مقالات

الحرب النفسية الجديدة: استهداف الإدراك قبل استهداف السلوك

لم تعد الحرب الحديثة تحتاج دائماً إلى أن تصل إلى الإنسان بالسلاح أحياناً يكفي أن تصل إليه بفكرة، في الماضي كان الهدف العسكري واضحاً: أرضٌ تُحتل، منشأةٌ تُدمّر، أو قوةٌ تُستنزف. أما في بيئة الصراع المعاصرة، فقد أصبح العقل نفسه جزءاً من ميدان المواجهة اذ تُستخدم المعلومات والاتصال والتقنيات الرقمية للتأثير في الإدراك، والثقة، وصناعة القرار والسلوك

. وهنا تبدأ الحرب النفسية الجديدة… لا تبدأ بالسؤال: ماذا تريد أن تفعل؟ بل بالسؤال الأخطر: كيف يمكن أن أجعلك ترى الواقع بطريقة تقودك أنت إلى الفعل الذي أريده؟ قد لا يحاول الفاعل إقناعك بكذبة واحدة. قد يفعل شيئاً أكثر تعقيداً: يُغرقك بالمعلومات. يخلط الحقيقة بالشائعة. يكرر رواية واحدة بأشكال مختلفة  يستثير خوفك أو غضب،  يضخم الخلافات. يهز ثقتك بالمؤسسات والمصادر. ثم يتركك أمام واقع مرتبك لا تعرف فيه ماذا تصدق

 وهنا لا تكون النتيجة دائماً أن تصدق الرواية المعادية أحياناً يكفي أن تفقد ثقتك بكل الروايات. وهذا أحد أخطر أوجه التلاعب الإدراكي: أن يصبح الإنسان عاجزاً عن التمييز بين الحقيقة والتضليل، أو يفقد الرغبة أصلاً في البحث عن الحقيقة. وتشير مقاربات حديثة للتهديدات المعلوماتية إلى أن بعض الحملات لا تستهدف الإقناع المباشر، بل خلق الارتباك وإضعاف الثقة والقدرة على التمييز

و هنا ننتقل من استهداف السلوك إلى استهداف العقل السلوك هو النهاية. أما الإدراك فهو البداية. قبل أن يتخذ الإنسان قراراً، هناك سلسلة داخلية: معلومة → تفسير → إدراك → انفعال → قناعة → قرار → سلوك. ومن يريد التأثير في السلوك، قد لا يحتاج إلى مهاجمة القرار مباشرة؛ يكفي أن يؤثر في المراحل التي تسبقه. ولهذا أصبح فهم التحيزات المعرفية، والعاطفة، والخوف، وعدم اليقين، والانتماء والهوية جزءاً من دراسة بيئة الصراع الإدراكي.

وتصف منشورات حديثة لـNATO الحرب المعرفية بأنها استغلال لنقاط الضعف المعرفية بهدف التأثير في تصورات الواقع وصناعة القرار. و أخطر انواع سلاح… أن يجعلك تشك وفي نفسك حين تتعرض المجتمعات لكمّ هائل من الرسائل المتناقضة، قد يحدث شيء أخطر من تصديق الشائعة: _الإرهاق الفكري. _ يصبح الإنسان متعباً من التحقق. _ يتوقف عن السؤال. _ يتوقف عن المقارنة. _ ثم يبدأ بتصديق ما يوافق غضبه، أو ما تقوله جماعته، أو ما تكرر أمامه أكثر. وهنا يتحول المواطن من فاعل في البيئة المعلوماتية إلى مجرد مستقبل لها

لذلك تبدأ المواجهة من الوعي ف المجتمع المحصّن ليس المجتمع الذي لا تصل إليه المعلومات، فهذا مستحيل. بل هو المجتمع الذي يستطيع أن يسأل: _ من أنتج هذه الرواية؟ _ لماذا ظهرت الآن؟ _ ما الدليل عليها؟ _ ما الذي تحاول أن تجعلني أشعر به؟ _ هل تعرض لي الحقيقة كاملة أم جزءاً منها؟ _ هل أنا أبحث عن الحقيقة، أم عن معلومة تؤكد ما أؤمن به مسبقاً؟ وهذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً إنها جزء من المناعة المعرفية للمجتمع. فمواجهة الحرب النفسية لا تكون دائماً بإنتاج خطاب مضاد، وإنما ببناء إنسان يستطيع أن يفكر قبل أن يتأثر، ويتحقق قبل أن يصدق، ويتأنى قبل أن يتحول انفعاله إلى سلوك. و المعركة الحقيقية في الحروب التقليدية، قد يكون الهدف السيطرة على الأرض.

أما في الحرب النفسية والمعرفية، فقد يصبح الهدف السيطرة على تفسير الإنسان للأرض والأحداث والواقع. ومن هنا يصبح الأمن الفكري جزءاً من الأمن الوطني لأن المجتمع الذي يفقد قدرته على التمييز، وتنهار ثقته، ويتحول اختلافه إلى استقطاب، يصبح أكثر هشاشة أمام محاولات التأثير الخارجي والداخلي. لكن الوعي لا يعني الخوف من كل معلومة، ولا تحويل الاختلاف إلى مؤامرة، ولا إسكات النقد. بل العكس هو الصحيح و العقل الحر، القادر على السؤال والمراجعة والبحث والمقارنة، هو أحد أقوى خطوط الدفاع أمام التلاعب. ولهذا فإن الحرب النفسية الجديدة لا ينبغي أن تجعلنا نخاف من المعلومات… بل أن نتعلم كيف نقرأها

فالمعركة لم تعد فقط: من يملك السلاح؟ ولا حتى: من يملك المعلومة؟ بل أصبحت: من يستطيع أن يؤثر في الطريقة التي نفهم بها المعلومة؟ وهنا تكمن خطورة المرحلة: قد تخسر معركةً دون أن تسمع صوت رصاصة، إذا خسر عقلك القدرة على رؤية المعركة كما هي. وفي زمن تتسارع فيه الخوارزميات والذكاء الاصطناعي والتضليل المعلوماتي، يصبح الدفاع الحقيقي هو بناء مناعة إدراكية تجعل الإنسان أقل قابلية لأن يُقاد بالخوف، وأكثر قدرة على التمييز، وأشد حرصاً على الحقيقة. فالذي يريد أن يغيّر سلوك مجتمع، قد يبدأ أولاً بمحاولة تغيير الطريقة التي يرى بها ذلك المجتمع نفسه والعالم من حوله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى