن الإسرائيلية، في واقعة أثارت موجة إدانات واسعة خاصة بعد تباهي وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بنشر تلك المشاهد بعنصرية واضحة.

وأظهرت المقاطع المتداولة النشطاء وهم مكبلو الأيدي، مجبرون على الجثو في أوضاع مهينة، وسط تعرضهم لإساءات لفظية وجسدية من بعض عناصر الأمن، بينما علت ضحكات السخرية والوعيد بمزيد من التنكيل والاحتجاز، في مشهد وصفه مراقبون بأنه يكشف الوجه الحقيقي لسياسات الاحتلال، ليس ضد الفلسطينيين فقط، بل ضد حتى كل من يفكر بشكل سلمي إنساني في كسر الحصار المفروض على القطاع.

وسرعان ما تحولت الواقعة إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة، دفعت عدة دول أوروبية إلى اتخاذ مواقف تصعيدية تراوحت بين استدعاء السفراء وإصدار بيانات إدانة شديدة اللهجة، بل وصل الحد إلى غضب السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، وهو المعروف بصهيونيته الفجة، ودعمه اللا محدود للكيان المحتل، حيث وصف تلك الانتهاكات بأنها “مهينة وغير مقبولة دوليًا”.

وتعكس هذه المشاهد وردود الفعل بشأنها حجم التحول المتسارع في صورة “إسرائيل” عالميًا، بعدما سقطت تدريجيًا الرواية المزيفة التي سعت لعقود إلى تسويقها باعتبارها الدولة الحضارية الديمقراطية الإنسانية، إذ عرت حرب غزة، وما تبعها من انتهاكات متكررة، الوجه الحقيقي العنصري للكيان المحتل وعقليته الوحشية المجرمة، الأمر الذي يفاقم عزلة تل أبيب الدولية ويوسع فجوة الثقة بينها وبين العديد من حلفائها التقليديين، خاصة في أوروبا.

غضب دولي

أثارت المشاهد موجة غضب دولية واسعة، دفعت العديد من الدول إلى اتخاذ إجراءات دبلوماسية تصعيدية ضد تل أبيب، كان أبرزها استدعاء السفراء الإسرائيليين للتوبيخ والاحتجاج الرسمي، حيث أقدمت تسع دول على هذه الخطوة هي كندا وبلجيكا وفرنسا وإيطاليا والبرتغال وهولندا وإسبانيا وأستراليا ونيوزيلندا.

كما تبنت عدة عواصم أوروبية خطابًا شديد اللهجة تجاه الواقعة، إذ أعربت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر عن “صدمة بالغة” إزاء المشاهد المتداولة، بينما وصفت فرنسا ما جرى بأنه “تصرف غير مقبول” من وزير الأمن الإسرائيلي، في وقت طالب فيه نواب وشخصيات من اليسار الفرنسي الحكومة بالتحرك العاجل للإفراج عن النشطاء الذين اعتقلتهم “إسرائيل” “بشكل غير شرعي”،  أما ألمانيا فاعتبرت المشاهد “غير مقبولة بتاتًا”، فيما أكدت الحكومة الإيطالية أن معاملة النشطاء الذين كانوا يحاولون إيصال مساعدات إنسانية إلى غزة “مرفوضة بالكامل”.

ولم تقتصر الإدانات على أوروبا، إذ وصف الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ ما حدث بأنه “تجاوز صارخ للحدود”، بينما اتهمت تركيا حكومة بنيامين نتنياهو بتجسيد “العقلية الوحشية والإجرامية” في تعاملها مع النشطاء والمتضامنين الدوليين، فيما دعت الخارجية القطرية المجتمع الدولي إلى تحرك عاجل لوقف “الاستفزازات الإسرائيلية” مع ضرورة محاسبة حكومتها على “جرائمها وانتهاكاتها المتواصلة ووضع حد لسياسات الإفلات من العقاب.

الإعلام الغربي.. صورة “إسرائيل” في خطر

شن الإعلام الغربي هو الأخر هجومًا موازيًا للهجوم الدبلوماسي الرسمي، حيث اعتبرت العديد من الصحف ووسائل الإعلام الغربية أن المشاهد المتداولة تمثل “لحظة كاشفة” عمّقت أزمة صورة “إسرائيل” عالميًا، وكشفت حجم التآكل المتسارع في روايتها التقليدية أمام الرأي العام الدولي.

وفي هذا السياق، رأت صحيفة “الغارديان” أن تلك المشاهد “تضاعف الضغوط الأخلاقية والسياسية” على الحكومة الإسرائيلية، مؤكدة أن طريقة التعامل مع النشطاء الأوروبيين والمتضامنين الدوليين ستؤدي إلى تصاعد الغضب الشعبي داخل القارة الأوروبية، خاصة في ظل الانتقادات المتزايدة المرتبطة بالحرب على غزة.

بدورها، اعتبرت “نيويورك تايمز” أن الأزمة تجاوزت حدود توقيف نشطاء لتتحول إلى اختبار جديد لصورة “إسرائيل” أمام الرأي العام الغربي، خصوصًا بعد الانتشار الواسع للمقاطع المصورة عبر الإعلام ومنصات التواصل، فيما ركزت صحيفة “لوموند” الفرنسية على “الطابع المهين” للمشاهد، معتبرة أن الصور المتداولة تعزز الاتهامات الموجهة لإسرائيل بشأن “الاستخدام المفرط للقوة والتعامل الانتقامي مع المتضامنين”.

أما شبكة “بي بي سي” فرأت أن ردود الفعل الأوروبية الغاضبة تعكس تحولًا تدريجيًا في المزاج السياسي والإعلامي الغربي تجاه السياسات الإسرائيلية، لا سيما بعد حرب غزة وما خلفته من صور دمار وضحايا مدنيين، وفي السياق ذاته، تحدثت “سي إن إن” عن اتساع الجدل داخل الولايات المتحدة نفسها، مع تزايد الأصوات التي ترى أن مثل هذه المشاهد “تضر بصورة “إسرائيل” أكثر مما تخدم أمنها”، بينما وصفت صحيفة “كورييري ديلا سيرا” الإيطالية الوزير إيتمار بن غفير بأنه “الأكثر تطرفًا” داخل الحكومة الإسرائيلية.

حكومة نتنياهو في مأزق

وجدت حكومة نتنياهو نفسها في مأزق سياسي وإعلامي كبير عقب نشر هذه المقاطع، التي أثارت غضبًا واسعًا وصل حتى إلى بعض الشخصيات المعروفة بدعمها التقليدي لإسرائيل، وفي مقدمتها السفير الأمريكي لدى تل أبيب، الذي دافع لسنوات عن السياسات الإسرائيلية في غزة وتبنى خطاب الحكومة الإسرائيلية في مختلف المحافل، إلا أن المشاهد المتداولة دفعته هذه المرة إلى التنديد بما جرى، واصفًا تصرفات وزير الأمن القومي بأنها “مشينة ومرفوضة دوليًا”، في دلالة واضحة على حجم الحرج الذي سببته تلك المشاهد لصورة “إسرائيل” أمام الرأي العام العالمي.

كما كشفت المقاطع المتداولة، بصورة غير مسبوقة، طبيعة الممارسات الإسرائيلية القائمة على العنف والإهانة بحق نشطاء مدنيين لم يكونوا يحملون سلاحًا أو يشكلون تهديدًا أمنيًا، بل تحركوا بدوافع إنسانية للتضامن مع سكان قطاع غزة المحاصر، وهو ما أضعف بشكل كبير الرواية الإسرائيلية التقليدية التي طالما بررت الانتهاكات تحت عنوان “الدفاع عن النفس”.

ويبدو أن اتساع حالة الغضب الدولي والتي تمثلت في العديد من الممارسات المنددة مؤخرًا، دفع نتنياهو إلى التدخل المباشر وإصدار تعليمات بترحيل النشطاء خارج الأراضي المحتلة، في محاولة لاحتواء التداعيات المتصاعدة، بالتزامن مع صدور انتقادات من داخل الحكومة نفسها حمّلت بن غفير مسؤولية الإساءة لصورة “إسرائيل” وتعميق أزمتها الإعلامية والحقوقية دوليًا.

وهكذا تحولت تصرفات بن غفير، بما حملته من خطاب متطرف وممارسات استفزازية، إلى عامل هدم للرواية التي عملت آلة الدعاية الإسرائيلية على ترسيخها لعقود طويلة، الأمر الذي أثار مخاوف متزايدة داخل “إسرائيل” ولدى حلفائها من انعكاس ذلك على مكانتها وصورتها عالميًا.

غزة تفضح ازدواجية العالم

لا يمكن بأي حال مقارنة الانتهاكات التي تعرض لها نشطاء “أسطول الصمود” بما تعرض له سكان قطاع غزة على مدار عامين من الحرب، حيث واجه المدنيون هناك أشكالًا واسعة من الانتهاكات التي وصفتها منظمات حقوقية ودولية بأنها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، شملت القتل الجماعي والتجويع والتهجير القسري والاعتقالات والانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، وسط عجز دولي واضح عن وقف تلك المأساة الإنسانية أو محاسبة المسؤولين عنها.

وحين تُقارن حالة الغضب الأوروبي والتفاعل الدولي السريع إزاء بعض مشاهد التنكيل التي تعرض لها نشطاء يحملون جنسيات غربية، بحجم الصمت أو محدودية التحرك تجاه ما تعرض له أكثر من مليوني فلسطيني على مدار شهور طويلة من الحرب والحصار والانتهاكات الواسعة، تتكشف بصورة أكثر وضوحًا أزمة المعايير المزدوجة التي تحكم الخطاب الغربي في ملفات العدالة وحقوق الإنسان.

فالفجوة الكبيرة بين طبيعة ردود الأفعال في الحالتين أعادت إلى الواجهة تساؤلات عميقة حول مدى عالمية المبادئ التي يرفعها الغرب بشأن المساواة والكرامة الإنسانية، في ظل شعور متزايد ومثبت عمليًا بأن حياة الفلسطيني لا تحظى بالقيمة ذاتها داخل المنظومة السياسية والأخلاقية الغربية.

ومنذ اندلاع الحرب على غزة، بدا واضحًا أن المشهد الدولي يمر بلحظة اختبار تاريخية كشفت الكثير من التناقضات داخل النظام العالمي المعاصر، وأسقطت تدريجيًا الصورة المثالية التي جرى الترويج لها لعقود طويلة حول العدالة الدولية وحقوق الإنسان، ولهذا وصفت حرب غزة بأنها واحدة من أكثر الحروب كاشفية وفضحًا لطبيعة التوازنات الدولية، ليس فقط بسبب حجم المأساة الإنسانية، بل لأنها أعادت رسم حدود الخطاب السياسي والأخلاقي العالمي، ودفعت كثيرين للاعتقاد بأن ما بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها.

في المحصلة، يُحسب لغزة وأهلها أنهم نجحوا، بعدالة قضيتهم الإنسانية والسياسية، في فضح الوجه الحقيقي للاحتلال الإسرائيلي وإسقاط جانب كبير من السردية التي عملت تل أبيب لعقود على ترسيخها أمام العالم، وهي المكاشفة التي عرت الكيان الصهيوني أمام الرأي العام الدولي، مما زاد يوميًا من رقعة العزلة الدولية له.

ولم يكن لهذا التحول المتزايد في كشف صورة “إسرائيل” الفعلية أن يتحقق لولا صمود أهل غزة، سواء من بقوا ثابتين في الميدان تحت وطأة الحرب والحصار، أو من دفعوا أرواحهم ودماءهم ثمنًا لإبقاء القضية الفلسطينية حية في ضمير الشعوب وعلى أجندة المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية، فهذه التضحيات الهائلة أسهمت في إعادة تشكيل الوعي العالمي بالقضية، وهو ما ينعكس تدريجيًا في تراجع مستويات الدعم الدولي للكيان الصهيوني، مقابل تنامي التعاطف الشعبي العالمي مع فلسطين وحقوق شعبها المشروعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى