أوراق سياسات

الدور الفرنسي في لبنان في ظل التفاعلات الجارية

ملخص الدراسة

تتناول الدراسة واقع السياسة الفرنسية في لبنان باعتباره نموذجا لتراجع النفوذ الفرنسي في الشرق الأوسط. فبعد أن تمتعت فرنسا بعلاقات تاريخية قوية مع لبنان منذ عهد الانتداب، حاولت استعادة دورها عقب انفجار مرفأ بيروت سنة 2020 عبر مبادرات سياسية وإنسانية قادها الرئيس إيمانويل ماكرون. إلا أن هذه الجهود اصطدمت بتزايد النفوذ الأمريكي والإيراني، إلى جانب الحضور التركي، مما قلص  قدرة باريس على التأثير في مسار الأحداث اللبنانية. وتخلص الدراسة إلى أن فرنسا لم تعد الفاعل الرئيسي في لبنان، وأصبح دورها محدودًا مقارنة بالقوى الإقليمية والدولية الأخرى.

يبرز لبنان كعنوان اخر لمظاهر تراجع السياسة الفرنسية في بعدها الشرق أوسطي وهذا ما بدى جليا من خلال الانخراط الأمريكي المباشر في إدارة الصراع بين اسراىيل ولبنان وتعزيز الحضور التركي أيضا إضافة إلى النفوذ التقليدي لطهران في إدارة جزء من المشهد السياسي ببيروت ممثلا في حزب الله وحركة أمل بصيغة تحالفية تتماهى مع السياسات الإيرانية فمنذ تصدر الرئيس ماكرون للصورة في انفجار مرفأ بيروت والنفوذ الفرنسي يتراجع تدريجيا لصالح أطراف أخرى وعلى ضوء ماسبق نتناول في هاته الدراسة الخلفية التاريخية للحضور الفرنسي في لبنان وعوامل تراجع نفوذ في باريس ومستقبلها في لبنان.

من خلال هذه الدراسة نطرح الإشكالية التالية :

للإجابة على هذه  الإشكاليةاعتمدت هذه الدراسة على المنهج التاريخي لتتبع تطور العلاقات الفرنسية–اللبنانية وجذورها التاريخية، كما اعتمدت على المنهج التحليلي لتحليل السياسة الفرنسية الراهنة تجاه لبنان، وبيان أهدافها، ومظاهر تراجع نفوذها في ظل التحولات الإقليمية والدولية

سعيا للوصول إلى جذور وطبيعة العلاقات الفرنسية اللبنانية كان لزاما أن نبحث في أروقة التاريخ للوصول الى العلاقة في عرض سريع موجز.

فخلال مطاردة المصريين للهكسوس في عهد الدولة الفرعونية الحديثة في مصر، ضم تحتمس الثالث للسيادة المصرية الساحل الشرقي للبحر المتوسط بالكامل، بالإضافة إلى المدن الفينيقية، مؤسسًا بذلك أول إمبراطورية في التاريخ تمتد من تركيا شمالا إلى الصومال جنوبا، والعراق شرقا، وليبيا غربا.[3] بعدها استقل الفينقيون وسكنوا سوريا ولبنان فترة من الزمن ليست بالقليلة وفي عام 64 قبل الميلاد حل الرومان محل الإغريق في لبنان والبلاد المحيطة به، والذين بقوا فيه حتى عام 636 للميلاد ، ومع إنتشار الديانة المسيحية منذ القرن الأول الميلادي وما يليه ، بطول سواحل البحر الأبيض المتوسط وما وراءها. كانت سوريا ولبنان من أوائل البلدان التي أعتنقت المسيحية. في بادئ الأمر، لم تعر الإمبراطورية الرومانية اهتماما بالمسيحيين أو قل تسامحت معهم، ثم اضطرت لاضطهادهم، وفي نهاية اتجهت للاعتراف بهم.

جانبا من التاريخ الإسلامي للبنان :

بعد أن فتحت لبنان والتي كانت تسمى “سواحل الشام سابقا”  في عهد الخلفاء الراشدين وكانت من نصيب دمشق بعد تقسيم عمر  حيث قسم بلاد الشام الى اربع مناطق عسكرية هي (دمشق وحمص والأردن وفلسطين ) وكانت لبنان تابعة لدمشق  حيث يقول المقدسي ( بيروت من مدن دمشق والمسافة بين دمشق وبيروت مسيرة يومين ) و كانت تحت ولاية يزيد بن أبي سفيان والذي توفي إثر طاعون”عمواس” والذي فتك ب 25 الف من المسلمين على رأسهم أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن ابي سفيان وشرحبيل بن حسنة وذلك عام 18 ه   وبعدها انتقلت الى ولاية معاوية ،وكان لها دور كبير جدا مثل جميع المدن الساحلية في الغزوات البحرية التي قادها المسلمون بالبحر المتوسط وكانت مهبطا لرباط كبار الصحابة والتابعين  وكان على رأسهم أبي الدرداء كونه أول من قدم للرباط بلبنان حيث نزل ببيروت بعد فتحها مباشرة حيث كانت موقعا لرباط الصحابة في عهد عمر ولما قدم سلمان وسأل أهل دمشق عن أبي الدرداء قالوا له انه برباطه فسأل اين ؟  قالوا ببيروت فخرج ورابط معه.

وبعد الاستقرار الإسلامي بلبنان و طوال هذه المدة لم تنشأ علاقة بين فرنسا وبين لبنان  ولكن بدأت ملامح العلاقة عن طريق “الموارنة” ليكون لويس التاسع هو أول من مد لهم العون الفرنسي  حيث كان أول صديق فرنسي لهم، إذ سار اليه  وفدٌ مؤلف من خمسة عشر ألف ماروني ومعهم المؤن والهدايا عندما نزل إلى البر في عكا ، وقد سلمهم بهذه المناسبة رسالة مؤرخة في 21/5/1250م فيها تصريح بأن فرنسا تتعهد بحمايتهم فقد جاء فيها: “ونحن مقتنعون بأن هذه الأمة التي تعرف باسم القديس مارون هي جزء من الأمة الفرنسية”.احتل الموارنة مكانا مرموقا لدى الصليبين كأفضل طائفة مسيحية  ، في عام 1535 عقد معاهدة فرنسية عثمانية منحت خلالها فرنسا امتيازات ببلاد الشام وفي القلب منها لبنان وبهذه المعاهدة أنتزعت فرنسا  حقا في حماية الكاثوليك في لبنان. وترسخت الحماية الفرنسية إثر تعهدا للويس الرابع عشر  عام 1649، بشان حماية الكنيسة المارونية وجميع طوائفها، وجتء ذلك في رد على البطريرك : “ليكن معلوماً، أننا نضع تحت حمايتنا ورعايتنا بطريرك ورعايا وإكليروس المارونية المسيحية، الذين يعيشون ويعملون في جبل لبنان”

وقد جدَّد الملوك الفرنسيون اللاحقون هذا التعهد، حتى رسخت قواعده ، في القرن الثامن عشر،

وبإعتبار فرنسا أقوى دولة كاثولكية بأوروبا حيث أنها أول دولة حديثة تعترف بها الكنيسة ولذا أطلق على فرنسا “الأبنة الكبرى للكنيسة”  هذه الأبنة الكبرى انحازت واعتبرت نفسها حامية المارونيين وخاصة بلبنان  وازداد التقارب الماروني الفرنسي منذ هذا التاريخ   وفي ظل هذه الأثناء فقد الدروز سيطرتهم تماما وأوشك نجمهم على الأفول بالمنطقة وفي حملات نابليون وانتقاله من مصر الى بلاد الشام سارع المارونيون بمساعدته وقد خالفهم كالعادة في ذلك الدروز  استمر هذا التعاطف من الغرب مع الموارنة في الأجيال التالية ، وفي هذه الاوقات تعالت حركات التمرد وازداد الخلاف داخل لبنان  ولعبت القوى السياسية الخارجية دورا خطيرا في 1840 م والذي نتج عنه التعبئة وإثارة الخلاف بين الطوائف المختلفة ،  وفي العام 1860 تدخلت فرنسا مباشرة لحماية الموارنة بحملة عسكرية كبيرة، خلال المواجهات الطائفية الدامية بين الدروز والموارنة في جبل لبنان ، وبعد الحرب العالمية الأولى ومع تفكّك الدولة العثمانية، اعترفت الدول المنتصرة بحقّ فرنسا بأخذ لبنان حصةً لها، بعد تقسيم تركة الإمبراطورية في المنطقة بين الاستعمارين الفرنسي والإنكليزي، وفق اتفاقية سايكس بيكو، و ارسلت فرقة فرنسية بعد الحرب العالمية الأولى لإحتلال لبنان في عام 2018  والذي بقدومه أعلنت لبنان الكبرى مما أسعد النصارى كثيرا، بعدما ظلت منذ عام 1516 م تابعة للخلافة العثمانية حيث كانت  حتى عام 1864 تتالف من منطقيتين إداريتين شمالا تابعة لولاية طرابلس وجنوب تابعة لولاية صيدا واللتيا ألغيتا وحل محلهما ولاية بيروت ، في مارس 1943 وزعت فرنسا مقاعد في البرلمان اللبناني بنسبة ستة إلى خمسة لصالح

المسيحيين. وتم توسيع هذا لاحقًا ليشمل المكاتب العامة الأخرى. وكان يجب أن يكون الرئيس مسيحيًا مارونيًا ورئيس الوزراء مسلمًا سنيًا ورئيس مجلس النواب مسلمًا شيعيًا.وفي يناير 1944 وافقت فرنسا على نقل السلطة إلى الحكومة اللبنانية وبالتالي منح الإقليم الاستقلال.[1]

السياسة الفرنسية الحالية تجاه لبنان (تحركات إمانويل ماكرونفي لبنان بعد إنفجار مرفأ بيروت أنموذجا): 

لم تكن استجابة فرنسا السريعة والمتنامية تجاه تطورات الأوضاع في لبنان سوى جزء من سياستها العامة تجاه هذا البلد، واستكمالًا لما بدأته منذ سنوات من محاولات لإصلاح الأوضاع الاقتصادية الداخلية في لبنان. ويمكن الإشارة إلى أهم دوافع الموقف الفرنسي الحالي في لبنان على النحو التالي: 

1- استعراض القوة: فقد عبَّرت تحركات “ماكرون” عن حجم النفوذ الذي تتمتع به فرنسا في لبنان، بصفتها دولة صديقة تدعم فرنسا حريتها واستقلالها وسيادتها الوطنية، وهو ما انعكس في رفض “ماكرون” نفسه فكرة “إحياء الانتداب الفرنسي”، وتأكيده أنه “لا يمكن أن يعوض عن قادة لبنان”.

في الوقت ذاته، كانت زيارة “ماكرون” للمناطق المتضررة في بيروت ووعده للبنانيين بإعادة بناء المدينة والاستماع لشكواهم وتأكيده أن أموال المساعدات ستذهب للمتضررين مباشرة، بمثابة تأكيد للنفوذ الفرنسي، وقدرته على التأثير على النخب السياسية الحاكمة في لبنان من ناحية، وقدرته على الوصول إلى الشعب مباشرة من ناحية أخرى. 

بالإضافة إلى ذلك فإن تبني فرنسا مبادرة تنسيق المساعدات الدولية الموجهة للبنان كان ملمحًا آخر لنفوذ فرنسا في لبنان، بل وتفويض الدول والمنظمات الدولية لها في تأمين وصول هذه المساعدات لمستحقيها.

2- تعزيز نفوذ “باريس”: وهو ما انعكس في أمرين؛ الأول هو سرعة تنظيم مؤتمر باريس لدعم لبنان وجمع تبرعات بالملايين كمرحلة مبدئية لإعادة بناء الأماكن المتضررة، وهو ما يعني أن ماكرون نفَّذ ما وعد به الشعب اللبناني، فضلًا عن قدرته على جمع قادة الفصائل السياسية اللبنانية على طاولة واحدة في مشهد نادر في مقر السفارة الفرنسية في بيروت وتوبيخه لهم، إن جاز التعبير، على عدم قيامهم بالإصلاحات المطلوبة وتحميلهم مسؤولية الأزمة.

أما الأمر الثاني فقد ظهر في تبني فرنسا خطابًا سياسيًّا تضامنيًّا مع “الشعب” اللبناني منذ وقوع التفجيرات؛ فقد غرَّد “ماكرون” على تويتر باللغة العربية عن تضامنه مع لبنان وحبه لها، كما قال للمواطنين أثناء زيارته إن “فرنسا لن تترك لبنان يرحل”، وإن “قلب الشعب الفرنسي لا يزال ينبض بنبض بيروت”. وليس من شك أن هذا الخطاب الوجداني له تأثير كبير مع غالبية الشعوب ويزداد تأثيره أثناء الأزمات.

3- إضعاف النفوذ الإيراني: والمتمثل في حزب الله الذي يسيطر بشكل كبير على الحكومة اللبنانية “المستقيلة”. وقد أظهرت تطورات التعامل مع الأزمة أن لفرنسا اليد الطولى في لبنان حاليًّا، مدعومة بتأييد داخلي من الشعب اللبناني نفسه من جهة، وبقدرتها على إعادة إعمار لبنان بعد الدمار من ناحية أخرى. 

وقد كانت استقالة الحكومة اللبنانية بقيادة “حسان دياب” بمثابة خطوة نحو إضعاف النفوذ الإيراني الذي تنامَى في السنوات القليلة الماضية، ومحاولة كسر العزلة العربية والدولية عليها وإعادتها لحلفائها الخليجيين والأوروبيين.

4- تحجيم النفوذ التركي: فبرغم كون النفوذ التركي في لبنان محدودًا حتى الآن، إلا أن فرنسا تسعى لمنع تنامي أي دور لتركيا هناك، خاصة مع التوترات الحالية بين باريس وأنقرة بشأن ليبيا، والخشية من الطموحات التركية في شرق المتوسط للتنقيب عن النفط والغاز.

ففي بداية يوليو الماضي، ألقت السلطات اللبنانية القبض على عدة أشخاص في طيارة خاصة قادمة من تركيا كان بحوزتهم 4 ملايين دولار. وفي شهر يونيو أعلن الجيش اللبناني استلام “ذخيرة من عيارات مختلفة مقدمة هبة من السلطات التركية”، هذا بالإضافة إلى تزايد نشاط الجمعيات التركية في شمال لبنان. 

كما لا يمكن الإنكار بأن هناك فئة من التركمان في شمال لبنان لها صلات مع تركيا، وليس من المستبعد وجود فئات محسوبة على الإخوان المسلمين لها صلات مع تركيا تتطلع لدور تركي في لبنان، لكن الدور التركي ذلك ما زال محدودًا في لبنان، برغم وجود رغبة لديها للامتداد على طول شرق المتوسط.

5- المهرب الخارجي: إذ يسعى “ماكرون” لتحقيق إنجازات على مستوى السياسة الخارجية تساهم في تعزيز النفوذ الدولي لفرنسا بما يصرف الانتباه أو يغطي على المشكلات الداخلية التي تواجهها فرنسا في الآونة الأخيرة في أعقاب فيروس كورونا والتراجع الاقتصادي وغيره. 

وتعد الساحة اللبنانية بتطوراتها الحالية أفضل منطقة للتحرك النشط للسياسة الخارجية الفرنسية، لكن يواجه هذا التحرك انتقادات من المعارضة الفرنسية الداخلية، سواء اليمين أو اليسار التي تتهم “ماكرون” بمحاولة استعادة الاستعمار الفرنسي للبنان، مؤكدين أن دعم فرنسا للبنان لا يجب أن يكون مشروطًا. 

أظهرت الأيام اللاحقة للأزمة اللبنانية حجم الحضور الفرنسي ومدى تأثيره على الأوضاع ليس على مستوى الحكومة والنخبة السياسية فحسب، بل على مستوى الشارع اللبناني أيضًا الذي انتفض يطالب بتغيير كل النخبة السياسية الحالية، ولم يكتفِ باستقالة الحكومة بل دعا إلى استقالة مجلس النواب أيضًا، وتغيير بنية النظام السياسي.

ونظرًا لتأييد فرنسا لاستقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة، ودعوتها لوضع ملف الإصلاح الاقتصادي على رأس أولوياتها، فإن فرنسا من المحتمل بشكل كبير أن تدعم مطالب المحتجين عبر حشد الضغط الدولي نحو عقد اجتماعي جديد في لبنان، وإحداث تغيير في بنية النظام السياسي اللبناني القائم على المحاصصة الطائفية، من خلال دعم تشكيل نظام انتخابي يسمح بالتدرج من الطائفية إلى المواطنة.

وينبع ذلك من أمرين؛ أولًا تنامي الرغبة الداخلية في لبنان، في أعقاب التفجيرات، بتأسيس نظام سياسي جديد قائم على الديمقراطية والمواطنة بالأساس دون النظر للاعتبارات الطائفية والدعم الخارجي لبعض الطوائف والذي أودى بلبنان لهذا المصير. وثانيًا فساد النخبة السياسية الحالية ورفض المواطنين وكذلك فرنسا لها، وهو ما اعترفت به فرنسا والقوى الدولية ضمنيًّا حينما أكد “ماكرون” للمواطنين أن أموال المساعدات ستذهب إلى المتضررين مباشرة وليس إلى الحكومة أو النخبة السياسية.

بالإضافة إلى ذلك فإن تأسيس عقد اجتماعي جديد قائم على أسس المواطنة من شأنه أن يضعف النفوذ الإيراني في لبنان، خاصة في أعقاب التفجيرات الأخيرة بما يتيح الفرصة لاستعادة الدولة اللبنانية لحلفائها الخارجيين، سواء الخليجيين أو الأوروبيين والأمريكان، وكسر عزلتها وتشكيل حكومات تكنوقراطية قادرة على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة. 

بيد أن هذا الأمر لن يتحقق بالسهولة التي قد يبدو عليها؛ فهو يواجه عقبة العقلية الطائفية المسيطرة على الحياة في لبنان، فضلًا عن التوترات الإقليمية المحيطة بلبنان خاصة في سوريا والتي يكون لها تأثير بالغ على لبنان، بالإضافة إلى عدم مراعاته لموازين القوى في الواقع اللبناني وحدود تأثير الأطراف الخارجية في العملية السياسية، إذ إن التغيير لن يكون ممكنًا إلا بعد تغير موازين القوى الداخلية.

على الجانب الآخر فإن التفجيرات الأخيرة لم تفجر الميناء فحسب، بل فجَّرت مشاعر السخط الموجودة لدى قطاعات عريضة من اللبنانيين بما دفعها للتظاهر وتصعيد مطالبها لإسقاط النظام والنخبة السياسية بالكامل، وهو ما بدأت تتساقط أوراقه شيئًا فشيئًا باستقالة الحكومة. 

ومن ثم سيظل الرهانُ الفرنسي فيما يتعلق بتأسيس نظام انتخابي يسمح بالتدرج من الطائفية إلى المواطنة، قائمًا على قدرة المتظاهرين على تصعيد مطالبهم، وضمان حدوث تغييرات في بنية النظام السياسي نفسه، وهو ما سيحدد، ربما، حجم الدعم والاستجابة التي ستقدمها فرنسا والمجتمع الدولي لهذا المطلب.[2] 

يرى خبراء ومحللون سياسيون أن الدور الفرنسي في الملف اللبناني لم يعد يتمتع بالتأثير الذي كان يميّزه في السنوات السابقة، خصوصاً في ظل عجز باريس عن التأثير في القرارات الإسرائيلية أو منع التصعيد العسكري المحتمل في لبنان. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المؤشرات على اقتراب مرحلة جديدة من المواجهة، قد تشمل تدخلاً برياً إسرائيلياً، وسط تعقيدات سياسية وعسكرية متشابكة في الداخل اللبناني والإقليم.

تراجع التأثير الفرنسي

يشير خبراء إلى أن المبادرات الدبلوماسية الفرنسية الأخيرة، وعلى رأسها المبادرة التي طرحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن. فبالرغم من الجهود التي بذلها ماكرون في محاولة إقناع إسرائيل بتجنب أي تدخل بري في لبنان، إلا أن تلك المساعي لم تنجح في تغيير مسار الأحداث.

ويرى محللون أن الحرب المحتملة في لبنان باتت إلى حد كبير في يد الولايات المتحدة وإسرائيل، في وقت يتوقع فيه أن تبقى الساحة اللبنانية مفتوحة على مزيد من التصعيد بعد كسر العديد من الخطوط الحمراء، مع غياب مؤشرات واضحة على موعد انتهاء المواجهة.

مساعٍ دبلوماسية

أجرى الرئيس الفرنسي خلال الفترة الماضية سلسلة من الاتصالات المكثفة مع المسؤولين اللبنانيين، إذ تحدث مع الرؤساء اللبنانيين ثلاث مرات متتالية في محاولة لدفع مبادرة تهدف إلى خفض التوتر. غير أن هذه الجهود، بحسب الخبراء، فقدت فعاليتها بعد رفض حزب الله المقترح الذي يقضي بانتشار الجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق الجنوب والبقاع، مقابل تسليم سلاح الحزب.

تفاصيل الخطة

وفقاً لما يورده المحللون، كانت الخطة المقترحة تقوم على انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من نقاط محددة، تبدأ بنقطتين ثم نقطتين إضافيتين وصولاً إلى الانسحاب الكامل، وذلك بعد التأكد من تسليم سلاح الحزب وانتشار الجيش اللبناني في المناطق المعنية.

غير أن رفض هذه الخطة، إضافة إلى المعطيات الميدانية، يعززان التقديرات التي تشير إلى أن الهجوم البري الإسرائيلي قد يكون وشيكاً.

تنسيق أمريكي إسرائيلي

ويشير خبراء إلى أن بعض أعضاء الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة من أصول لبنانية تحدثوا عن تحضيرات عسكرية يجري العمل عليها ضمن تنسيق أمريكي–إسرائيلي واسع النطاق. ويُعتقد أن هذا التنسيق يهدف إلى التحضير لهجوم محتمل في منطقة نهر الليطاني جنوب لبنان.

كما لفت المحللون إلى وجود دعم أمريكي غير مسبوق يسمح لإسرائيل بتنفيذ عملياتها العسكرية وفق ما تراه مناسباً، سواء عبر توسيع الهجمات الجوية أو من خلال إطلاق عملية برية قد تنطلق من البقاع الغربي أو من الحدود الشمالية مع إسرائيل.

سيناريو الاجتياح

ويرى الخبراء أن احتمال اجتياح مناطق جنوب لبنان بات مطروحاً بقوة، إلى جانب احتمال اعتماد إسرائيل سياسة الأرض المحروقة جواً في العمليات العسكرية المقبلة.

ويأتي ذلك في ظل غياب أي تحركات دبلوماسية فعالة في المرحلة الراهنة. كما أبلغ السفير الأمريكي ميشيل عيسى الرئيس اللبناني جوزيف عون بجملة من المعطيات المتعلقة بالموقف الأمريكي، في وقت لا توجد فيه حالياً أي مفاوضات أو مشاورات أو حتى لجنة ثلاثية أمريكية–إسرائيلية–لبنانية، وذلك قبل استهداف البنية العسكرية لـ”حزب الله”.

القرار بيد واشنطن

يعتقد خبراء أن الولايات المتحدة تبقى الجهة الوحيدة القادرة على رسم خطوط حمراء أمام إسرائيل في الحرب على لبنان. غير أنهم يرجحون أن تستمر المواجهة لفترة طويلة، معتبرين أنه من المبكر الحديث عن إمكانية وضع حدود واضحة لمسار الحرب.

كما يؤكد المحللون أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا يمتلك تأثيراً فعلياً في قرارات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولا يملك القدرة على إقناعه بوقف العمليات العسكرية أو منع أي تدخل بري.

ضوء أخضر أمريكي

ويضيف الخبراء أنه في حال عدم حدوث تدخل مباشر من الإدارة الأمريكية، فإن يد نتنياهو ستبقى مفتوحة في لبنان لفترة طويلة. وتشير المعطيات الحالية إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية – من قصف وتدمير واغتيالات وحشود برية – تجري في إطار ضوء أخضر أمريكي يمنح إسرائيل حرية واسعة في التصرف داخل الساحة اللبنانية.

مفتاح الحرب بيد واشنطن

في ضوء هذه التطورات، يرى الخبراء أن العامل الوحيد القادر على وقف الحرب يتمثل في قرار أمريكي حاسم يفرض قيوداً على العمليات العسكرية الإسرائيلية. غير أن المؤشرات الحالية توحي بوجود مصلحة أمريكية في إضعاف حزب الله أو تدمير بنيته العسكرية، باعتباره – وفق الرؤية الأمريكية – امتداداً للحرس الثوري الإيراني وتهديداً لأمن إسرائيل والولايات المتحدة، فضلاً عن كونه عاملاً مؤثراً في توازنات الأمن الإقليمي.[3]

لا يخرج لبنان عن كونه حلقة من حلقات التراجع العام للسياسة الفرنسية في مختلف أبعادها الأفريقية والأوروبية والدولية والشرق أوسطية وذلك بعد انخراط واشنطن وبكل ثقلها في ترتيب التفاعلات وعلى ضوء رعايتها للتفاوض اللبناني مع اسرائيل بالإضافة إلى الحضور الإيراني من خلال ربط وقف الصراع الجاري بوقف الحرب الإسرائيلية وتوسعها على لبنان وهذا ماعزز حضورها في بيىتها المتحالفة معها جنوب لبنان كل تلك عوامل كانت محفزة لتراجع التأثير الفرنسي في الداخل اللبناني زيادة على محاولة التموضع التركي الاخير في الداخل اللبناني من خلال التقارب الأخير الذي ظهر في زيارة رىيس الحكومة اللبنانية نواف سلامة لانقرة التي تتنافس أيضا في بيروت وهذا التنافس كان عاملا في تقلص نفوذ باريس.

قائمة المصادر و المراجع: 

[1] محسن الكومي، العلاقة بين فرنسا و لبنان عبر التاريخ و أثرها في الحماية الفرنسية، المركز الديمقراطي العربي، https://share.google/0up0ktTsPDifUd1Z0، تم التصفح بتاريخ 22/07/2026

[2] مركز المستقبل، دوافع التحركات الفرنسية في لبنان بعد انفجار بيروت،https://share.google/4lIE9Ix0aoFnmBWVG، تم التصفح بتاريخ 22/07/2026

[3] وكالة أنباء آسيا، تراجع الدور الفرنسي يترك لبنان بقبضة واشنطن، https://share.google/jEQZ5BgDhUEz6GErl، تم التصفح بتاريخ 22/07/2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى