
أمينة العناني تكتب: شهيد كفر العيص
طوال عاما كامل، كان يغادر منزله للعمل والزيارات العائلية فقط، لا يجلس أمام المنزل، وهي عادة طبيعية لأهل القرى والأرياف، كان حريصا على أن يجلس يتسامر مع أهل بيته وأبنائه طوال هذا العام، لكنه منذ عدة أسابيع، غير هذه العادات البسيطة.. يعود من العمل.. يتناول طعامه يخرج إلى ” البسطة” أمام منزله، يضاحك ويسامر كل من يمر أمامه، يطمئن على الجميع ولا يبخل على محتاج..
أيام وأيام تمر على هذا الحال، حتى جاء اليوم الموعود، توجه إلى المسجد لآداء صلاة الفجر، وهى من العادات اليومية التي كان يحرص على الحفاظ عليها، مثله مثل غالبية سكان القرية.. بعد الصلاة، هم شيخ المسجد لإغلاق النوافذ والأبواب، لكنه طلب من إمام المسجد بل وصمم على أن يقوم هو بإغلاقها جيدا..
توجه إلى المقطورة التي يقودها لنقل محتواها، فطبيعة عمله هو نقل البضائع والسلع من قرية إلى آخرى وأحيانا من محافظة إلى آخرى، صادفه عطل فني في العربة، ارتجل هو وتابعه في محاولة لإصلاحه، افترش الأرض أسفل العربة وحاول.. ظن أن العطل بسيط .. .. لكن حدث ما لم يكون في الحسبان.. اهتزت المقطورة وتمكن التابع من الهرب من أسفلها إلا أنه لم يتمكن وسقطت على صدره الحاوية فأطبقت عليه.. تمكنت الأسعاف من الوصول إلى مكان الحادث سريعا ونقله إلى أقرب مستشفى وحاول الطبيب إنقاذه، ضاغطا على صدره فخرجت الدماء من أذنه لتعلن مفارقته للحياة مبتسما مستبشرا بلقاء الله..
نزل خبر وفاته كالصاعقة على قريته وأفراد أسرته.. الجميع في ذهول.. تذكر كل قرد منهم لحظاته الأخيرة معه.. شهدت قرية كفر العيص جنازة لم تشهدها من قبل.. خرج الآلاف كبارا وصغارا.. رجالا ونساءا.. لتشييع جثمانه لمثواها الأخير.. ترددت كلمات الذكر في المكان ترجه.. الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله.. الشهيد حبيب الله..
أقيم العزاء أمام منزله.. السيدات في مكان والرجال في مكان آخر.. ظل العزاء عدة أيام فالراحل كان له من المعارف الآلاف من القرية والقرى المجاورة بل وبعض المحافظات المحيطة.. رحمه الله ورحم موتانا جميعا..
“وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ”.
حفل العزاء بالعادات المصرية الأصيلة القديمة، التي أعتقد أنها مازالت مستمرة في جميع قرى ومحافظات مصر، وهي ما دفعتني لأن أكتب هذا المقال.. فبالرغم من ضيق الحال والتمدين الذي نشهده حاليا ، إلا أن العادات والتقاليد لا يعفو عنها الزمن ولا يغفلها المصريون.. فالمصري لا يتناسى أبدا الأصول التي اعتاد عليها وورثها من أبائه وأجداده..
صواني من الطعام يقدمها الجيران في العزاء ولمنزل أهل المتوفي في الثلاث وجبات.. بعضها تمتلئ باللحوم والدواجن والخضروات المطهية، وبعضها يمتلئ باللأجبان والفطائر والخبز المحلي الخاص بهم.. أباريق المياه والعصائر وأكواب الشاي والقهوة تجوب العزاء دون انقطاع.. يقدم كل بيت في القرية ثلاث صواني يوميا للإفطار والغذاء والعشاء، وكلا حسب مقدرته.. المهم أن الجميع يشارك في واجب العزاء بما تسمح له ظروفه. يعد كفر العيض قرية تابعة لمركز كوم حمادة في قرى محافظة البحيرة، وسميت بهذا الأسم نسبة إلى الشجر الذي تزخره به والملتف بعضه في أصول بعض في صورة مترابطة، ليكون من أفضل الأشجار ومنها شجر السدر والعوسج والأذخر وغيرها من الأشجار الأصيلة النادرة المتميزة، ومن مشاهير مواليد محافظة البحيرة، الفنانة الكبيرة عبلة كامل والفنان الراحل عبد العزيز مخيون والمؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي والداعية المصري عبد الحميد كشك.



