
أسامة صبرة: لماذا لا تلقي العلمانية قبولاً شعبوياً في مصر؟
أثار إعلان أحمد سامر، مؤسس حركة «علمانيون» في مصر، توقف النشاط الثقافي للحركة بشكل رسمي بعد نحو 15 عاماً من العمل، قدّم خلالها أكثر من 860 فعالية تنوعت بين ندوات فكرية وصالونات ثقافية وأنشطة أدبية وعروض سينمائية ونادي كتاب، تساؤلات حتمية حول أسباب هذا التعثر.
القرار جاء نتيجة أزمة مالية متفاقمة حالت دون استمرار المشروع، مع عجز عن تغطية النفقات الأساسية وعلى رأسها الإيجار وتكاليف التشغيل، رغم اعتماد الحركة طوال سنواتها على الجهود الذاتية ومساهمات محدودة من بعض الداعمين.
وأوضح سامر في فيديو نشره عبر الصفحة الرسمية أن محاولات جرت خلال الأشهر الأخيرة للتواصل مع شخصيات عامة وجهات داعمة لإنقاذ النشاط لم تُثمر، وأن ارتفاع التكاليف في ظل الظروف الاقتصادية جعل الاستمرار شبه مستحيل، مرجحاً أن يكون التوقف نهائياً أو طويل الأمد.
ولم تكن الحركة مجرد نشاط رقمي، بل مشروعاً ثقافياً تأسس عام 2011، هدف إلى فتح نقاشات حول العلاقة بين الدين والسياسة، وتكوين فضاء للفكر النقدي والتنويري، مع التأكيد على طابعه غير الربحي، وأن أطروحاته لا تستهدف الدين بل تعيد التفكير في موقعه داخل المجال العام.
ورغم أن هذا الإعلان يبدو في ظاهره حدثاً تنظيمياً مرتبطاً بأزمة مالية، فإنه يعيد فتح سؤال أوسع وأكثر تعقيداً: لماذا لم تتحول العلمانية في مصر إلى تيار اجتماعي واسع القبول، رغم حضورها في بعض الدوائر الثقافية، والدعم الذي تحظى به في مساحات نخبويّة وإعلامية محددة؟
إن مقاربة هذا الاستعصاء تتطلب تجاوز التباكي الثقافي أو السجال الأيديولوجي، لصالح تشريح رصين يرى العلمانية لا كفكرة مجردة أسيء فهمها، بل كظاهرة خضعت للتوظيف التاريخي، وتأثرت بالهندسة الدولية، وتحولت تدريجياً من طروحات مدنية مستقلة إلى مسارات تتقاطع مع التوجهات الإدارية والمؤسسية للدولة.
🔻الهوية وأبعاد “العلمنة الجديدة”
تتداخل في الإجابة عن هذا السؤال طبقات تاريخية وثقافية تجعل من الدين عنصراً مركزياً في تشكيل الوعي الجمعي داخل المجتمع المصري؛ فالدين لا يعمل هنا كمنظومة شعائر فقط، بل كمرجعية قيمية وأخلاقية ممتدة في تفاصيل الحياة اليومية، من السلوك الاجتماعي إلى تصور الخير والشر، ومن العلاقات الفردية إلى رؤية المجتمع لنفسه.
هذا العمق التاريخي جعل أي طرح يفصل الدين عن المجال العام يبدو عند قطاعات واسعة وكأنه تهديد للبنية الرمزية للمجتمع، لا مجرد نقاش حول شكل الدولة أو آليات الحكم. ومع تراكم هذا الارتباط عبر الزمن، أصبح الدين جزءاً من تعريف الهوية ذاتها، لا مجرد عنصر داخلها.
لكن هذا الجذر الأنثروبولوجي الأعمق لم يعد مجرد طبيعة عفوية للمجتمع، بل أصبح جدار الصد الأساسي ضد ما يسمى بـ “العلمنة الجديدة”؛ فالعلمنة في سياقها الغربي الكلاسيكي ارتبطت بفصل الدين عن الدولة عقب الثورة الفرنسية وتراجع نفوذ الكنيسة، غير أن باحثين معاصرين من أمثال تشارلز تايلور وطلال أسعد يشيرون إلى أن العلمنة تجاوزت مفهوم الفصل لتصبح عملية إعادة تشكيل للدين ضمن شروط الحداثة، حيث يُعاد تعريف التدين كظاهرة اجتماعية تخضع للإدارة التنظيمية والمعايير الوظيفية.
هنا تبرز العلمانية الشاملة التي تسعى في السياق الإسلامي إلى ما هو أبعد من الفصل المؤسساتي، مستهدفة اختراق المرجعية الإسلامية ذاتها وتفكيك أطرها المعرفية، وهو ما يفسر النفور الشعبي الغريزي منها؛ فالجماهير تستشعر أن الأمر لا يتوقف عند حدود تحييد التشريع، بل يمتد إلى تفريغ الطقوس من محتواها الآمر، وتحويل العبادات إلى ممارسات فلكلورية تقبل بسلوكيات حداثية تتعارض مع الأحكام الشرعية المستقرة تحت لافتة الحريات الشخصية.
🔻الالتباس والجيوبوليتيك الدولي.
تزداد الإشكالية تعقيداً مع غياب تعريف مستقر للعلمانية في الوعي العام، حيث اختلط المفهوم في أذهان كثيرين بمفاهيم أخرى مثل الإلحاد أو معاداة الدين، نتيجة خطاب استقطابي طويل وتشويه متكرر للمصطلح في الفضاء العام. هذا الخلط لم ينتج مجرد سوء فهم، بل خلق حاجزاً نفسياً يجعل النقاش يبدأ من موقع رفض مسبق قبل حتى فهم الفكرة.
وفي الوقت نفسه، ظل جزء كبير من الخطاب العلماني محصوراً داخل دوائر نخبوية، يُصاغ بلغة فكرية وتجريدية بعيدة عن الواقع اليومي، وبين خطاب ثقافي يُنتج داخل الصالونات الفكرية، واحتياجات مجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية ومعيشية مباشرة، تتسع الفجوة ويضعف الحضور الشعبي للفكرة مهما ازداد تداولها.
إلى جانب هذه اللغة العاجزة، تأثرت العلمانية الشعبية بأبعاد الجيوبوليتيك الدولي المعني بهندسة التدين؛ ففي عام 2007، أصدرت مؤسسة “راند” البحثية تقريراً بعنوان “بناء شبكات مسلمة معتدلة”، رسم استراتيجية للتعامل مع البنية الثقافية للمجتمعات المسلمة من الداخل، وحدد التقرير بدقة سمات المسلم المعتدل بأنه العلماني أو الليبرالي الموالي للمنظومة الغربية والرافض للشريعة، ودعا إلى دعم الحركات الصوفية والتقليدية التي لا تتقاطع مع المصالح الدولية، فيما أطلق عليه المبعوث الأمريكي السابق دنيس روس مصطلح “علمانية الدعوة”.
هذا الربط البنيوي بين الأطروحات العلمانية المحلية والأجندات الخارجية نزع عن العلمانية صفتها كمشروع تحديث وطني نابع بالكامل من وجدان البيئة المحلية، وحولها في نظر الشارع إلى أداة تهدف إلى خلخلة الركائز الأخلاقية وتقويض الأنساق القيمية، مما ينتج حالة من سيولة الهوية والاهتمام بقشور الحضارة الغربية الاستهلاكية.
🔻الاستقطاب والتحولات الهيكلية
لم يُطرح مفهوم العلمانية دائماً بوصفه إطاراً لتنظيم العلاقة بين الدين والدولة، بل جرى في كثير من الأحيان تقديمه كبديل شامل أو كخط مقابل للخطاب الديني، مما أسهم في تحويل النقاش من مساحة فكرية إلى حالة استقطاب، حيث تُقرأ الأفكار ضمن ثنائيات حادة، فزاد ذلك من حساسية النقاشات المرتبطة بالهوية، وجعل المسافة بين الأطراف الفكرية أقل قابلية للتفاوض أو التدرج، وأقرب إلى الاصطفاف.
وفي هذا الإطار، يرى الكاتب العلماني خالد منتصر أن المشكلة لا تكمن في الفكرة نفسها، بل في طريقة تلقيها داخل بيئة لم تُتح فيها مساحة كافية للنقاش المتدرج، ما أدى إلى سوء فهمها، بينما يرى اتجاه آخر أن محدودية القبول الشعبي تتعلق بقدرة الفكرة على التحول إلى ممارسة اجتماعية راسخة، بعيداً عن دوائر النقاش النخبوي.
ومن زاوية تنظيمية، تعكس تجربة حركة «علمانيون» بقيادة أحمد سامر نموذجاً لتحديات المشاريع الفكرية غير التقليدية، حيث اصطدمت الاستمرارية بعقبة التمويل والتكاليف التشغيلية، ما يكشف أن البنية التنظيمية لا تقل أهمية عن الفكرة ذاتها في ضمان البقاء.
لكن المأزق الأكبر للعلمانية طفا على السطح خلال محطات التحول السياسي الكبرى بعد عام 2011؛ فبعد مواجهة الأحزاب والتيارات العلمانية صعوبات حقيقية في حشد الشارع والحصول على أغلبية عبر صناديق الاقتراع، حدث الفرز المجتمعي الكبير الذي بلورته توازنات عام 2013، وفي خضمه آثرت النخب العلمانية الاصطفاف وراء أدوات الدولة وتأييد المسار التنظيمي الجديد والسياسات الرسمية الساعية لتحجيم تمدد تيار الإسلام السياسي، معتبرة ذلك خطوة ضرورية لحماية مدنية الدولة.
بيد أن هذا الاصطفاف أدى بالتبعية إلى إضعاف تمايز الخطاب المدني المستقل، حيث ذابت أطروحات النخبة العلمانية تدريجياً داخل الأجندة الإجرائية للدولة، مما أفقدها القدرة على تقديم رؤية نقدية متميزة، وجعل حضورها الجماهيري مرتبطاً بالغطاء الرسمي ومحدوداً بحدوده.
لقد شهدت العلمانية في مصر تحولات جوهرية ارتبطت بطبيعة النظم الحاكمة وتوجهاتها الأيديولوجية عبر العهود المتعاقبة؛ فالحقبة الناصرية شهدت توجهاً علمانياً سياسياً راديكاليا اعتمد على مركزية الدولة وتحجيم التيارات الدينية التقليدية، ولم تكن التجربة قائمة على الفصل المطلق، بل على السيطرة وتأميم الخطاب الديني عبر قانون تطوير الأزهر عام 1961، لدمج المؤسسة الدينية ضمن مشروع الدولة وتوجيهاتها القومية.
وفي عهدي السادات ومبارك، حدثت قطيعة نسبية مع النموذج الناصري، حيث فتح السادات المجال للتيارات الإسلامية لضرب اليسار وتبنى لقب الرئيس المؤمن، بالتزامن مع صعود الصحوة الإسلامية كبناء قاعي رداً على إخفاقات المشاريع التحديثية السابقة، وعقب التحولات السياسية اللاحقة، جرت العودة لمفهوم العلمانية الإجرائية في القوانين والإدارة مع اعتماد سياسة احتواء وضبط أمني للمجال الديني طوال عهد مبارك.
أما في مرحلة ما بعد عام 2013، فقد تحولت العلمانية من أطروحة مدنية حركية إلى أداة تنظيمية تقودها مؤسسات الدولة، وانتقل التوجه من الفصل المؤسسي التقليدي إلى استراتيجية هندسة المشهد الديني، وتوظيف دعوات تجديد الخطاب الديني كآلية إدارية لإخضاع الفضاء الروحي للأطر الرسمية، من خلال قصر اعتلاء المنابر على المرخص لهم، وفرض الخطبة الموحدة، وتحويل القطاع الدعوي إلى هيكل بيروقراطي محكوم بالكامل، مع تقنين العمل الجمعي وتجفيف منابع الدعم المالي المستقل للجمعيات الأهلية ذات الطابع الديني.
كما وظف الإعلام الموجه أدوات لإعادة صياغة الوعي الديني العام؛ عبر إبراز التدين الفردي الأخلاقي وتلقين قيم الامتثال، مقابل تهميش الأبعاد التشريعية والسياسية للمرجعية الدينية، وتوظيف مصطلحات ذات بريق إيجابي مثل المدنية أو العقلانية كغطاء يمرر منظومات قانونية واقتصادية تدار بمعايير تقنية حداثية متباعدة عن المصادر الفقهية التقليدية.
هذا الاندفاع نحو العلمنة الشاملة اصطدم تاريخياً بالدور المستقل للأزهر الشريف؛ حيث ظهرت مساحات تباين مكتومة ومعلنة بين الطرح الرسمي الساعي لثورة دينية وبين مشيخة الأزهر التي تحصنت بوضعها القانوني والدستوري، وقدمت خطاباً متمسكاً بأصالة التراث وتفكيك المقولات التي تربط العنف بالدين الإسلامي بحد ذاته، مما دفع السياسات الرسمية أحياناً نحو تشجيع تعددية مرجعية غير متجانسة تضم دعاة إلكترونيين وشيوخاً تجاريين لإضعاف قدرة المؤسسة التقليدية على الضبط الاجتماعي.
إن ما يُطرح اليوم تحت لافتة العلمنة الجديدة لا يبدو مشروعاً نهضويّاً مستقلاً، بل هو نموذج هجين يرفض الفصل البنيوي بين الدين والدولة لكنه يجرده من فاعليته المستقلة عبر الاحتواء لا الإقصاء بجعل المنظومة الرسمية الموجه الأساسي للدين، وتأميم السلطة الرمزية بتحويل الدين إلى أداة ضبط واستقرار، وإفراغ الإسلام من كونه نسقاً تشريعياً عاماً يوجه المجتمع ليحيله إلى قناعات فردية معزولة عن القرار العام.
ويبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة النخب العلمانية على جسر الهوة مع وجدان شعبي لا يرى في العلمانية سوى ترف صالونات أو أداة إجرائية، متمسكاً بدينه كمرجعية عليا تتجاوز حدود الإدارة السياسية والتقلبات الأيديولوجية الحاكمة.


