
عزة الفشني تكتب: أي هندسة أمنية بلا مصر ناقصة.. هذا ما قالته زيارة بن سلمان بصوتٍ عال
في لحظة فارقة يتشابك فيها الإقتصاد بالأمن وتختلط فيها المصالح بالمواقف تبرز الزيارات الكبرى لا بوصفها بروتوكولاٌ عابراٌ بل بوصفها رسالة تحمل في طياتها معاني التضامن والمصير المشترك وحين يأتي ولي العهد السعودي إلى أرض الكنانة فإن الخطى لا تمشي وحدها بل يمشي معها ثقل التاريخ وعمق الجغرافيا وحرارة الأخوة التي لا تعرف البرد.
- أمن مصر وإستقرارها إمتداد لأمن الجزيرة والبحر الأحمر كله
إن إستحقاق وديعة سعودية تتجاوز الخمسة مليارات دولار في الخزينة المصرية ليس رقماٌ في دفتر الحسابات بل هو مفترق طرق بين خيارين أحدهما يرى في المال قرضاٌ يجب أن يعود والآخر يرى فيه بذرة يجب أن تنمو وحين تعلن الرياض نية تحويل الوديعة إلى إستثمار مباشر فإنها لا تقدم دعماٌ مالياٌ فحسب بل تقدم رؤية تقول إن أمن مصر هو إمتداد لأمن الجزيرة وأن إستقرار النيل هو إستقرار للبحر الأحمر كله.
وجاءت الزيارة في توقيت لا يخطئه المتابع فالسعودية تتعرض لموجات تصعيد متكررة من جماعات مسلحة في اليمن تحاول أن تفرض معادلاتها على سماء المملكة وعلى سواحلها وعلى شريان التجارة العالمي الذي يمر من باب المندب إلى قناة السويس ولا يمكن فصل هذا المشهد عن الطاولة التي جمعت قادة البلدين في القاهرة فالحديث لم يكن عن الأرقام وحدها بل كان عن الردع وعن الجبهة الواحدة وعن معنى أن يكون الهجوم على دولة هو هجوم على الجميع وهذا هو جوهر إتفاقيات الدفاع الجديدة التي تريد أن تبني للمنطقة مظلة أمنية لا تنتظر الإذن من بعيد.
- العلاقة بين مصر والسعودية أكبر من أن تختزل في وديعة أو صفقة
إن العلاقة بين مصر والسعودية أكبر من أن تختزل في وديعة أو صفقة أو مشروع ربط كهربائي وإن كانت هذه كلها ضرورية ومهمة لكن جوهرها يقوم على إدراك مشترك بأن الفراغ الذي يتركه التردد تملؤه الفوضى وأن الحماية لا تشترى بل تصنع بالشراكة وبالثقة وباليد التي تمتد وقت الشدة لا وقت الرخاء فقط.
ولذلك لم تكن زيارة ولي العهد زيارة إقتصادية خالصة ولا زيارة أمنية ضرورية. بل كانت زيارة إعادة تأسيس فالإقتصاد يحتاج إلى طمأنينة والطمأنينة تحتاج إلى ظهر تحتمي به والمشروعات الكبرى من الربط الكهربائي إلى الإستثمارات الصناعية إلى تطوير سواحل البحر الأحمر لا تقوم إلا في مناخ يقول للمستثمر إن هذه الأرض محمية وإن هذه الشراكة راسخة.
- مصر كانت وما زالت عمق العرب الإستراتيجي وقلبهم النابض
وفي هذا السياق يبرز سؤال عن حجم مصر وقوتها وهل أدركته دول الخليج بعد أن فتحت قنوات مع شركاء دوليين آخرين والجواب أن قوة مصر لا تقاس بلحظة ولا باتفاق فالتاريخ يشهد أنها كانت وما زالت عمق العرب الاستراتيجي وقلبهم النابض وأن الحديث عن الأمن الخليجي هو حديث بالضرورة عن ظهر يحمي من الغرب وعن نهر يمد بالحياة وعن جيش حاضر في معارك الأمة العربية٠
إن بناء تحالفات وتنويع المظلات الأمنية هو من أدوات السياسة الرشيدة التي تمارسها كل الدول الكبرى وما فعلته دول الخليج ليس بحثاٌ عن بديل لمصر بل هو بحث عن طبقات حماية متعددة لخطر واحد يطال الرياض ويطال قناة السويس ويطال الملاحة في البحر الأحمر فصار التنسيق المصري الخليجي ضرورة وجودية لحماية الجميع.
- قوة مصر فى شعبها وموقعها وأى ردع دونها منقوص
وعندما وقعت إتفاقية مكة للدفاع المشترك وعندما زار ولي العهد القاهرة وعندما تحدثت العواصم عن تحويل الودائع إلى إستثمارات كان ذلك إعترافاٌ عملياٌ بأن أي هندسة أمنية للمنطقة بلا مصر هي هندسة ناقصة وأن أي ردع بلا القاهرة هو ردع منقوص فقد أدركت دول الخليج أن قوة مصر ليست في رقم احتياطي ولا في حجم وديعة بل في موقعها وفي شعبها وفي قدرتها على أن تكون صمام الأمان حين تشتعل الجبهات وأن تكون جسر العبور حين يريد العرب أن يلتقوا
وفي المحصلة فإن ما جرى هو رسالة مزدوجة إلى الداخل وإلى الخارج إلى الداخل تقول إن الدولة لديها سند إقليمي يحول التحديات المالية إلى فرص نمو وإلى الخارج تقول إن أي محاولة لإستهداف أمن الخليج أو أمن مصر ستصطدم بجدار موحد لا يفرق بين الرياض والقاهرة وحين تجتمع السياسة مع الإقتصاد والأمن مع الإستثمار تتحول الزيارة من خبر عابر إلى نقطة تحول يعاد بعدها رسم قواعد اللعبة في الشرق الأوسط كله.



